صدام حسين : سيرة اشكالية (الحلقة الاولى)

تاريخ النشر: 05 نوفمبر 2002 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

كتبت مجلة "أتلانتك أون لاين" الأميركية تقريراً مطولاً تحدثت فيه عن حياة الرئيس العراقي صدام حسين تحت عنوان "حكايات الطاغية". وفيما يلي مقتطفات من تقرير المجلة. 

 

 

دأب الرئيس العراقي باستمرار على تغيير زمان ومكان نومه، فهو لا ينام أبدا في قصوره، كما أنه يتحرك بسرية تامة من سرير إلى سرير. ويعتبر النوم والروتين من الأشياء المترفة التي حرم منها.  

تقول المجلة التي وصفت الرئيس العراقي بالزعيم العظيم والمنحدر مباشرة من سلالة النبي محمد، رئيس العراق، رئيس مجلس قيادة الثورة، فيلد مارشال جيوشه، أستاذ القوانين والعم العظيم لكافة أبناء شعبه بأن "صدام" يصحو حوالي الساعة الثالثة صباحاً حيث إنه لا ينام أكثر من 4-5 ساعات كل ليلة. وعندما يصحو يقوم ببعض السباحة حيث أن كافة قصوره ومنازله تضم حمامات سباحة، وفي الوقت الذي يعتبر الماء فيه نوعاً من الثروة والسلطة في بلد صحراوي كالعراق، فإن "صدام" يهدر الماء في كل اتجاه بما في ذلك النوافير وحمامات السباحة، الجداول والشلالات الداخلية. وتتم مراقبة وفحص المياه التي يسبح فيها الرئيس بدقة متناهية للتأكد من خلوها من أي سموم قد تدخل إلى جسده عن طريق العين، الفم، الأنف، الأذن أو الجلد. ونظراً لأن "صدام" يعاني من آلام الظهر بسبب انزلاق في العمود الفقري، فإن السباحة مفيدة له حسب نصيحة أطبائه، بالإضافة إلى أنها تحافظ على رشاقته ولياقته البدنية.  

اللياقة البدنية، تقول المجلة، ضرورية لرئيس مغرور يبلغ من العمر 65 عاماً لأن سلطته مستمدة من الخوف وليس الحب، ولذا فهو لا يريد أن يراه الناس عجوزاً وضعيفاً، وهو لا يستطيع الظهور بمظهر المحدوب أو الضعيف أو الأشيب، ونظراً لأنه يعرج قليلاً بسبب حالة عموده الفقري فهو يتجنب الظهور ماشياً أكثر من بضع خطوات، وبسبب طول قامته وشدته فإنه شخص مؤثر بالنسبة للعراقيين كما أنه يعلو فوق كافة مساعديه الذين يتصفون بالبدانة وقصر القامة مقارنه به.  

تحمل الطائرات الطعام الطازج للرئيس من الخارج مرتين أسبوعياً بما في ذلك سرطان البحر، الجمبري، السمك، اللحوم الطرية وكميات كبيرة من منتجات الألبان، وتذهب الأطعمة قبل كل شيء إلى علماء ذرة عراقيين يقومون بفحصها للتأكيد من خلوها من الإشعاعات والسموم. ويقوم بعد ذلك طهاة تدربوا على يد أوروبيين بتحضير طعام الرئيس تحت إشراف ما يسمى بالحماية وهم حرس صدام الخاص، كما أن قصوره العشرين تعج بالموظفين حيث تحضر ثلاث وجبات يومياً في كل واحد من هذه القصور. وتتطلب الإجراءات الأمنية أن يقوم الموظفون في القصور التي لا يتواجد فيها صدام بتمثيلية صامته متعمدة يومياً كما لو كان الرئيس موجوداً في ذلك القصر.  

يتناول صدام القليل من الطعام وبشكل انتقائي ويترك في كثير من الأحيان بعض الطعام في طبقه. وفي بعض الأحيان يتناول عشاءه في أحد مطاعم بغداد، وفي هذه الحالة يقوم رجاله الذين يحرسونه بغزو المطبخ التابع للمطعم ويطلبون غسل أدوات المطبخ التابع للمطعم بشكل جيد وبغير ذلك لا يتدخلون إلا قليلاً. ويؤثر صدام السمك على اللحوم، كما يتناول الفواكه والخضراوات الطازجة. وهو يحب شرب النبيذ مع وجباته ولكن بشكل معتدل وبعيد عن أعين الناس باستثناء المقربين منه.  

يوجد وشم على يد صدام اليمنى وثلاث بقع زرقاء قاتمة في خط بالقرب من معصمه إشارة إلى جذوره العشائرية والقروية حيث إن الأطفال في سن الخامسة أو السادسة في هذه المناطق يوشمون بهذه العلامات. كما أن هذه الأوشام تشير إلى الأصول المتواضعة ولكن البعض ممن يعيشون في المدن يعملون على إزالتها في وقت لاحق.  

يمضي الرئيس العراقي ساعات طويلة كل يوم في مكتبه الذي يختاره بالتنسيق مع مسؤولي الأمن لديه. ويجتمع مع وزرائه وجنرالاته ويستمع إلى آرائهم. كما أن من عاداته أخذ قسط قليل من الراحة أثناء النهار حيث يغادر الاجتماع فجأة ويخلد إلى الراحة في غرفة جانبية لمدة نصف ساعة ويعود بعدها نشطا إلى الاجتماع.  

ولا يستطيع أي من الذين يجتمعون بالرئيس فعل ذلك حيث إن عليهم البقاء يقظين طوال الوقت.  

وفي عام 1986 أثناء الحرب الإيرانية العراقية اكتشف صدام الجنرال علاء الدين الجنابي يغلب عليه النعاس أثناء أحد الاجتماعات، فما كان منه إلا أن جرده من رتبته العسكرية وطرده من الجيش. وقد مضت سنوات عديدة قبل أن يتمكن الجنابي من استعادة رتبته مجدداً.  

يتميز مكتب صدام بالنظافة والترتيب حيث تتكدس التقارير بشكل أنيق ويحمل كل منها وصفاً تفصيلياً لآخر الإنجازات والنفقات مشفوعاً بموجز للنقاط الأساسية.. يقرأ الرئيس عادة موجز التقارير ولكنه يختار بعضها للدراسة عن كثب، لكن أحدا لا يعلم أيا من التقارير سيتم تمحيصه. وإذا رأى صدام أن موجز التقرير الذي يختاره لا ينسجم مع التفاصيل فإنه يستدعي مدير الدائرة المعنية. وفي مثل هذه الاجتماعات يتصف صدام بالهدوء والأدب ونادراً ما يعلو صوته فهو يحب أن يظهر سيطرته على كافة المجالات في "مملكته" بدءاً من دورة المحاصيل الزراعية حتى الانشطار النووي. ولكن هذه الاجتماعات قد تكون مرعبة إذا استخدمها لتوبيخ أو مساءلة مرؤوسيه. ففي كثير من الأحيان يقوم بزيارة مفاجئة إلى بعض المكاتب، المختبرات أو المصانع. وعلى الرغم من اتخاذ الإجراءات الأمنية الضرورية، فإن خبر زياراته عادة يسبق وصوله. وهذا ما أدى بدوره إلى تزويده بمعلومات غير حقيقية وإلى أن معظم ما يشاهده في زياراته المفاجئة ملفق ومليء بالأكاذيب.  

لذا فإن "صدام" يرى ما يريد من حوله أن يرى ولكن صدام ليس شخصا غبياً فهو يعرف أنه قد خدع، ولذا فهو يتذمر من ذلك.  

يحب صدام القراءة بنهم في مواضيع عدة تتراوح بين الفيزياء والحب. وله ميول نحو التاريخ العربي والعسكري. كذلك يحب الكتب حول الرجال العظام وهو معجب بـ ونستون تشرشل.  

وفي السنوات الأخيرة كتب صدام ونشر حكايتين رمزيتين وعاطفيتين: زبيبة والملك، والقلعة الحصينة. وقبل نشر الروايتين قام صدام بتوزيعهما بسرية إلى بعض الكتاب العراقيين المحترفين طالباً تعليقهم واقتراحاتهم. 

لم يجرؤ أحد من هؤلاء أن يكون صريحاً فجاءت الروايتان كما يقول المراقبون كأنهما من كتابة هاوِ قليل الخبرة.  

يحب صدام مشاهدة التلفزيون بما في ذلك التلفزيون العراقي، شبكة الأخبار بالكوابل CNN، الجزيرة وهيئة الإذاعة البريطانية. كذلك يحب الأفلام السينمائية وخاصة تلك التي تتضمن الخداع، الاغتيال والتآمر مثل The Day of the Jackal, The Conversation و Enemy of the State. وبسبب عدم قيامه بالسفر كثيراً، فإن هذه الأفلام تزوده بمعلومات عن العالم وتشبع ميله للوثوق بنظريات المؤامرة. العالم بالنسبة له أحجية يستطيع الحمقى فقط قبولها كما هي. كذلك يحبذ الرئيس العراقي الأفلام ذات الموضوعات الأدبية مثل The God father و Old and the sea.  

ويمكن لصدام أن يكون جذاباً ومداعباً حين يتكلم عن نفسه. يقول خضير حمزة، عالم عراقي عمل في مشروع الأسلحة النووية العراقية قبل هربه إلى الغرب في وصفه الرئيس العراقي إنه ممتاز في سرد القصص ومن النوع من الناس الذين يحكون القصص مع إيماءات وتعابير على وجوههم.  

فقد وصف على التلفزيون كيف أنه وجد نفسه في إحدى زياراته المفاجئة لميدان المعركة خلف الخطوط الإيرانية إبان الحرب مع إيران. وذكر صدام أن القوات الإيرانية شنت هجوماً على القوات العراقية أثناء الزيارة مما أدى إلى عزل المكان الذي كان صدام متواجدا فيه، لكن الإيرانيين لم يكونوا يعلمون أن "صدام" موجود هناك. ويقول حمزة إن "صدام" سرد القصة ليس من قبيل التفاخر أو تهنئة نفسه، فهو لم يدع أنه حارب كي يتخلص من الورطة التي وقع فيها. قال إنه كان خائفاً وأضاف بشكل مرح أن "قواته تركته" مردداً ذلك مرتين. يذكر الرئيس بعد ذلك كيف أنه أخفى مسدسه وظل يراقب الوضع حتى استطاعت قواته استعادة الموقع وأصبح الوضع أمنا بالنسبة له. وتساءل صدام وهو يروي القصة ماذا يمكن أن يفعل المسدس في غمار المعركة.  

قال وفيق السامرائي الذي عمل رئيساً للاستخبارات العراقية أثناء الحرب مع إيران والذي هرب بعد حرب الخليج الثانية إلى الغرب بعد أن مشى لمدى ثلاثين ساعة في جبال شمال العراق الوعرة أن الجلوس والتحدث إلى صدام أمر يبعث على السرور. إنه رجل جاد والاجتماع معه قد يكون متوتراً ولكنك لا تتعرض للإكراه إلا إذا كان صدام يريد ذلك.  

وعندما يسألك عن رأيك فإنه يصغي باهتمام ولا يقاطعك. وفي مقابل ذلك، فإنه يتضايق إذا قاطعته حيث يقول لك بحدة، "دعني أكمل".  

نصح الأطباء "صدام" بالمشي ساعتين يومياً على أقل تقدير ولكنه نادراً ما يتوفر له مثل هذه الوقت كي يمارس هذه الرياضة حيث يقوم فقط ببعض التجول والتنزه، وقد اعتاد في السابق أن يمشي ومعه حاشيته في أحياء بغداد ويقوم حرسه الشخصي بتفريغ الطرق الفرعية والشوارع الرئيسية من الناس أثناء مروره. وكان أي شخص يقترب منه دون إذن يتعرض للضرب حتى الموت.  

ولكن الوضع اختلف الآن حيث أصبح من الخطر الشديد التجول علانية. ولذا فإن "صدام" لم يعد يخرج أمام الناس وأصبح يكتفي بالمشي محاطاً بالجدران العالية والأسوار المحروسة داخل المنشآت التي يمتلكها. وفي كثير من الأحيان يمشي وهو يحمل بندقيته ليصطاد غزالاً أو أرنبا في إحدى محمياته الخاصة وهو مطلق للنار ماهر.  

مضى الآن على زواج صدام حوالي أربعين عاماً من زوجته السيدة ساجدة وهي ابنة خالته وابنة خير الله طلفاح، عم صدام وأول معلم سياسي له. وقدر رزق صدام من ساجدة بولدين وثلاث بنات، وظلت مخلصة له ولكنه ارتبط بعلاقات عاطفية مع نساء أخريات.  

وانتشرت قصص كثيرة تدعي أنه كان يختار العذارى للنوم في سريره شأنه في ذلك شأن شهريار في حكايات ألف ليلة وليلة. كما ذكرت بعض الروايات أن له ولداً من إحدى عشيقاته خصص له مربية لمدة طويلة. وتذهب بعض الشائعات إلى أبعد من ذلك لتقول إن الرئيس العراقي قتل إحدى الشابات بعد إعطائها موعدا لم تفِ به. وتضيف المجلة أن من الصعب التحقق من صدق الروايات أو كذبها ولكن الناس داخل وخارج العراق يكرهون "صدام" بسبب أن هذه الشائعات يمكن أن تتلقفها وسائل الإعلام الغربية وتذيعها بشكل يمكن تصديقه. أما الأشخاص الذين يعرفون "صدام" جيداً فإنهم يهزأون من هذه القصص.  

يقول السامرائي، "لصدام علاقات مع النساء ولكن قصص الاغتصاب والجرائم مجرد أكاذيب، أنه ليس من هذا النوع من الرجال، وهو حريص في كل شيء يقوم به ولا يريد أبداً إعطاء انطباع سيئ عن نفسه. ينجذب في بعض الأحيان نحو النساء ويقيم علاقات معهن ولكن هؤلاء لسن من النوع الذي يمكن له أن يتحدث عن هذه العلاقة".  

صدام شخص منعزل بطبيعته، كما أن السلطة تزيد من عزلته. فالشاب دون سلطة أو مال هو شخص كامل الحرية فهو لا يملك شيئاً ولكنه يملك كل شيء حيث يستطيع السفر والانحراف والقيام بأعمال جمة. ولكن هذا الشاب حين يحقق النجاح ويبني أسرة ويجمع المال ويمتلك الأراضي ويكتسب السلطة تصبح خياراته محدودة وتضمحل بالتدريج. فالمسؤولية والالتزام تحد من تحركاته. وقد يخيل للبعض أن الرجل صاحب السطوة والنفوذ هو أكثر رجل لديه خيارات ولكنه في الحقيقة لديه أقلها. أما بالنسبة للطغاة فإن الخيارات أمامهم تكون في أضيق الحدود. وتشكل السلطة حائلا بينهم وبين العالم الخارجي. كافة المعلومات التي تصلهم تكون من الدرجة الثانية أو الثالثة ويتعرضون للخداع يومياً ويصبحون جاهلين بأمور أرضهم، شعبهم وحتى عائلاتهم الخاصة، ويعيش هؤلاء في نهاية الأمر من أجل المحافظة على ثرواتهم وسلطتهم ويصبح حب البقاء هاجسهم الأول. لذا يلجأ هؤلاء إلى تعديل وجباتهم الغذائية وفحصها للتحقق من خلوها من السموم والقيام بتمارين رياضية من خلف الأسوار بالإضافة إلى أنهم لا يثقون بأحد ويحاولون السيطرة على كل شيء.  

تم استدعاء النقيب صباح خليفة خدادة الذي كان يعمل ضابطاً في الجيش العراقي كمساعد لقائد معسكر لتدريب الإرهابيين في الأول من كانون الثاني/يناير عام 1996 لحضور اجتماع مهم. كان الوقت ليلا حيث قام الضابط بقيادة سيارته متجها نحو مركز قيادته جنوب بغداد حيث طلب منه ومن ضباط عسكريين آخرين بخلع ملابسهم باستثناء الداخلية منها.  

أنصاع هؤلاء للأوامر وسلموا ملابسهم، ساعاتهم ومحافظهم. وبعد ذلك تم غسل الملابس وكيها وتعقيمها وفحصها بالأشعة السينية وفحص الضباط بملابسهم الداخلية حيث مروا من خلال أجهزة لاكتشاف المعادن. ثم طلب من كل واحد من هؤلاء غسل يديه في محلول معقم.  

ثم أمر الضباط بارتداء ملابسهم وتم نقلهم في حافلات غطت نوافذها باللون الأسود كي لا يعرفوا إلى أين كانوا يتجهون. سارت الحافلات مسافة نصف ساعة أو أكثر تم بعدها تفتيش الضباط مرة أخرى. لم يعرف خدادة المكان الذي وصلوا إليه ولكنهم وضعوا في غرفة اجتماعات وتم إبلاغهم أنهم سيتشرفون بالاجتماع إلى الرئيس، وصدرت الأوامر لهم بعدم الحديث و الإصغاء فقط. وعندما يدخل صدام قاعة الاجتماعات كان عليهم الوقوف له باحترام وعدم القرب منه أو لمسه. فالاجتماع مع أي ديكتاتور أمر بسيط للغاية حيث أنه يصدر الأوامر باستثناء اجتماعاته مع المقربين منه.  

كما أمر الضباط بعدم مقاطعة الرئيس أو توجيه أسئلة له أو تقديم أي طلب. وتم تقديم قلم ومجموعة من الأوراق لكل واحد منهم وطلب إليه تدوين الملاحظات.  

دخل صدام القاعة ووقف الجميع احتراماً له، ووقف هو أمام كرسيه مبتسما لهم وهو يرتدي البزة العسكرية المرصعة بالأوسمة. بدا الرئيس لائقاً من الناحية الصحية، مثيرا للإعجاب وواثقاً من نفسه. وعندما جلس، جلس الجميع بعده. لم يتناول صدام كوب الشاي الذي كان موضوعاً خصيصاً له ولذا لم يجرؤ أحد من الحضور أن يلمس كوب الشاي الذي كان موضوعاً أمام كل واحد منهم.  

قال صدام لخدادة والآخرين ممن كانون معه إنهم أفضل أناس في الأمة وأكثرهم أمانة وقدرة مما حدا بالمسؤولين اختيارهم للالتقاء به والعمل في معسكرات التدريب حيث يتدرب المحاربون للثأر من أميركا. قال صدام إن أميركا تمثل بسبب معاملتها المتهورة للعرب والبلدان العربية هدفاً للثأر والتدمير، يجب أن يتوقف العدوان الأميركي كي يتمكن العراق من إعادة بناء نفسه واستئناف قيادته للعالم العربي. تحدث صدام حوالي ساعتين وكان خدادة يستشف العداوة الشديدة داخل الرئيس والغضب من الأميركيين بسبب ما فعلوه بطموحاته وما اقترفوه ضد العراق. وأنحى صدام باللائمة على الولايات المتحدة للفقر، التخلف والمعاناة في بلاده.  

أخذ خدادة بعض الملاحظات واختلس نظرة حول الغرفة وخلص إلى نتيجة أن قليلا من الآخرين غيره صدقوا ما قاله صدام لهم. فقد كان هؤلاء رجالا أشداء حاربوا ضد إيران واشتركوا في حرب الخليج الثانية وكان لديهم أوهام قليلة حول صدام ونظام حكمه ومتاعب بلدهم. فهم يعانون يومياً من مشاكل حقيقية في مدنهم ومعسكرات التدريب في العراق بأكمله وكان باستطاعتهم قول الكثير للرئيس ولكنهم لم يجرؤوا على قول كلمة واحدة للطاغية.  

قصد من الاجتماع أن يتلقى الضباط الأوامر ولكنه حتى في تلك الحالة فشل، فكلام صدام لا معنى له بالنسبة للذين استمعوا إليه. أما بالنسبة لخدادة فقد احتقره وشك في أن آخرين في القاعدة كان لديهم نفس الشعور.  

كان النقيب خدادة يدرك أنه ليس بجبان ولكن شأنه شأن العسكريين الآخرين كان خائفا. كان خدادة خائفاً من القيام بخطوة خاطئة أو جلب الانتباه له أو القيام بعمل ما يكون مرتجلا، وشكر الله على أنه لم يكن مضطراً للعطس أو السعال أو غيره بحضور الرئيس. 

عندما انتهى الاجتماع، غادر صدام الغرفة بكل بساطة. لم يكن الاجتماع مع صدام ذا معنى وكانت الملاحظات التي دونها الضباط غير ذات قيمة. وبدأ الأمر كأنهم قاموا بزيارة قصيرة لمنطقة خيالية ليس لها صلة بالعالم الذي يعيشون فيه. 

تعيش القبيلة التي ينتمي إليها صدام في قرية العجوة شرق تكريت في الوسط الشمالي للعراق في بيوت من الطين وسقوفها مكونة من ألواح خشبية يغطيها الطين أيضاً. أما الأرض في هذه القرية فهي جافة ويعيش معظم السكان هنا على زراعة القمح والخضراوات. وتعرف قبيلة صدام باسم "الخطب" ويتميز رجالها بالعنف والمهارة ولكن البعض منهم يوصفون بالمخادعين واللصوص.  

وينظر سكان القرية الذين لا يزالون يدينون بالولاء لصدام على أنه صلاح الدين، أما أعداؤه فيصفونه بـ ستالين.  

يقول كاتب المقال إن أحد الهاربين العراقيين الذي نشأ في تكريت وتعرف إلى صدام وهو صلاح عمر الغلي دعاه إلى تناول الشاي في منزله خارج لندن في كانون الثاني/يناير الماضي.  

والعلي كما يقول الكاتب رجل رشيق، ضعيف الجسم، أشيب، شاحب اللون ومحترم.  

كان العلي وزيراً للإعلام في العراق عام 1969 حين كان صدام يمتلك السلطة الفعلية في حزب البعث الحاكم ليعلن عن عدم رضاه عن الهزيمة العربية أمام إسرائيل عام 1967م.  

وعلى الرغم من أن العلي كان يعرف عائلة "الخطب" التي ينحدر منها صدام، إلا أنه لم يلتق به حتى أواسط الستينات حيث كان الاثنان يخططان للإطاحة بحكومة اللواء عبد الرحمن عارف المتداعية. ويقول العلي إن "صدام" كان شاباً نحيفاً وطويل القامة وكثيف الشعر. فقد خرج لتوه آنذاك من السجن بعد أن ألقي القبض عليه في أعقاب محاولة فاشلة لاغتيال سلف عارف. وقد أضافت محاولة صدام وإلقاء القبض عليه وسجنه إلى شخصيته الثورية فقد كان مفعماً بمجموعة أشياء تدعو للإعجاب وليس مجرد رجل قاس تحترمه عصابة حزب البعث ولكنه كان ذا عقل متفتح يفهم السياسة وقادر على قيادة العراق في حقبة جديدة. التقى العلي الشاب الهارب في مقهى بالقرب من جامعة بغداد حيث وصل صدام بسيارة فولكسفاجن وترجل من السيارة وكان يرتدي بدلة رمادية أنيقة.  

كانت تلك الفترة مثيرة بالنسبة لكلا الرجلين حيث كانت رياح التغيير تهب في المنطقة وكانت الفرص لحزبهم جيدة. كان صدام سعيداً بلقاء زميل له في تكريت، ويتذكر العلي أن "صدام" أصغى له مدة طويلة ويقول، "ناقشنا خطط الحزب وكيفية تنظيمه على المستوى الوطني". كانت القضايا معقدة ولكن كان من الواضح أن "صدام" فهمها جيداً. كان جاداً وأخذ عدداً من الاقتراحات. لقد ترك انطباعاً جيداً لدي".  

* ترجمة واعداد : البوابة.