جبن الأسد- علي السوداني

منشور 07 آذار / مارس 2016 - 02:30
علي السوداني
علي السوداني

كلُّ الطرق تؤدي إلى الكتابة الليلة. الحروف تلبط مثل سمك كثير بحوض الشهوة. السمكة تلعب غير مكترثة بنظرات الفرّيسين الجائعين. سمكات البركة لا يدرين بأيّ بطنٍ سيُجهضنَ بعد ساعة. زحمة الأفكار تعذّب الكاتب وتجعله يتلوى تحت زخيخ حروف الحيرة وهي تتطاير فوق شاشته، مثل منظر غابة سقطتْ فوق خاصرتها قنبلة لعينة، ففزت العصافير، وبال الأسد على فخذيه.

سأذهب صوب مذهب إنَّ فكرةً تحت اليمين أحسن من سبعين على شجرة المخ. الانثيال والهذيان واللاوعي هي الحلول المتاحة الآن. مرة ثانية يستضيف جسدي القويّ شلةً مجنونة من فايروسات الزكام. عالجتُ المسألة بالكثير من الليمون والشاي وكأس نبيذ فاترة والدفء اللذيذ، حتى كدتُ أسمع صوت الفايروسات الغبية وهي تتقاذف اللوم والندم، كأن واحدتهنّ تقول لأخيتها لماذا تورطنا وهاجمْنا جسم علّوكي الصعب ثانيةً؟

 

بودّي أن أؤدي رقصةً قويةً تختضّ معها بطني ويقلق منام الفايروسات هناك، فتفزّ من شخيرها، وتجد لها طريقاً آمناً محروساً صوب الخشم والفم، فتنجو بجلودها وتعود إلى أهلها وصحبتها، وتخلص من الكارثة التي ستحلُّ عليها، بعد قليلٍ من الصبر وكثيرٍ من الغضب.

 

يعجبني أنْ أكتبَ الآن إنّ عظامي مطحونةٌ في هاون، لكنّ المشكلة هي أنني كنتُ كتبتُ هذا قبل سنة. حاولتُ إعادة إنتاج وتدوير الجملة البائدة، لكنني فشلت فصنعتُ أربع جملٍ بائسات مريضات، مثل بلادٍ مازالت تتململ خارج اليقين.

 

عندما شاهدتُ شريط الملك الصياد، عرفتُ أنّ روبن وليامز سينتحر حقاً. كان كئيباً صحبة شلة من الكئيبين يعيشون بمزبلة. في هذا الفيلم المذهل، تفوق وليامز على نفسه حتى بلغ مبلغ أسطورة، وتقمّص حياة الشقيق عروة بن الورد. اشتهيت فتح باب شاشة التلفزيون وزيارة صديقي روبن ومجموعته النقية. من هذه القدحة المباركة، تذكرتُ أنني كنتُ مصدقاً طرفة أبي التي يجيبُ بها عن سؤالي الملحاح، بخصوص أين يذهب العمّال خلف الشاشة الصغيرة بعد انفناء زمن فيلم السهرة. أبي زرع برأسي الصغير صورة أنهم ينامون كلهم في هذا الصندوق العجيب. لم تستمر تلك الخديعة البديعة التي صنعها أبي طويلاً. لقد اكتشفتُ الأمر مثل طفلٍ يكاد يطقّ من الضحك، على ليلة تسلّمهِ آخر هدايا العم سانتا كلوز الجميل.


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك