وقع الرئيسان الجزائري عبد العزيز بوتفليقة والفرنسي جاك شيراك الاحد اعلان مشتركا اطلق عليه اسم "اعلان الجزائر" تعهد فيه البلدان تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي والعلمي بينهما وتسهيل مجيء الجزائريين الى فرنسا والفرنسيين الى الجزائر.
واقر هذا الاعلان في اليوم الاول من زيارة دولة باشرها شيراك اليوم الاحد في العاصمة الجزائرة. وهي اول زيارة دولة لرئيس فرنسي منذ استقلال الجزائر العام 1962.
ويفتح الاعلان الباب امام صياغة معاهدة صداقة على غرار معاهدة الاليزيه الموقعة في العام 1963 والتي كرست المصالحة الفرنسية-الالمانية.
وجاء في نص الاعلان ان البلدين اتفقا على "طي صفحة وارساء اسس جديدة لعلاقة شاملة قوية وواثقة تتطلع بعزم نحو المستقبل" بغية اقامة "علاقات مميزة بين البلدين وشراكة استثنائية".
ويشير الاعلان الى قيام "حوار سياسي معزز" يشمل مكافحة الارهاب الدولي وتعزيز العلاقات بين المغرب العربي والاتحاد الاوروبي وتطبيق الشراكة الجديدة من اجل افريقيا.
وبغية تحقيق هذا الهدف تقرر عقد لقاء سنوي بين رئيسي البلدين واجتماعين سنويين بين وزيري الخارجية.
وعلى صعيد "الشراكة الاقتصادية"، تعهدت فرنسا تشجيع الاستثمارات المباشرة في الجزائر ودعم الاصلاحات الاقتصادية التي باشرتها الحكومة الجزائرية.
وشدد الاعلان على عزم البلدين ابرام اتفاقية-اطار جديدة للتعاون الثقافي والعلمي والتقني وتشكيل "مجلس اعلى فرنسي-جزائري للتعاون على الصعيد الجامعي والعلمي".
وتعهد البلدان اخيرا "تحسين انتقال المواطنين الجزائريين الى فرنسا والفرنسيين الى الجزائر". وعلى صعيد هذه المسألة الحساسة المتعلقة بمنح تأشيرات دخول الى الجزائريين وعودة "الحركيين" الى الجزائر، اشار الاعلان الى ان مجموعة عمل فرنسية-جزائرية رفيعة المستوى ستجتمع مرة واحدة على الاقل سنويا.
من جهة اخرى، وقعت وكالة التنمية الفرنسية ثلاث اتفاقيات بقيمة 95 مليون يورو تشمل قطاعات المياه والاسكان والمصارف.
وتهدف هذه الاتفاقيات خصوصا الى تحسين شبكة توزيع المياه العذبة في منطقة القبائل (شرق العاصمة) ومنطقة العاصمة وتحديث الشركات الجزائرية الصغيرة والمتوسطة.
وكان الرئيس الفرنسي جاك شيراك بدأ امس زيارة دولة لثلاثة ايام الى الجزائر وصفت بـ"التاريخية" وستكرس "المصالحة" بين البلدين اللذين شهدت علاقاتهما مراحل مضطربة.
وكان الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في استقبال الرئيس الفرنسي الذي وصل الساعة الى مطار هواري بو مدين.
وهي اول زيارة دولة يقوم بها رئيس فرنسي الى الجزائر منذ استقلالها في 1962، وهو استقلال انتزعته بعد حرب استمرت ثماني سنوات ووضعت حدا لـ132 سنة من الوجود الاستعماري.
وترافق الرئيس الفرنسي زوجته برناديت، الى جانب وفد كبير مؤلف من وزراء وبرلمانيين وفنانين ورجال اعمال فرنسيين او من اصل جزائري.
ويوجد في عداد الوفد رئيس جمعية "اس او اس راسيسم" المناهضة للعنصرية مالك بوتيح والراقص قادر بيلعربي والمغني شاب مامي والممثلة نيكول غارسيا المولودة في الجزائر.
وحيا شيراك مطولا الشخصيات العديدة التي جاءت لاستقباله، وبينها كل اعضاء الحكومة الجزائرية ورئيس هيئة الاركان في الجيش الجنرال محمد لعماري ودبلوماسيون.
ووقف رئيسا مجلسي الشيوخ والنواب عبد القادر بن صلاح وكريم يونس الى جانب رئيس الحكومة الجزائري علي بنفليس والجنرال لعماري عند سلم الطائرة لاستقبال الرئيس الفرنسي.
ونفذت فرق سلاحي البر والجو عرضا عسكريا امام الرئيسين الفرنسي والجزائري، في خطوة استثنائية.
وتوجه شيراك وبوتفليقة بعد مراسم الاستقبال مباشرة الى وسط الجزائر التي تبعد عن المطار حوالي خمسة عشر كيلومترا. وزينت الطرق التي مر بها الموكب الرئاسي على الجانبين باعلام البلدين وبصور عملاقة للرئيسين وبلافتات ترحيب علقت على اعمدة الكهرباء وعلى واجهات الابنية المطلية حديثا.
وقد وقف مئات الالوف من الجزائريين، بحسب تقديرات عناصر الامن الفرنسي، على جانبي الطريق ليحيوا الرئيس الفرنسي.
وقدرت الاجهزة الامنية الجزائرية عدد الحشود التي انتشرت على طول الطريق
بـ1.5 مليون شخص تجمعوا على الارصفة والشرفات، او حتى تسلقوا الاشجار واعمدة الكهرباء.
من جهة ثانية، افاد مراسلون ان اعضاء قبيلة "العرش" راس الحربة في حركة التمرد في منطقة القبائل (شرق الجزائر)، لم يتمكنوا من مقابلة الرئيس الفرنسي امس ، كما خططوا لذلك.
وكانت تنسيقية العروش (كبرى عائلات منطقة القبائل في الجزائر) قررت استغلال وصول شيراك للفت انتباهه حول وضع منطقة القبائل التي تخوض تمردا مسلحا ضد السلطة المركزية منذ المواجهات الدامية في "ايلول/سبتمبر" الاسود التي ادت الى مقتل المئات وجرح الآلاف.
الا ان القوى الامنية كثفت حواجزها على الطريق المؤدية من منطقة القبائل الى العاصمة، الامر الذي تسبب بازدحام سير خانق وصولا الى شله.
ويفترض ان يزور شيراك بعد ذلك باب الواد حيث توجه في الاول من كانون الاول/ديسمبر 2001 بعد الفيضانات الكارثية التي اجتاحت في 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2001 هذا الحي الشعبي وادت الى مقتل 700 شخص. وسيضع شيراك اكليلا من الزهر في المكان في ذكرى الضحايا.
وقد اجمعت الصحف الجزائرية الصادرة الاحد على الترحيب بزيارة الرئيس الفرنسي الى الجزائر الاولى على هذا المستوى البروتوكولي لرئيس دولة فرنسي.
وخصصت معظمها صفحاتها الاولى لهذه الزيارة، مشيرة الى "الصلات التاريخية" و"الماضي الاليم" بين القوة الاستعمارية السابقة والجزائر التي استقلت في 1962.
وعنونت صحيفة "لو جون انديباندان" "هل يأتي شيراك فارغ اليدين؟" واشارت الى ان الجزائر "تأمل بان تعطي زيارة شيراك دفعا للشراكة بين البلدين لا سيما في ما يتعلق بالاستثمارات في المشاريع الصناعية الكبرى ومرافقة فرنسا لعملية التحديث في الاقتصاد الجزائري".
وكتبت صحيفة "المجاهد" ان البلدين وجدا طريق الحوار والثقة بعد عقد من سوء التفاهم والشكوك.
وعنونت "لكسبرسيون" صفحتها الاولى "المصالحة"، فيما كتبت "لو ماتان" ان "الزيارة استثنائية"، وان الامر يتعلق بطي صفحة الماضي نهائيا.