دمشق ترفع التحريم السياسي عن الروائي علي سعيد

تاريخ النشر: 10 يوليو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

دمشق -نبيل الملحم 

 

صدرت في دمشق الأسبوع الفائت، الرواية الثانية لعلي عبدالله سعيد تحت عنوان "براري الخراب" ليكسر إصدارها المنع السياسي الذي سرى على الكاتب السوري منذ إصدار روايته الأولى "اختبار الحواس" الصادرة عام 1992 عن دار الريس اللندنية. 

وفي براري الخراب يغامر علي عبدالله سعيد باتجاه ما هو مسكوت عنه أخلاقيا واجتماعيا وسياسيا ليدخل ثانية في المغامرة الروائية ولكن من خلال مسافة ابتعدت عن "اختبار الحواس"، روايته الأولى.  

وفي حوار مع البوابة قال سعيد عن هذه المسافة: 

" إن براري الخراب تقع على الضفة الأخرى المغايرة فنيا من الضفة التي تقف عليها اختبار الحواس، التي اشتغلت على السياسي المحلي وعلى آلية خطابه الجنونية الجهنمية أما براري الخراب، فقد اعتمدت أساسا على قتل روح المبادرة لدى الفرد والفردي،بكل أنواعه وتنوعاته، واحالة مجموع الأفراد إلى قطيع ، إن اختبار الحواس باختصار انتهجت خطا فنيا خاصا بها للتعبير عن الحالة، الحالة الديكتاتورية القصوى واقعيا، وبمعنى ما هناك خلط مخصب بين ما يحدث في الواقع وقدرة المخيلة الفردية على التخيل في الرواية. أما في براري الخراب فاللعب الفني مختلف كليا وكذلك الموضوع إلى حد ما، براري الخراب هي لعب فني لغوي يعتمد على توليد غير مألوف لجملة روائية غير مألوفة بالمرة ان على صعيد الرواية السورية أو على صعيد الرواية العربية، بل هي محاولات تجريب تقنيات روائية فردية غير متكئة على أي نص روائي سابق، رغم أنها أيضا تشتغل على الراهن، بما هو توريات روائية عن أفعال جنونية اغتصابية، وسفاحية، وغيرها لأقلية بشرية هذا باختصار "وعن الأقلية البشرية التي يعنيها علي عبدالله سعيد قال انه يعني "الطائفة العلوية في سوريا، التي ينتمي إليها سلاليا". 

تحريم "اختبار الحواس" 

وكان علي عبدالله سعيد قد أجاب عن سؤال يتعلق بأسباب التحريم السياسي الذي فرض على روايته السابقة اختبار الحواس بالقول : " لأن اختبار الحواس قوبلت بعدائية عالية من قبل المؤسسة الثقافية الحكومية الرسمية في سوريا أما كيف قوبلت من الجمهور فهذا شيء مختلف، فالجمهور متعطش للمفترق عن السائد أو المسموح به رسميا، واختبار الحواس مختلفة عن الخطاب الإبداعي السائد، والذي سوّد بالقوة القاهرة التي لا تقبل تأويلا لافعالها إلا بما يرضيها، لذلك كان من الطبيعي ان يتخذ السياسي موقفا شرسا وقذرا من اختبار الحواس ، لأنها حاولت تخطيه وتخطي مفاهيمه.. إلى تعريته.. إلى فضحه وإظهاره كما هو.. أي سياسي مغتصب للحياة .. الحياة البشرية في مجتمعه"، وحول رفع التحريم عن كتب علي عبدالله سعيد ودلالات الموافقة على إصدار روايته الجديدة يقول: "ان إصدار رواية لي في سوريا كان أمرا مفاجئا للجميع دون استثناء حتى لي، وحتى اللحظة لدى مجموعة روايات مثل ملح الهذيان، وسكر الهلوسة، وموت كلب سوريالي، هذه الأعمال برسم رفع التحريم والحظر عنها، غير ان ذلك قد يحصل وقد لا يحصل، ورفع التحريم عن براري الخراب تحديدا جاء بعد معركة ضارية قبل اكثر من سنة في الكثير من الصحف العربية"، وكان علي عبدالله سعيد قد اعتبر ان التحريم الديني والتحريم السياسي على الأدب يلتقيان في أمور كثيرة" ولا يختلفان على العداء لكل ما هو إنساني، إبداعي، تنويري، " واضاف " الخطاب السياسي للديكتاتوريات العربية، والطابع الديني هما خطابان مبنيان أصلا على ارتكاب الجريمة ضد الإنسانية وتحرر العقل البشري، في هذا الشرق اللعين، كلاهما يجرّم المواطن والمواطنية في حالة الافتراق عن القطيعي.  

الإبداعي المتمرد، افتراق حقيقي عن القطيعي وضرب له في الصميم، وآمل ان لا يتخاذل الإبداعي والروائي وغيره في أية مواجهة فعلية ". 

وعما يعنيه بالتخاذل قال سعيد: "لعلي متحفظ جدا على حيدر حيدر وممدوح عزام نتيجة اقدامهما، على تقديم اعتذارات للديني البائد، أقول المبدع لا يعتذر … المتخلف هو من يجب عليه الاعتذار". 

الكاتب العربي والتحدي 

وفي رد عن سؤال يتعلق بوضع الكاتب في البلاد العربية، وعلى أية قوة يمكن ان يتكئ في مواجهة المحاذير السياسية والدينية أجاب علي عبدالله سعيد: 

" لا يمكن للأديب أن يشكل بمفرده قوة سياسية، وعليه ان يبتعد ما أمكن عن التنظيم السياسي الفعلي، ذلك كي يكون حرا، متحررا من الأحادية .. وقد يقدم رؤيا سياسية، بل عليه ان يقدم هذه الرؤيا إلى ناس واقعه على الأقل، وهو يفعل ذلك في بلدان عربية كثيرة، غير انه إلى اللحظة لا يشكل مطلبا أساسيا أو احتياجا يوميا للناس نتيجة إقصائه دوما عن ممارسة دوره بين الناس كرؤيا، ككشاف حقيقي عن فضائح القتلة وتجار الصفقات المرعبة في الوسطين الديني والأيديولوجي الحاكم في كل مجتمع من مجتمعاتنا على حدة" 

وعن العلاقة ما بين اتحادات الكتاب الحكومية والتحريمات، هاجم علي عبدالله سعيد اتحادات الكتاب الحكومية معتبرا انها : "أول من يجرّم الكاتب والدليل ان اتحاد الكتاب العرب في سوريا هو أول من جرّمني، وهو أول من ارتكب بحقي وحق غيري جرائم فعلية لا تقل خطورة عن جرائم القتل الجنائية، فالاتحاد اتهمني مثلا وبالحرف بأنني عميل للصهيونية والموساد، وبأنني اقبض من أميركا، وبأنني يهودي .. كان ذلك عام 1998 وآراؤهم تلك، كانت تعقيبا على رواية سكر الهلوسة التي قدمتها إلى الاتحاد كي أنال الموافقة على طباعتها.. هذا بالحرف ما جاء في التقرير الرقابي إضافة إلى شتائم تنال من شرف قريباتي". 

يذكر أن"براري الخراب" لعلي عبد الله سعيد صدرت عن دار آرام السورية، في دمشق،2000-- (البوابة)