نزيه أبو نضال-البوابة
قالت الشاعرة المصرية عزة بدر بأن الشاعر إنسان مجنون على الورق ولكنه عاقل في الحياة، وقد يحدث العكس أحيانا.وقالت في حوار مع البوابة عن مدى العلاقة بين الشاعر وشعره: "إن هناك علاقة وثيقة بين حياة الشاعر وإبداعه، بين ما يكتبه وسيرته الذاتية فالروح الشعرية التي تسكن البدن ما هي إلا حياة الشاعر صباحاته والمساء!، أفكاره وهمومه، أحزانه وآلامه.. وأفراحه القليلة أو زوايا انهزامه وكل هذه العناصر تشكل عالمه الشعري ولكنها ليست صورة طبق الأصل، لأنه تدخل فيها عوامل الخيال وطريقة التصوير والخضوع لمقاييس الفن والشعر التي تفرض على المرء ألا يكون شعره مجرد محاكاة للواقع، بل يطالبه بالتجاوز واتساع الرؤية والنظر إلى العالم من خلال كوة!
تلك الكوة هي نفس أو ذات الشاعر التي تتنفس داخل الذات وتنمو وتكبر ولكنها أبدا عندما تخرج على الورق أو تكتب كقصائد شعرية لا بد أن تختلف، فعندما تحلم شاعرة أو يحلم شاعر بمعانقة شخص ما ، أو يتأجج قلب امرأة فجأة !، أو يلتمع لحظ العين إن ائتلف على البعد اثنان فهذا شعريا حب وشوق ولوعه ورغبه في الضم، وعناقا حلوا أو مرا !، أما في الواقع فلا يمكن أن ينفذ المرء كل ما يحلو له أو يتصوره أو يعن لخياله، ولذا فالشاعر دائما مجنون على الورق عاقل في حياته ! وربما العكس، وربما يتوافق الشاعر مع جنونه ولكنها لحظات نادرة وعابرة أيضا، ويمكن أحيانا أن تكون مستحيلة وذلك لأسباب كثيرة منها الظروف الاجتماعية وارث العادات والتقاليد، ونظرة المجتمع للمرء واستجابة المرء الاجتماعية التي تتمثل في الرغبة في التوافق مع مجتمعه وعدم قدرته على تحمل النبذ والإقصاء..
فحتى طرفه بن العبد يسخر من عزلته ويقول :" أفردت أفراد البعير المعبد".. رغم أنه ثار على مجتمعه واختار وحدته".
وعن تأثير التابو الاجتماعي على إبداع الشاعر مضمونا وتقنية فنية وفيما إذا قد تجرأت على تجاوز هذا التابو قالت:
"أنا أقول لك إذا ما ركبت جواد الشعر فإنني أطيع حسي الشعري وذائقتي وما تمليه علي الكتابة الحقه، الكتابة التي تختصر النفس في لحظات، ولا أفكر بالتابو الاجتماعي أثناء الكتابة وإلا فمعني هذا أنني لن أكتب.. ينبغي للشاعر أن يتمتع بقدر كبير من الحرية في الكتابة دون أن يخشى أو يتصور أنه هو نفسه القصيدة لأن هذا من شأنه أن يعرقل تدفق الأفكار، ويسجن الروح الشاعرة في قمقم!.
"التابو الاجتماعي" ربما يشكل تصرفاتنا وسلوكياتنا في حياتنا اليومية وقد نخضع له في كثير من الأحيان دون مناقشة، لكننا في الشعر نناصبه العداء بل نعصف به تقريبا تلك حيل الخيال في التمرد على ما يمليه العقل الذي يختزن كل العادات والتقاليد المستقرة.
شعري ليس حياتي، ولكنني أستمد أبياته منها، من خلال خبراتي وثقافتي ومورثاتي وعاداتي، فليس يقبل من الشاعر في عصرنا الحديث، السريع اللاهث أن يقدم تفاصيل حياته إلا إذا كانت تعني شيئا للإنسانية أو شيئا للآخر وتكتسب هذا البعد إذا ارتفعت إلى آفاق إنسانية وحلقت في دنيا معرفة البشر وتقريب عوالم بعضهم إلى بعض في لحظة تعاطف".
وعن الشعر المهرجاني وهل يفرض على الفنان اختيار قصائد وأساليب محددة لكي يحقق التواصل بينه وبين الجمهور؟
"الشعر هو الشعر في أي مكان.. بيني وبين نفسي، بيني وبين الناس، في وحدتي وفي المهرجان! وينبغي أن لا نخضع الشعر لمقاييس المهرجانات فهو قائم بذاته لا بد أن يأتلق على هوى الشاعر، وهو وحده الذي يحدد اختياره وأشعاره، الشاعر هو إمبراطور القصيدة الذي ليس عليه إلا أن يأمر فتطيع، الإخلاص لصوت الشعر وحده، لتكهنه وحده، هو الذي يجعل الأشعار قيمة ولذا فعلاقة الشعر بالخضوع لمقاييس خارجة عليه واهية ولذا فليست هناك قصيدة يقولها المرء في مهرجان لتحظى بالتواصل مع الناس وقصيدة يجتنبها لأنها لن تصل، عليه من البداية أن يحاول الوصول إلى المتلقي وأن يصل إلى المعادلة الجمالية التي توازن بين فنية الشعر والتلقي"—(البوابة)