شئ من الانتحار مقابل الكثير من الإرهاب

تاريخ النشر: 09 يناير 2001 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

نبيل الملحم 

 

الأول يطلق من الدبابة، والدبابات الإسرائيلية مكيفة، والثاني يطلق من دقات القلب.. قلب قديم يحلم بالكثير من الظلال والكثير من الصفصاف ولا يجد غير الموت طريقا إليهما. 

ومع ذلك ثمة ما ينبئ أن الذي يجري، والذي قد يعيد الروح إلى عرب أطاحوا بالمعري لحساب فيفي عبده ، ثمة ما ينبئ بأنهم قد تقدموا خطوة نحو العصر في علاقة هي التكثيف الضروري لزمن بالكاد مسموح لهم الوقوف على أعتابه، كما بالكاد السماح لهم بالوقوف على أطلالهم ، وبين عتبة العصر وصدارة الأطلال مسافة تهنا يها بعد حرب الخليج الثانية التي قالت لنا أن نتلمس شواربنا لنتحسس نكهة العار المنبعثة من حفر الباطن والشعارات العاقلة والأخرى التي امتلأت ضجيجا وثورة لترتجف حين كان عليها أن لا ترتجف. 

شئ ما كان قد أكد لنا أن اليهودية فوق أكتافنا.. لا.. بل فوق رؤوسنا وكان علينا أن لا نهز رؤوسنا كي لا تتساقط اليهودية عنها.. كان علينا أن نسلم بما بات مسلما به: 

- مهزومون في التكنولوجيا.. مهزومون في الأيدلوجيا.. مهزومون في الرغيف، وعلينا جميعا أن نزحف لنكون عبيد الهيكل هيكل من؟ 

- كان علينا أن نركض وراء العجل الذهبي، ذاك الذي يحدد شهواتنا وأفكارنا ومزاجنا وأن نصغي إلى الصوت القادم من وراء بحارنا والصارخ فينا أن لا ماء ولا ملح لنا وان نسلم..نسلم الأرض والتاريخ والمعتقد والمقدس والمدنس. 

 

وسلمنا وأدرنا ظهورنا لذاك الذي قال لنا ذات يوم بأن الأسطورة قد سمحت للعنقاء بأن تخرج من رمادها، وبكل الجلبة اللغوية المطلوبة بررنا إفلاس الأنظمة بخيباتنا، كما بررنا الخيبة بالخيبة.  

واسمينا كل ذك عقدة مازوخية.. عقدة تعذيب أنفسنا فيما لم يكن لنا ما نعذبه. 

ذات يوم أجري استطلاع بين يهود إسرائيليين والسؤال الذي وجه إليهم كان: 

- ماذا تفعل للعربي إن نمت وإياه في غرفة واحدة.. أتعلمون ماذا كانت ابرز الإجابات عن السؤال السابق ؟ 

- افقأ عينه. 

وذهبنا في حدود الخيبة إلى الدرجة التي لم يعد أمامنا سوى القول بأن السلام خيارنا الاستراتيجي، لا لأنه كذلك، بل لأننا إذا ما فكرنا ذات يوم بأن تقلع معاملنا باتجاه صناعة حبة الأسبرين فسنقصف لأننا في الطريق إلى القنبلة النووية.. ولم نصنعها. 

لذلك فالتحول الجاري أدهشنا.. من يصدق أن الإسرائيليين أبناء المصارف والمسارب والصناعات الكبرى قد ترددوا في خوض المعركة معنا. 

- وكان علينا أن نصدق وكان على العالم أن يصدقنا. 

حتى اللحظة لم نصدق، وحتى اللحظة فإن العالم لم يصدقنا مع أننا دخلنا الحرائق ومن أوسع أبوابها، فالبنت التي تسللت خلسة من سيناء باتجاه فلسطين وبيدها كومة الحجارة.. تسللت لأنها كانت قد تأكدت أن في الطريق إلى القدس احتمال آخر غير الذي وضعناه في مخيلتنا، والبنت إياها تقول بأنها تكرههم وستفقأ عيونهم، وعلينا أن نصدقها: 

- لماذا نصدق البنت و(نكذبنا) ؟ 

لأن ذاكرة البنت لم تذق طعم الخيانة التي أكلتنا. 

لأننا اعتدنا الهزائم حتى استولت الهزائم على تخوم الذاكرة. 

ولأننا لم نلعب بالإحداثيات كما لعبت وانتظرنا التوازن الاستراتيجي الذي لم يأت ولن يأتي، وسيكون الطريق إليه مسدودا مادام جنرالات حروبنا متفرغين للحرب معنا. 

- من يصنع التوازن الاستراتيجي الآن ؟ 

- سخرنا من هوشيه مني، بعد أن أخذت الكوكاكولا باحتلال جغرافيتنا السياسية وبعد أن حلت مادونا مكان عنترة العبسي.. وحولنا جيفارا إلى قميص في عروض أزيائنا ولم نصدق أن في الدنيا خيار آخر يعيد التوازن المختل إلى توازن الرعب حتى أخذت الأحزمة الناسفة طريقها كبديل لضجيج لغاتنا. 

- لنعترف بان الإسلاميين فعلوا ذلك، وبأنهم هم الذين أحدثوا هذه التبدلات الكبرى والغوا المسافة ما بين رعب القنبلة النووية والرعب الذي يحدثه الحجر في يد طفلة.. لنعترف بأن قوة العقائد كانت الأقوى من قوة الحساب الذي مارسناه دون أن نلتقطه .. ولنعترف بان الإرهاب إذا ما قوبل بالانتحار فالتوازن الإستراتيجي سيتحقق. 

وكنا قد سألنا حسن نصر الله كما رمضان شلح عن المعنى الغامض لهذا الذي يبحث عن ميتة مشرفة، وكان كلاهما قد أجاب بأن المسألة أبسط مما نظن وأسهل على الأقل لأن العرب الذين تساقطوا من فوق ظهور خيولهم في مسافات التراجع من الأندلس حتى النفط العربي المكدس في ثلاجات الدولة العظمى هم الموتى الذين يتراقصون فوق شواهد المقبرة. 

الإجابة بسيطة وما يتبقى هو أن نلتقط الإجابة فالموت بالضجيج أرحم منه في لحظات الصمت ومادام الموت موتا فليكن. 

شئ آخر أحدثه الحزام الناسف في معادلة أحد أطرافها منتحر والآخر إرهابي محترف.. ليكون الانتحار هو البديل الموضوعي عن التوازن الإستراتيجي الذي قلنا فيه ولم نحققه. 

الإسلاميون أدركوها.. ربما أدركوا أن الله يقف بانتظار وصول قوافل الشهداء وهم يرفعون نعوشهم بأيديهم وصولا إلى أبواب الجنة.. كان علينا أن نبحث عن هذه الرحلة، وإذا ما سألتنا جريدة محترمة عن السلام مع الإسرائيلي.. كان علينا أن لا نقول إنه خيارنا الاستراتيجي وإذا ما سألتنا ماذا تفعل إذا ما نمت ويهودي في غرفة واحدة أن نقول: أفقأ عينه. 

نقول ذلك مع أن موسى بن نصير وضع يهود الدونما في عباءته.. فعل ذلك لأنه منح الأندلس دفئه.. يبدو انه قد اخطأ.