كشف المخرج المصري عاطف سالم حكاية جديدة من أسرار السينما المصرية وهي أسباب القطيعة التي دامت ثماني سنوات بين كل من الممثلين الكبيرين عمر الشريف واحمد رمزي.
والمذكرات التي نشرتها مجلة "النجوم" المصرية حملت في عددها الأخير قصة الخلاف الذي تسبب به عاطف سالم ذاته وهي كآلاتي:
بعد نجاح فيلم "صراع في الوادي" وهو أول فيلم للفنان العالمي عمر الشريف ومن إخراج يوسف شاهين، وبعد نجاح فيلم "أيامنا الحلوة" الذي ضم في بطولته فاتن حمامة وعمر الشريف والوجهين الجديدين المطرب عبد الحليم حافظ والنجم أحمد رمزي تولدت صداقة حميمة بين عمر الشريف وأحمد رمزي، فكلاهما يمثلان الموجة الجديدة لشباب هذه الحقبة الزمنية، وارتبط الاثنان ارتباطاً قوياً، حتى أن فاتن حمامة كانت تغار من هذه الصداقة، فقل أن تجد أحدهما دون الآخر ـ أي عمر الشريف وأحمد رمزي ـ أما عبد الحليم حافظ فقد اختط لنفسه أسلوب حياة آخر، فهو لا يسهر ولا يدخن ولا .. وأصبحت حياته مرتبطة بأعماله الفنية فقط، حتى يجد لنفسه مكاناً في بؤرة الضوء التي يقف تحتها نجوم الطرب في ذاك الوقت أمثال عبد الوهاب وأم كلثوم وفريد الأطرش ومحمد فوزي وآخرين، حتى استطاع أن يشق طريقه بين كل هؤلاء النجوم، بينما كان هم عمر الشريف وأحمد رمزي، الحصول على أدوار تبرز مواهبهما التمثيلية، وتعاهدا ألا يمثل أحدهما فيلما إلا إذا كان الثاني يشاركه فيه، وكأنه ميثاق بينهما غير مكتوب.
وعندما استدعى المنتج جبرائيل تلحمي المخرج عاطف سالم لكي يعهد إليه بإخراج فيلم "صراع في المينا" تبادر الى ذهن عاطف سالم الدويتو أو الثنائي فاتن حمامه وعمر الشريف حيث كان يريد استثمار نجاح فيلم "صراع في الوادي" لنفس البطلين مع الفارق الشديد الذي طرأ على أداء عمر الشريف وإتقانه التحدث باللهجة المصرية الاسكندرانية، بدل اللهجة الإيطالية التي كانت تغلب على مخارج الحروف عنده، وهنا أشار عمر الشريف على صديقه أحمد رمزي لكي يلعب دور ابن صاحب شركات النقل والتفريغ بعد أن كان مرشحاً له ممثل آخر ..
ووافق المنتج والمخرج على اقتراح عمر الشريف وانضم الى قائمة العاملين حسين رياض وتوفيق الدقن بعد أن رفض فريد شوقي القيام بدور سكرتير صاحب العمل، وبدأت جلسات التحضير لأن أغلب مشاهد الفيلم ستصور بالإسكندرية مسقط رأس عمر الشريف وخاصة بالميناء.
ودارت الكاميرا لتصور المشاهد الداخلية بأستوديو جلال بالقاهرة حيث تم بناء ديكور المقهى والمكتب على نفس النمط الذي بالميناء، وكذلك فيلا وبيوت صاحب الشركة لأن الاعتماد في تلك الفترة كان على التصوير داخل الاستوديوهات وليس في الشقق والفيلات والقصور المستأجرة، نظرا لاحتواء الاستديو على المعدات والأدوات والعمال والفنيين المدربين علاوة على نقاوة الصوت والتحكم بالإضاءة.
وبعد الانتهاء من تصوير المشاهد الداخلية بالاستوديو، جاءت المشاهد الخارجية التي تقرر تصويرها بالاسكندرية، وانتقل الجميع الى الإسكندرية لتصوير بقية المشاهد، وكان من الطبيعي أن يقيم عمر الشريف وفاتن حمامه بمنزل عائلة عمر الشريف التي باركت زواجه من فاتن بعد انفصالها عن عز الدين ذو الفقار وخاصة بعد أن رزقهما الله بالطفل طارق عمر الشريف، وأصبح شقيقا لنادية عز الدين ذو الفقار التي مثلت مع والدتها فاتن حمامة فيلم "موعد مع السعادة" أمام عماد حمدي وعبد الوارث عسر وزهرة العلا وإخراج والدها عز الدين ذو الفقار.
وعاشت فاتن حمامة أياماً سعيدة بمنزل عائلة زوجها عمر الشريف وكان أحمد رمزي قاسماً مشتركاً في أكثر أيام التصوير بالإسكندرية لعمر الشريف وعائلته التي رحبت أيضاً بهذه الصداقة الحميمة التي تجمع بين عمر الشريف وأحمد رمزي.
وكان في السيناريو مشهد يكيل فيه عمر الشريف اللكمات إلى أحمد رمزي بصورة متلاحقة حتى يسقط أحمد رمزي على الأرض وتأتي الفنانة فردوس محمد التي تلعب دور أم رجب الونش ـ عمر الشريف ـ وتخلص أحمد رمزي من براثن عمر الشريف الذي أطبق على رقبته.
وفي غفلة من الجميع أوعز عاطف سالم إلى عمر الشريف أنه رأى أحمد رمزي وهو يغازل فاتن حمامه في الخفاء .. واندهش عمر الشريف من ذلك، كيف يفعل أحمد رمزي صديقه هذه الفعلة النكراء؟ ولكن عاطف سالم أكد له ذلك وأنه أي عمر الشريف لابد أن يختار أصدقاءه ..
وثار عمر الشريف ثورة عارمة وأقسم أن يلقن أحمد رمزي درساً لن ينساه في حياته .. وكان ذلك قبل لقطات المعركة بينهما، وما أن أعطى عاطف سالم إشارة البدء وقال "أكشن" حتى انهال عمر الشريف بقوة على أحمد رمزي وكل له اللكمات بصدق وأخذ أحمد رمزي يتراجع تجاه مياه الميناء الملوثة بمخلفات السفن من الديزل .. وقد أعطى عاطف سالم الكاميرا حرية الانطلاق رغم صراخ أحمد رمزي وهو يقول .. "أنت بتضرب بجد يا عمر" ، ولم يتوقف عمر عن الضرب حتى سقط أحمد رمزي في مياه البحر الملوث وأصيب بحساسية شديدة وعندما تم إنقاذ أحمد رمزي وانتشاله من الماء، كان جسمه قد أصيب بحروق شديدة من جراء الديزل الذي كان يملأ المياه في هذه البقعة.
واندهش الجميع من هذا التصرف خاصة أن عمر الشريف أخذ فاتن حمامه وترك موقع التصوير فور أن قال عاطف سالم "استوب .. اطبع".
وحاول أحمد رمزي معرفة الأسباب التي جعلت عمر الشريف يتصرف معه بهذه القسوة والوحشية ولكن لا مجيب، وكلما سأل أحمد رمزي عمر الشريف عن السبب كان يغادر المكان ويتركه في حيرته، حتى فاتن حمامة أرادت معرفة الأسباب ولكن عمر الشريف لم يعطها الفرصة لذلك، ولم يجب على السؤال الذي ظل حائرا على لسان كل من فاتن حمامة وأحمد رمزي .
وأخيرا أفصح عاطف سالم عن الإجابة وقال إنه شحن عمر الشريف ضد أحمد رمزي قبل التصوير للمعركة .. "التي جاءت مقنعة تماماً وصادقة" .. وهنا تألمت فاتن حمامة وقاطعت عاطف سالم تماماً منذ انتهاء تصوير الفيلم ..
وتأكد أحمد رمزي من مقاطعة عمر الشريف له بعد سنتين، فعندما طلب عاطف سالم عمر الشريف ليقوم بالدور الأول في فيلم "احنا التلامذة" أمام شكري سرحان وكان من المفروض أن يكون ثالثهما أحمد رمزي، اعترض عمر الشريف وطلب إشراك يوسف فخر الدين، كما رفضت فاتن حمامة القيام بالدور الأول في الفيلم وتم اختيار زيزي البدراوي بدلاً منها.
ودامت القطيعة بين عمر الشريف وأحمد رمزي ثماني سنوات حتى تقابلا يوماً في عيد ميلاد الفنان الراحل صلاح ذو الفقار وتصافيا بعد أن عرف عمر الشريف الحقيقة التي أخفاها عنه عاطف سالم طوال هذه المدة وكانت عودة إلى صداقة أقوى من ذي قبل.
وردا لما تسبب به عاطف سالم قام عمر الشريف بالتنازل عن دور البطولة لاحمد رمزي في فيلم "حكاية العمر كله" أمام كل من فاتن حمامة وفريد الاطرش.