سياسيون ومحللون: شارون بين حجري الرحى

تاريخ النشر: 16 أكتوبر 2001 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

عمان- بسام العنتري 

يمارس رئيس الوزراء الاسرائلي ارئيل شارون ما وصفه سياسيون ومحللون تحدثوا لـ"البوابة" باللعبة السياسية المزدوجة التي يحاول من خلالها الحفاظ على موقعه في راس السلطة في اسرائيل. 

وتتمثل هذه اللعبة في التصريح بتقبله لتوصيات ميتشيل واعلانه عن البدء في اجراءات للتخفيف من عمليات الحصار للشعب الفلسطيني، وذلك بهدف مراضاة جناح حزب العمل في ائتلافه الحكومي وترطيب الاجواء مع اميركا والغرب الرافض لسياساته التصعيدية، ولكنه وعلى الجانب الاخر يضاعف الاغتيالات ويتمادى في دفع الجيش الى مزيد من التوغل في اراضي السلطة الفلسطينية، ارضاء للجناح اليميني المتطرف الائتلاف وضمانا لاستمرار الحصول على دعمه له. 

واقرب مثال على هذه الازدواجية، فقد اصدر شارون اوامره بسحب الجيش من حيين في الخليل، وفي المقابل كان يعطي الضوء الاخضر لقواته لاغتيال ناشطين في حركة حماس وخلال اقل من اربع وعشرين ساعة. 

فالى اين يريد شارون الوصول، والى أي مدى يمكنه ان يستمر في اللعبة المزدوجة التي يمارسها الان؟ وما هي الاهداف المنظورة التي يسعى اليها عدا عن تحقيق اجندته التي اوصلته الى الحكم، وهي القضاء على الانتفاضة وانهاء كافة اتفاقات السلام التي وقعتها حكومات اسرائيلية سابقة، وبالتالي العودة بالصراع الى مراحله الاولى، بما تتضمنه هذه المراحل من اطلاق للاطماع العقائدية اليهودية في اقامة اسرائيل الكبرى من النهر الى النهر. 

الصانع: شارون سيستمر طالما حافظ على الازدواجية 

في ما يراه العضو العربي في الكنيست طلب الصانع فان "شارون وجد ضالته ومخرجه في الية اللعبة المزدوجة، وراى فيها اداة تبقى على ائتلافه، وبالتالي تبقيه في السلطة" 

ويعرب الصانع عن اعتقاده ان شارون "سيستمر في السلطة طالما استطاع الحفاظ على هذه الازدواجية" ثم يستدرك بالتاكيد على ان بداية النهاية للائتلاف الحالي ستازف "إذا أرغم شارون على أن يكون هناك تطابق بين قبول توصيات ميتشيل وتنفيذها على أرض الواقع". 

ولكن إلى أي مدى يمكنه ان يستمر في هذه اللعبة؟ الصانع يقول ان ذلك " مرتبط بالموقف الذي ستتبناه الولايات المتحدة، وما إذا كانت ستطلب منه بشكل حاسم وواضح أن يتبع التصريحات بالتنفيذ الجدي على الواقع، أي أن يقوم بممارسات على الأرض تتطابق كلياً مع توصيات ميتشيل وأن إلى طاولة المفاوضات" .  

والآن التحدي امام الفلسطينيين بحسب الصانع "هو أن أن تكون هناك أجواء حفاظ على الالتزام والانضباط في الجانب الفلسطيني لإرغام شارون على العودة إلى طاولة المفاوضات، وإذا لم يعد إليها فانه حتما سيصطدم في مواجهة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وهذا سيكون مكسباً سياسياً للطرف الفلسطيني".  

ويخلص الصانع الى نتيجة مؤداها ان "شارون سيكون بين أمرين، اما أن يتبنى المباردات السياسية، وهذا سيؤدي به إلى مواجهة أزمة ائتلافية من قبل اليمين، أو أن يرفضها، ويواجه أزمة دولية من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى جانب مواجهة أزمة ائتلافية من قبل حزب العمل". 

وفي شان التطور الدراماتيكي الاخير، والذي تمثل في خروج حزبين يمينيين من ائتلاف حكومة شارون، احتجاجا على قرار الاخير اتخاذ خطوات واجراءات ترمي الى التخفيف من الحصار المفروض على المناطق الفلسطينية، يرى العضو العربي في الكنيست ان خروج هذين الحزبين " واللذين يمثلان الجناح اليميني المتطرف جداً، قد يضعف نوعاً ما هذا الائتلاف". 

ولكنه يستدرك انه برغم ذلك "ليس بإمكاننا أن نقول أن هذا الائتلاف بدأ يتصدع بشكل جدي، ذلك أنه سيبقى قوياً جداً، لسبب أنه يحظى بدعم أكثر من 70 عضو كنيست". 

ولكن، وفي المقابل، يعرب الصانع عن اعتقاده انه "بالإمكان القول بأن هذا الخروج هو بداية لاهتزازات وتصدعات ستواجه هذا الائتلاف نظراً لبداية التحول الى المواجهة السياسية بدلاً من المواجهة العسكرية، وإذا ما كان هناك امتحان حقيقي وجدي أمام الائتلاف الحالي، يقضي بضرورة تعامله بجدية مع توصيات ميتشل وتقرير تينبت وبعد ذلك العودة إلى طاولة المفاوضات، فسنلمس عندها انسحابات في الجناح اليميني في هذه الحكومة، أو سيكون رئيس الحكومة الحالي برفضه التعامل بجدية مع هذه التوصيات، ومن ثم العودة الى طاولة المفاوضات، معرضا لمشاهدة حزب العمل وهو يغادر الائتلاف". 

والمعنى الذي قال الصانع أنه يريد ان يوصله هو "ان رئيس الحكومة يواجه أزمة، فإذا تبنى النهج اليميني سيصطدم مع الجناح اليساري الذي يمثله حرب العمل، وإذا توجه إلى نهج يساري أو أكثر اعتدالاً فسيواجه معارضة من الجناح اليميني داخل الائتلاف".  

وعلى صعيد الأزمة بين المستوين السياسي والعسكري والتي تكشفت بعد اعلان رئيس اركان الجيش رفضه قرار الحكومة الانسحاب من الخليل فان الصانع ينظر اليها على " أنها إحدى نتائج الانتفاضة، حيث فشلت القيادة السياسية في توفير الأمن للمواطنين الإسرائيليين على المستويين الفردي والجماعي، مما عزز مكانه المؤسسة العسكرية التي يقف على رأسها موفاز، وبالتالي هذا التأييد الشعبي والإحساس بعدم الأمن، أدى بموفاز لأن يكسر إحدى المبادئ المتعارف عليها في اسرائيل بأن القرار الأول والأخير حق المؤسسة السياسية التي تنتخب بشكل مباشر من قبل الشعب، وليس المؤسسة العسكرية التي يجب أن تلتزم بالقرار السياسي".  

وفي هذا السياق قال "بالأمس كان هناك تحد صارخ لهذا النهج المتفق عليه، وهذا يعكس فشل شارون في توفير الأمن، وعدم الثقة في شخصه في هذا المجال، وشارون ونتيجة لتوصية لجنة كاهان التي أفقدته الشرعية لان يكون وزير الدفاع في دولة إسرائيل، تركت مجالاُ أوسع للمناورة أمام رئيس الأركان، وهذا نابع أيضاً من ضعف وزير الدفاع الحالي". 

السعدي: استمرار شارون في لعبته رهن بالموقف الاميركي 

المحلل المتخصص في الشؤون الإسرائيلية غازي السعدي يحاول بداية وضع اطر لاستراتيجية وسياسة عمل شارون في المدى القصير، ويقول ان "آلية عمل شارون الآن تقوم على تحقيق هدفين: من جهة إرضاء اليمن المتطرف، ومن جهة ثانية عرقلة تنفيذ الاتفاقيات مع الفلسطينيين". 

ونجاح شارون في الاستمرار في هذه اللعبة كما يؤكد السعدي الذي يرئس مركزا للدراسات والابحاث الفلسطينية "رهن بالموقف الأميركي المقبل".  

ولكن السعدي يقول ان "الوضع الان، وبشكل عام الوضع غير واضح، ونسبة التفاؤل محدودة في انهاء لعبة شارون، فأميركا لم تثبت القول بالفعل (عندما اطلقت بيانها الاخير حول دعمها اقامة دولة فلسطينية، ونيتها اطلاق مبادرة لاحلال السلام في الشرق الاوسط) وكل ما قدمته هو تصريحات ومبادرات كلامية، وهي سبق لها أن طرحت عشر مبادرات وإسرائيل أجهضتها جميعاً".  

وبالنسبة للفلسطينيين الآن وعلى الصعيد السياسي، فقد حققوا نجاحات كبيرة من خلال التزامهم جانب التهدئة في الصراع في ظل الاوضاع العالمية الراهنة، طبقا لرؤية السعدي. 

واستنادا على هذه الرؤية، فان السعدي يشير الى ان شارون يحاول التصعيد حاليا، ومن اجل هدف واحد ومحدد، وهو استفزاز رد فعل فلسطيني يتيح له ان يبرر، امام الغرب الرافض لسياساته، التمادي في اجراءاته القمعية ضد الانتفاضة ومصالح وتطلعات الشعب الفلسطيني. 

وفي هذا السياق، يعرب عن اعتقاده ان الفلسطينيين لن "يضيعوا هذه النجاحات من خلال عمليات وردود فعل ليس لها تأثير كبير.. هم سيواصلون العمل السياسي وسيثبتون أن من لا يحترم الاتفاقيات هو الطرف الإسرائيلي".  

ولكن مساعي شارون الحالية، باتت الان تصطدم في طريقها بازمات راحت تتولد داخل حكومته، لا لشئ سوى لسوء فهم من بعض الاطراف اليمينية المتشددة، للعبته المزدوجة، كما حدث مع الوزيرين ليبرمان وزئيفي اللذين استقالا احتجاجا على قرار الحكومة اتخاذ بعض الاجراءات التي تخفف من الحصارعلى الفلسطينيين. 

السعدي يؤكد ان استقالة الوزيرين هي ازمة فعلية تواجه شارون الان . 

ويقول "لا شك أنها أزمة، لكن ذلك لا يعني أن انسحابهما يعرض حكومة شارون للسقوط، ولكنه يعطي مجالاً أكبر لعدو شارون بنيامين نتنياهو لتشكيل كتلة يمينية قويه من اليمين المتطرف، ومن داخل حزب الليكود للاطاحة بحكومة شارون، وللمنافسة من جديد زعامة الليكود، ولأن يرشح نفسه ثانية لرئاسة الحكومة".  

ويضيف "إزمة شارون الحقيقة، ليست في الأزمة الراهنة بانسحاب الوزيرين، وإنما ستأتي تفاعلاتها مستقبلا".  

وبالنسبة لنا نحن - يقول السعدي "فلهذه الأزمة إيجابياتها ولها سلبياتها، ومن سلبياتها أن الطروحات الأميركية الحالية لإيجاد صيغة للاتفاق الإسرائيلي الفلسطيني قد تتأثر وتتراجع. اما إيجابياتها، فهو أنها تقصر من عمر حكومة شارون، وتسرع بإجراء انتخابات جديدة". غير انه يحذر من ان "أي انتخابات قد تجري في القريب قد تعيد الليكود واليمين المتطرف للحكم".  

ويضيف السعدي ازمة اخرى تواجهها حكومة شارون الان، وتتمثل في الصراع الذي بدا يتجلى بوضوح بين المؤسستين العسكرية والسياسية في اسرائيل، عبر اعلان رئيس الاركان الاسرائيلي عن رفضه قرار الحكومة الاخير بالانسحاب من الخليل، وما تلا ذلك من غضب اظهره وزير الدفاع الذي وبخ رئيس الاركان على هذا التمرد. 

وفي هذا الصدد يقول السعدي "هناك احتكاك قديم ومتواصل بين القيادتين السياسية والعسكرية، ولكنه لم يكن مكشوفا"ً.  

ويورد مثلا على هذا الاحتكاك بقوله انه "وأثناء زيارة شارون لروسيا قبل ثلاثة أو أربعة شهور قام رئيس الأركان موفاز بتنفيذ خطة الفصل، فطلب إليه شارون من موسكو، عدم القيام بمثل هذه الخطوات وقال له أن هناك حكومة في القدس. وهذا يدل حقيقة على الصراع والاحتكاك بين القيادتين".  

الصراع بين المؤسستين كما يرى العديد من السياسيين يعكس شعورا لدى جنرالات الجيش بان المستوى السياسي في البلاد لم يعد قادرا على تحقيق الامن، وهذا الشعور له ما يدعمه في الشارع الاسرائيلي ايضا. 

وهذا الصراع بدا ياخذ الان شكل الازمة، وهذه "الأزمة باقية" وستستمر في التفاقم كما يؤكد السعدي 

ولكنه يشير في السياق الى ان هذه الازمة محدودة ، ومحصورة في طموحات فردية لرئيس الاركان شاوول موفاز. 

وعن هذا يقول ان "هناك توقعا أن موفاز الذي سينهي خدمته العسكرية بعد سنة، يهيئ نفسه للعمل السياسي من خلال بناء جسور مع المتطرفين الذين يحتل موقعاً مهماً في احزابهم". وبالتالي ، فان السعدي يقلل من اهمية هذه الازمة، ويدلل على انها محصورة بموفاز ولا تشمل جنرالات الجيش بقوله ان "موفاز لم يحضر الجلسة التي اتخذ فيها قرار الانسحاب ، وإنما أرسل نائبه، ونائبه الذي سيكون رئيس الأركان القادم لم يعترض على قرار الانسحاب من الخليل".  

دراوشة: شارون يبقى شارون..وسيفشل المفاوضات  

لجهته، اكد العضو العربي السابق في الكنيست عبد الوهاب دراوشة ان "شارون أتخذ الخطوات الأخيرة(الانسحاب من الخليل وتخفيف اجراءات الحصار) مكرهاً ، مكره لأسباب إسرائيلية داخلية، وايضا لمحاولة مراضاة بيريز وحزب العمل شريكه في الحكومة، وكذلك لمراضاة الإدارة الأميركية المعنية بتهدئة الأوضاع حالياً، لتمرير خطتها في ما يسمى بحاربة الإرهاب، وكذلك لإصدار اشارات للدول العربية والأوروبية، كما لو ان هذه الحكومة تريد تهدئة الأمور وإحراز تقدم في مسار المفاوضات".  

لكن هذا التغير غير حقيقي، كما يؤكد درواشة الذي قال ان "شارون يبقي شارون الفاشي المتطرف المعادي للعرب وللسلام، هو لم يتغير ولم يتبدل لأن أفكاره ما زالت هي الأفكار الشريرة القاضية بابتلاع الأرض الفلسطينية، ومقاومة أي حل سلمي واحتلال المزيد من المصالح العربية، وعدم التنازل عن أي شيء يعتقد أنه حق لإسرائيل".  

وفي الخلاصة يقول دراوشة "أنا لا أرى في ذلك (قرارات تخفيف الحصار الاخيرة)مؤشراً كبيرا لأحداث تغير في السياسة الإسرائيلية، إنما هي خطوة جيده إيجابية لمراضاة الخارطة السياسية الدولية في هذه الفترة العصبية".  

ويضيف "في اعتقادي أن الأمور ستسير نحو التهدئة في الفترة الراهنة، والى البدء بتطبيق خطة ميتشيل، لكن عندما يصل شارون إلى التفاوض من أجل الحل الدائم عبر مفاوضات سليمة، ستتغير المفاوضات ولا يمكن لهذه الحكومة برئاسة شارون أن تصل إلى اتفاق مع السلطة الوطنية الفلسطينية ومع شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية.  

وفي تعريجه على انسحاب الوزيرين ليبرمان وزئيفي من الائتلاف، يؤشر دراوشة الى هذا التطور عهلى انه "أزمة حقيقية، بالنسبة لشارون، لأن هذين الوزيرين يمثلان اليمين الإسرائيلي الفاشي الذي يستند اليه شارون والذي يعارض أي حوار مع الشعب الفلسطيني أو الدول العربية، وما يزال يؤمن بنظرية أرض إسرائيل الكاملة والشاملة من الفرات إلى النيل، والوزيران رئيفي ولبيرمان بخاصة هما من المؤمنين ب "الترا نسفير" وطرد كل الفلسطينيين من فلسطين، وإقامة دولة فلسطينية على شقي نهر الأردن".  

"وأعتقد أن هذا يمثل أزمة حقيقية في الخارطة السياسية في إسرائيل وفي اليمين الإسرائيلي كما في الائتلاف الحكومي، ولكن هذا الأزمة لن يكون لها أثر كبير، لانني أعتقد أن بإمكان شارون الآن إدخال قوى أخرى بديلة عنها في الائتلاف، مثل حزب "شينوي" أو حزب "مفدال" اللذين يعتبران أقل تطرفا"ً.  

وفي المحصلة يعرب دراوشة عن ايمانه ان الازمة الحالية "إفراز أخر من إفرازات الأزمة السياسية التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي، عامة نتيجة لمواصلة الاحتلال والقمع والتنكيل، والعزلة التي بدأت إسرائيل تشهدها على الخارطة الدولية، نتيجة لمواقفها الإرهابية العدوانية الاحتلاليه". –(البوابة)