بينما كانت تقارير إسرائيلية توجه الاتهام إلى أرئيل شارون بارتكاب المجزرة الدموية في مخيمي صبرا وشاتيلا الفلسطينيين، وفي الوقت الذي قبلت محكمة بلجيكية الدعوى المقامة من الضحايا على السفاح انبرى "روبير حاتم" من جديد ليمنح صك براءة ويغسل يدي رئيس الوزراء من دماء أكثر من 1500 فلسطيني.
وروبير حاتم هو رجل الحماية والمرافق الشخصي لـ إيلي حبيقة المسؤول العسكري في حزب القوات اللبنانية والمتورط أيضا في المجزرة الرهيبة.
فقد كشف تقرير إسرائيلي أن جنوداً من الجيش الإسرائيلي شاركوا في مذبحة صبرا وشاتيلا مع عناصر القوات اللبنانية بقيادة الوزير السابق إيلي حبيقة، مشيراً إلى أن شهادات الناجين من المذبحة في الدعوى القضائية ضد رئيس الوزراء أرئيل شارون، تؤكد وجود مشاركة إسرائيلية، "أكبر مما كان معروفاً في المذبحة".
شهادات جديدة للناجين
وأورد التقرير الذي نشرته الأسبوعية الإسرائيلية "كول هعير"، أنه قبل أكثر من أسبوعين، أرسلت مؤسسة الاستخبارات والمناصب الخاصة، للمستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، الياكيم روبنشتاين، ولمديرة قسم الشؤون الدولية في نيابة الدولة العامة عيريت كهان، الصيغة الكاملة للالتماس الذي قدم في بلجيكا ضد شارون في قضية المذبحة وأرفقت مع الالتماس أيضاً الأدلة التي تشمل شهادات جديدة للملتمسين من الناجين من المذبحة والتي لم تنشر رسمياً بعد.
وأضاف التقرير، أن من هذه الشهادات التي يتوجب النظر إليها كمعلومات لم تتقرر صحتها من الناحية القانونية بعد، يتبين أن هناك مشاركة أكبر مما كان معروفاً حتى الآن من جنود الجيش الإسرائيلي في المخيمات في أيام المذبحة.
وتقول أطراف في النيابة العامة الإسرائيلية إن هذه الادعاءات قد تحصل على تعزيز ملموس بعد التحقيق مع قائد جهاز الأمن في القوات في ذلك الحين إلياس حبيقة.
وجاء في التقرير أن حبيقة الذي يدعي شارون اليوم بأنه كان في العام 1982 عميلاً سورياً، قد يحاول ربط شارون بالمذبحة مباشرة، وأورد التقرير أن الباحثين والصحافيين- حسب ما جاء في الوثيقة البلجيكية- يجمعون على أن الافتراض الأقرب، هو أنه تم التوقيع على اتفاق خلال لقاء بين شارون وبشير الجميل يسمح للقوات اللبنانية بتطهير المخيمات الفلسطينية.
وفي هذه الوثيقة يتحدثون عن المكالمة الهاتفية التي جرت كما يبدو بين شارون واللواء أمير دروري، حيث نقل عن شارون خلالها قوله: "تهانينا، العملية نجحت".
وكشف التقرير أنه مع هذه الوثيقة، أرفقت حوارات قصيرة من كل الملتمسين، حيث كان الادعاء الجديد والمركزي فيها أن جنود الجيش الإسرائيلي عملوا في شكل مشترك مع الكتائب لتنفيذ المذبحة، وأن الادعاءات تشمل مشاركة الجيش في السلب وإخفاء الأشخاص وما إلى ذلك.
الناجية عودة السباك صرحت في هذا السياق قائلة كنا في البيت في يوم الجمعة الموافق السابع عشر من أيلول/ سبتمبر، الجيران جاؤوا وبدأوا يقولون لنا: إسرائيل دخلت.. استسلموا للإسرائيليين، إنهم سيأخذون الأوراق ويأخذون تواقيعكم، فجأة بعد أن خرجنا واستسلمنا أمام الدبابات والجنود الإسرائيليين، فوجئنا بمشاهدة القوات اللبنانية معهم.
وقاموا بأخذ الرجال تاركين النساء والأطفال معاً عندما أخذوا أولادي مني وكل الرجال، قالوا لنا اذهبوا إلى المدينة الرياضية، واقتادونا إلى هناك وتركونا هناك حتى الساعة السابعة مساء، ومن ثم قالوا لنا اذهبوا للفاكهاني، ولا تعودوا إلى البيت وشرعوا في إطلاق القذائف والرصاص علينا.. كان هناك رجال وقفوا جانباً فأخذوهم من هناك ولم نسمع أخبارهم منذ تلك اللحظة، ولا نعرف مصيرهم حتى اليوم وهم يعتبرون في عداد المفقودين.
شهادات أخرى تربط بين القوات والجنود الإسرائيليين، "في المدينة الرياضية شاهدت العسكريين الإسرائيليين ودباباتهم وبلدوزراتهم كما شاهدت مجموعات من الكتائب مع الإسرائيليين"، قالت جميلة خليفة في شهادتها، وأضافت "الإسرائيليون والكتائب عادوا في وقت متأخر ودعونا من خلال المكبرات إلى الاستسلام ووعدوا بالمحافظة على حياتنا إذا خرجنا من الملاجئ، رفعنا الراية البيضاء وعندما خرجنا، قال والدي إنهم لن يحافظوا على حياتنا وإنهم سيقتلوننا، قلت له ألا يخاف وأن يأتي معنا.. هم أخذوا الجميع نساء وأطفالاً ورجالاً، والدي حاول الفرار فأطلقوا النار عليه أمام والدتي وأختي الصغيرة"، كل المخيم كان محاصراً بالمدرعات الإسرائيلية.
الدبابات الإسرائيلية كانت في المكان
محمد يونس الذي كان في الحادية عشرة من عمره إبان الأحداث يستذكر في المدينة الرياضية: شاهدت عسكريين إسرائيليين ودبابات وبلدوزرات ومدفعية، وكلها إسرائيلية، كما شاهدت مجموعات من الكتائب مع الإسرائيليين, المدينة الرياضية كانت مليئة بالنساء والأطفال، وبقينا هناك حتى حلول الظلام، إسرائيلي وصل وقال لنا: اذهبوا لمنطقة الكولا، ومن سيعود إلى المخيم سيموت.
سناء سرساوي تقول "الإسرائيليون الذين كانوا متمركزين أمام السفارة الكويتية ومحطة الكرياب صرخوا بالمكبرات من خلفنا، وفجأة عروا الرجال من ملابسهم الداخلية حتى يربطوا بها عيونهم في المدينة الرياضية، الإسرائيليون حققوا مع الشبان والكتائب أعطوهم 200 رجل، وهكذا لم يعد زوجي وزوج أختي".
من باقي الشهادات التي عرضتها الدعوى أيضاً شهادات مراقبين أجانب مثل المسرحي والشاعر الفرنسي جين غينت الذي زار المخيمات بعد المجزرة والصحافي البريطاني روبرت فيسك.
ونقل التقرير عن شهود، أن القوات الإسرائيلية، كانت تعرف جيداً أن السكان الموجودين في المخيم عشية المجزرة، كانوا في معظمهم من المدنيين، "وإذا كان وجود عدد قليل من المسلحين في المعسكر سابقاً، فقد تم إجلاؤهم قبل ذلك وفقاً لاتفاقات فيليب حبيب".
قتل واغتصاب وتنكيل
ويشير الشهود إلى أن المجزرة تضمنت جرائم خطيرة، مثل القتل والاغتصاب, وهذه الجرائم، مع حقيقة أن المجزرة، جرت "بتنظيم وكسياسة" هي من صفات جريمة دولية.
ويكرر الشهود الادعاء في شأن الحوار الذي جرى بين شارون وبشير الجميل حول "تنظيف لبنان من الفلسطينيين" ويطالبون، وللمرة الأولى بفحص تعاون الإسرائيليين، ليس في أعمال القتل، بل في التحقيقات ونقل عشرات المدنيين إلى أماكن غير معروفة".
وذكر التقرير أن عملية إعادة الاعتبار التي يخططها شارون لنفسه، تشمل، حسب الخطة، زيارة رئيس حكومة النرويج لإسرائيل وهو معني أيضاً بالاقتراحات التي تلقاها من أصحاب رأس المال للمبادرة بإقامة دعاوى مماثلة ضد قادة حلف شمال الأطلسي وزعماء في الاتحاد الأوروبي، وفي نهاية الأسبوع اجتمع أحد ممثليه مع أساتذة في القانون الدولي في أوروبا، من أجل المساعدة في الدفاع عنه.
وكانت لجنة كاهان الإسرائيلية المنبثقة عن الكنيست قد حملت وزير الدفاع آنذاك أرئيل شارون مسؤولية ما جرى ومنعت أن يتسلم هذا الرجل وزارة الدفاع مدى الحياة.
لكن شارون حظي أمس، بشهادة براءة غير عادية عن دوره في مجازر صبرا وشاتيلا، وذلك من المدعو روبرت حاتم المعروف باسم كوبرا.
جاسوس مدى الحياة
ورغم أن الإسرائيليين لا يرون في حبيقة ومرافقه السابق مصدرا للثقة والأمان، إلا أن التصريحات التي أدلى بها "كوبرا" وما سمعه من حبيقة، نشرت أمس بإبراز شديد. وقيل إن شارون شخصيا مهتم بها جدا. ولا يستبعد أن يستدعى "كوبرا" للإدلاء بشهادة لصالح شارون أثناء النظر في القضية المرفوعة ضده في بلجيكا على دوره ومسؤوليته في تلك المجازر.
كوبرا أبلغ صحيفة معاريف العبرية أن حبيقة هو الذي أعطى أوامره لتنفيذ مجازر صبرا وشاتيلا. وأن شارون، الذي كان وزيرا للدفاع، لم يكن يعرف عن الموضوع. لا بل إنه، أي شارون، عندما عرف غضب كثيرا، واستدعى حبيقة إليه، وصرخ في وجهه قائلا: "أنا لا أحب هذه الأشياء، ولم آتِ بك إلى هنا لتنفذ أعمالا كهذه".
ولم يكتف "كوبرا" بتبرئة شارون، بل أعطى صك براءة أيضا لكل جيش الاحتلال ومخابراته، فقال: "لقد ادعى كثيرون بأن جنودا إسرائيليين تخفوا بزي الكتائب، وشاركوا في المذابح في المخيمين الفلسطينيين قرب بيروت، لكن هذا غير صحيح، بل إنه كذب. فالإسرائيليون ليس فقط لم يشاركوا، وإنما تصرفوا على نحو يؤكد أنهم لم يكونوا معنيين قط بارتكاب المجازر. فقبل أن يسمحوا لقوات حبيقة بدخول المخيم، أعطوه خارطة تفصيلية للمخيمين وصورة التقطت من الجو تظهر فيها بوضوح الحارات والأزقة والأهداف، وذلك لكي لا يحدث أي خطأ، ويصاب مدنيون".
وقال إنه احتفظ لنفسه بهذه الصور، "لكن الرئيس أمين الجميل الذي لا يحب شارون، أخذها مني".
وكرر "كوبرا" تفسيره لما جرى، فقال إن حبيقة هو عميل مزدوج، لإسرائيل وسوريا. وانه نفذ المجازر ليضرب عدة عصافير بحجر واحد، وأهمها إرضاء سوري "المعنية بتشويه سمعة إسرائيل"، وإسرائيل "التي تريد أن يدب الفزع في قلوب الفلسطينيين فيهربوا من لبنان".
شكرا للسفاحين
هذا الرجل المدعو كوبرا كان قد وجه جزيل الشكر والامتنان في مذكراته التي جاءت تحت عنوان "من إسرائيل إلى دمشق- مسيرة الدم والخيانة والخيبة" إلى القادة الدمويين في إسرائيل وقال "ابلغ عميق احترامي للجنرال شارون هذا الرجل الذي أعطى المسيحيين في لبنان ما لم يعطهم إياه أحد من الحرية والكرامة وكذلك قادة الليكود، والمرحوم مناحيم بيغن الذي وقف بجانبنا في أحلك الظروف خلال الحرب ونحن كقيادات مسيحية خنا الإسرائيليين عندما احتاجوا إلينا".
شارون لم يكتف بتحريك بعض عناصره وشركائه في لبنان بل بدأ بإثارة نوع من البلبلة حيث ظهرت في بلجيكا محاولات صهيونية تدعو إلى محاكمة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في بلجيكا للتغطية على الإجراءات التي بدأت لمحاكمة أرئيل شارون رئيس وزراء إسرائيل بها كمجرم حرب.. فقد ذكرت صحيفة "لاليبربلجيك" في بروكسل أن النائب الإسرائيلي أفراهام ابرشسون كلف محاميه جيدون كورين بإجراء مشاورات مع عدد من المحامين البلجيكيين لبحث إمكانيات التقدم بشكوى أمام القضاء البلجيكي لمحاكمة الرئيس عرفات عما وصفته بجرائم حرب أثناء رئاسته للعمل الفلسطيني المسلح قبل عودته إلى الأراضي الفلسطينية.
وأشارت الصحيفة أن الإسرائيليين قدموا للمحامين بيانات عن عمليات فلسطينية جرت ضد مدرسة معالوت شمال إسرائيل عام 1972 والهجوم على الرياضيين الإسرائيليين في دورة ميونيخ الأولمبية عام 1972 واحتجاز السفينة الأميركية اكيلي لاورو عام 1985 وأخذ رهائن عليها.
وأضافت الصحيفة أن الإسرائيليين لا يخفون أن هدفهم من تقديم مثل هذه الشكوى هو الرد على الشكاوى المقدمة ضد شارون إلى القضاء البلجيكي حاليا لمسؤوليته عن المذابح التي جرت للفلسطينيين في مخيمي صبرا وشاتيلا ببيروت عام 1982.—(البوابة)—(مصادر متعددة)