رياض سيف سوريا 00 ليس ليش فاليشا بولونيا

تاريخ النشر: 14 يناير 2001 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

دمشق -عمر الكحيل 

بيان الألف ، وهو بيان وقعه ألف سوري يطالبون بالحريات الديمقراطية وتوسيع قاعدة المجتمع المدني، وقاد التوقيع عليه النائب رياض سيف، وهو بيان جاء بعد بيان الـ 99 الذي وقعه مثقفون سوريون وقاده النائب سيف أيضا، سمح لمعلقين سياسيين ومتابعين بالقول: إن سيف بات يمثل في سوريا ظاهرة تتشابه أو تتقاطع مع ظاهرة ليش فاليشا، البولوني الذي ظهر في أعقاب ظاهرة البيروسترويكا وتداعياتها في منظومة الدول الشرقية، غير أن المتتبع لتاريخ النائب السوري، قد يلمس الكثير من المبالغات في هذا الوصف كما يلمس الكثير من التباينات بين وارسو ودمشق، فالنائب سيف ابتدأ حياته صناعيا مرموقا يقود قطاعا صناعيا واسعا، في الوقت الذي لاقى فيه دعما كبيرا من شقيق الرئيس، الراحل باسل الأسد، على قاعدة مواجهة قطاع واسع من البيروقراطيين، الذي لم يكن الابن البكر للرئيس الأسد على مقربة منه، فيما كانت الشخصيات المقربة من باسل الأسد هي الشخصيات الأكثر عداء لهذا القطاع البيروقراطي ومن يمثله، وابرز رموزه محمود الزعبي رئيس الوزراء السوري المنتحر، وهو الذي مثل ذهنية في سوريا ربما تتعارض إلى حد بعيد مع ما كان يطمح إليه الابن الشاب والمنطلق للرئيس الأسد، في الوقت الذي كان التغيير في سوريا يبدو بطيئا بناء على أعراف تأسست من جهة، ومن جهة أخرى بناء على ما يمكن أن يحمله التغيير من احتمالات لبلاد ساد الاعتقاد فيها بان ما نعرفه افضل مما نجهله.  

وحملت وفاة الرئيس الأسد المفاجئة وغير المتوقعة تغييرات جديدة شملت بالإضافة إلى مواقع حكومية ومواقع في الأجهزة الأساسية، تغييرا في الذهنية، وأبرز ما يدعو إليه هذا التغيير هو أن ما نعرفه ليس بالضرورة افضل مما لا نعرفه، ليتبنى هذا الاتجاه مجموعة من الناشطين في مجال الثقافة السورية، وتحديدا في الفكر الاقتصادي، الذين قادوا تيارا أساسيا عنوانه المجتمع المدني، مما أثار حفيظة جزء من رجال السلطة، فيما لاقى استجابة من مفاصل حاكمة في البلاد، واكبه الإفراج عن مجموعات من المعتقلين السياسيين، بالإضافة إلى مجموعة من الإشارات الاقتصادية التي تشير إلى انفتاح سياسي على الأغلب سيؤدي إلى انفتاح سياسي، وهو ما تزامن مع نشاط مكثف لمن أطلق عليهم أنصار المجتمع المدني وبرز من بينهم رياض سيف لجملة أسباب أولها: انه شخصية برلمانية، بالإضافة إلى تجربته في مجال إدارة الناس عبر إدارته لمشروع اقتصادي واسع، وربما الأهم من هذا وذاك حجم التضحية التي دفعها سيف في مواجهة تيار الزعبي، مما أدى إلى إفلاسه اقتصاديا مع كتلة كبيرة من العاملين في منشآته، لتتطور حالة سيف وتصبح ظاهرة سورية بعد الدعم الذي لاقاه من المثقفين السوريين، وحجم التطورات التي وقعت على شخصه وهو في واقع حاله رجل ممارس بين مجموعة من المثقفين الذين تعوزهم الكثير من الممارسة فيما تعوزه الكثير من المعرفة السياسية، فيشكل المثقفون عامل الإسناد المعرفي لرياض سيف فيما يشكل بالنسبة لهم العامل الحركي الذي يعوزهم خلال تاريخهم السابق وهو تاريخ يقصر على الحوارات الذهنية التي لم تتعدى الأماكن المغلقة.  

إن ما برز في الفترة الأخيرة هو السؤال الذي واكب بيان الألف فقد اعتبر مراقبون أن البيان الأول وهو بيان المثقفين الـ 99 قد تضاعف عدد الموقعين عليه إلى ما يزيد عن عشر مرات خلال شهر، وهو مؤشر على ازدياد النشاط السياسي لهذه المجموعات بمتوالية هندسية تشير إلى انهم اصبحوا قوة اجتماعية يحسب حسابها، وغالبا ما ذهب هؤلاء إلى الاعتقاد بان هذه القوة ستكون في موقع المعارضة للنظام السياسي، ليذهب آخرون حد القول أن هذه المعارضة ستقود إلى ظاهرة فاليشا البولونية ، غير أن واقع الحال قد يكون على العكس من ذلك والدليل أن النظام السياسي في سوريا، ومازال نظاما يمتلك الكثير من عوامل القوة، لم يعترض أي من هؤلاء فيما المعلومات تشير إلى أن الرئيس السوري الشاب بشار الأسد أقام وبالكثير من الانفتاح والقبول صلات وحوارات مع رموز من هذه المجموعات ومع ابرز هذه الرموز مثل عارف دليلة الأستاذ الجامعي وكذلك مع رياض سيف ومع شخصيات أخرى، وهذا ما يثير حفيظة الكثير من المحافظين في النظام السياسي الذين يعتقدون أن تغييرا في البلاد سيمس بمصالحهم ونفوذهم، مما دعا إلى أن يروج هؤلاء عن مخاطر مبالغ بها لانصار المجتمع المدني التقطتها وكالات أنباء غربية وسعت إلى تضخيمها اكثر، وهذا ما يمكن ملاحظته من خلال الـ bbc في موقعها على الانترنت التي حاولت فيه تصوير رياض سيف كأنه خطر على الرئيس بشار الأسد.  

بيد أن واقع الحال لا يشير إطلاقا إلى هكذا معنى في وضع يتنافس فيه من يدعو إلى المجتمع المدني مع من يدعو إلى التشدد على التقرب من الرئيس، وفي وضع كان خيار الرئيس الأسد فيه هو الخيار المفتوح وبما لا يقل عن الداعين إلى الحريات الديمقراطية بفارق أن الثاني يدعو إلى السرعة تبعا لاحتياجاته والأول يمشي ببطيء تبعا لضروراته، مما أدى إلى الكثير من الاختلاطات أمام المراقبين السياسيين في سوريا، الذين ذهبوا إلى الاعتقاد بان حركة معارضة تقوم بمواجهة الرئيس الأسد، الأمر الذي تكذبه إشارات أخرى يطلقها الرئيس السوري، ومن بينها فتح الصحف الرسمية في البلاد لآراء هذه المجموعات ورموزها وهو ما تبدى بشكل كثيف في الحوارات التي دارت على صفحات صحيفة الثورة السورية، إحدى الصحف الرسمية الثلاث المملوكة للحكومة، في ظاهرة تبدو فريدة من نوعها في الثلاثين سنة السورية الفائتة.  

ورغم كل التشابكات في المشهد السياسي السوري، فإن الخيار مازال خيار الرئيس بشار الأسد وفي واقع الحال فإن الجميع يعمل تحت مظلته - -(البوابة)