واشنطن - منير ناصر
قال ديبلوماسي فلسطيني كبير في أوروبا إنه فقد إيمانه بالعملية السلمية التي أصبحت "عملية أبدية وهذه إحدى أعراض فشلها".
وأخبر عفيف صافية رئيس البعثات الديبلوماسية الفلسطينية في كل من إنجلترا، وإيرلندا، والفاتيكان، "البوابة" في زيارة حديثة إلى واشنطن أن محادثات كامب ديفيد قد سممت الوضع وأشعلته وقادت إلى الانتفاضة الفلسطينية الحالية.
وهو يعتقد أن ثمة بوناً واضحاً بين الجانبين المفاوضين، بحيث يصعب الخروج بتسوية مقبولة. ويعتقد أن هناك تحالفاً غير مكتوب بين إسرائيل والولايات المتحدة يسمح للفريق الأصغر بالإفلات من سلوكه غير المسؤول.
وقال صافية، إن السلام بالنسبة للفلسطينيين والعرب مهم بحيث لا يجوز تركه للإسرائيليين لاتخاذ قرار بشأنه". وقال كنت أتوقع الكثير من أميركا، وكان حلمي على الدوام هو أن أرى أميركا توفق ما بين قوتها ومبادئها".
وفيما يلي مقتطفات من المقابلة:
ما هو شعورك بالنسبة للانتفاضة في فلسطين؟
- ما نشاهده على شاشات التلفزيون هو فلسطينيون يصرخون طلباً للعدالة والحرية.
ما يحدث اليوم يمكن تفسيره بتسع سنوات من عملية سلمية غير مقنعة. أنا أحد المتحمسين للسلام ممن فقدوا إيمانهم بالعملية السلمية. كثيرا ما أتحدث مع الإسرائيليين وأقول لهم إن الأراضي التي احتلت خلال أقل من ستة أيام عام 1967 يمكن الانسحاب منها خلال أقل من ستة أيام بحيث يمكننا الاستراحة في اليوم السابع. ولا ضرورة لإطالة العملية السلمية. لقد دخلنا العملية ونحن نهدف لإقامة سلام دائم. وما لدينا الآن هو عملية سلمية أبدية، وهذا دليل على فشلها.
ما الذي أفقدك الإيمان بالعملية السلمية؟
- إحدى مآسي العملية السلمية، التي أعطيتها الكثير من سنوات عمري، هي أن الزعماء السياسيين الإسرائيليين يريدون الحصول على نتيجة ديبلوماسية تعكس العناد الإسرائيلي، والانحياز الأميركي للخيارات الإسرائيلية، والتراجع الروسي، والتنازل الأوروبي، والعجز العربي، وما يأملون في أن يكون استسلاماً فلسطينياً. وكنت أقول للإسرائيليين دائماً ألا يساووا بين الواقعية والاستسلام.
أعتقد أن هذه هي رسالة فتياننا في الانتفاضة. لقد فرضت عليهم حياة بائسة من المهد إلى اللحد، وفجأة قالوا: كلا. إنهم يستحقون دعمنا وفي الأوقات العصيبة، سأقول دائماً إن فلسطين ستبعث من جديد، وكما نعرف جميعاً، فإننا لنا خبرة سابقة في البعث.
ما الأمر الذي أشعل هذه الانتفاضة؟
- يمكن رد هذه الانتفاضة إلى محادثات كامب ديفيد في تموز. وقد ظهرت مدرستان فكريتان بعد محادثات الكامب: المدرسة المتفائلة قالت إنها تمرين مفيد، فكلا الفريقين باتا يعرفان بعضهما البعض بشكل أفضل، وتم تحقيق تقدم أكبر في جميع القضايا. وحيث أنه لا يمكن للديبلوماسية أن تقيم جسراً فوق المحيطات، قالوا: لم يعد لدينا الآن سوى نهر لإقامة جسر عليه. ربما أنني أنتمي إلى المدرسة الفكرية الساخرة - لأني أقول ربما أن النهر الذي نحتاج لإقامة جسر عليه يشبه نهر الأمازون أكثر مما يشبه ما بقي من نهر الأردن.
الكثيرون يلقون باللوم على الزيارة الاستفزازية التي قام بها أرييل شارون إلى المسجد الأقصى، هل توافقهم على ذلك؟
- زيارة شارون كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. شارون لم يذهب إلى المسجد الأقصى للصلاة لله الواحد الأحد. فقد كانت لزيارته حسابات سياسية ميكافيلية. فهو لم يشأ أن يزاود عليه منافسه السياسي باراك من حزب العمل. وأيضا، لم يشأ شارون في ذلك اليوم بالذات، أن تطغى عليه عودة بيبي نتنياهو الذي أوقف المدعي العام الإسرائيلي ملاحقته في ذلك اليوم. لذلك ذهب شارون إلى المسجد وفي ذهنه ذلك الأمر. إنها حسابات إسرائيلية داخلية.
ما هو تأثير محادثات كامب ديفيد على الانتفاضة؟
- أعتقد أن محادثات كامب ديفيد سممت الموقف وأشعلته. باراك يعلم أن احتفاظ إسرائيل بتواجد مادي وعسكري في وادي الأردن لا يعطيها أية مزايا عسكرية استراتيجية. جنرالات إسرائيل قالوا إن وجوداً عسكرياً إسرائيليا سيعطي إسرائيل ثانية واحدة من الإنذار المبكر في حالة حدوث هجوم صاروخي.
لكن هذا التواجد العسكري سيكون مسؤولية عسكرية وعبئاً في حالة التعرض لهجوم، ومع ذلك تطالب إسرائيل بالحفاظ على تواجد مادي على طول وادي الأردن وحول البحر الميت، وطلبت إسرائيل في كامب ديفيد الاحتفاظ بـ 80 بالمائة من المستوطنات والمستوطنين. ونحن نعلم أن تلك المستوطنات أقيمت فوق أحواض المياه الجوفية، وكانت إسرائيل ستبتلع مصادرنا المائية المحدودة. وحين نعلم أن المستوطنين لم يتم اختيارهم من نخبة المجتمع الإسرائيلي، يمكنك تصور مدى خيبة الأمل التي تلقينا فيها مطالب إسرائيل في كامب ديفيد.
ماذا بشأن اللاجئين والقدس؟
- إسرائيل لم تعترف قط بأية مسؤولية حول قضية اللاجئين وطردهم من وطنهم. وهم يقرون، كرماً منهم، أنهم قد يسمحون بعودة ما بين 50 ألفا إلى 70 ألفا لكن على أقساط بمعدل 500 شخص في السنة. وإذا كانت حساباتي صحيحة، فقد نحتاج إلى قرن كامل لإعادة عدد ذي قيمة من اللاجئين. أما بالنسبة للقدس فقد طالبت إسرائيل بالسيادة على الحي اليهودي، والحي الأرمني، وطالبت بسيادة مشتركة على المقدسات الإسلامية، وجميع الأحياء الخارجية في المدينة القديمة. وقد تعطينا المناطق المجاورة لقدسنا.
أليس ثمة أمل في إحياء العملية السلمية؟
- كنت أؤمن على الدوام أن العملية السلمية لن تنجح إلا إذا كانت هناك مدخلات حازمة من جهات خارجية وطرف ثالث. هناك نوع من التباين بين الفريقين المتفاوضين بحيث يصعب الخروج بتسوية مقبولة. وإضافة إلى تمتع إسرائيل بتفوق عسكري ونووي وقتالي في المنطقة، فإن لديها تحالفاً غير مكتوب مع القوة العظمى الوحيدة الباقية، الولايات المتحدة. والمعاهدة غير المكتوية أفضل لإسرائيل من المعاهدة المكتوية لأن الطرف الأصغر فيها يتحلل من التصرف بمسؤولية. ويبدو أن الحليف غير المنضبط والشريك الأكبر غير مسؤولين عن سوء تصرف المحمي في السياسة المحلية.
إلى أين تسير العملية السلمية من الآن؟
- أنا أقول دوماً للإسرائيليين والأوروبيين الذين أتحدث معهم: كما في حالة احتلال العراق للكويت لم يثر أحد فكرة اللجوء إلى استفتاء في العراق حول ما إذا كانوا يريدون الانسحاب، وما هي المساحة التي يريدون الانسحاب منها؟ السلام بالنسبة للفلسطينيين والعرب مهم للغاية بحيث لا يمكن تركه للإسرائيليين لاتخاذ قرار بشأنه. وإذا فعلوا، فإن عرضهم لن يكون مقبولاً بالنسبة لنا. فما هو مقبول ديمقراطياً للإسرائيليين غير مقبول ديمقراطياً فلسطينياً. لقد ذهبنا إلى أقصى ما يمكن من تنازلات، نحن مستعدون للقبول بـ 22 بالمائة مما هو حق لنا.
كيف تصف دور الولايات المتحدة في العملية السلمية؟
- أتوقع الكثير من أميركا. كنت أحلم دائماً أن أرى أميركا توفق ما بين قوتها ومبادئها. وحين تنحاز أميركا إلى طرف مقاتل في نزاع إقليمي، فإنها تستعدي شريحة من الناخبين المحليين، العرب الأميركيين، الذين يرون الدولة التي احتضنتهم تعادي بلدهم الأصلي. عدم الانحياز هو ما يجب أن تتميز به السياسة الأميركية الخارجية في الصراعات الإقليمية. وقد فوجئنا في كامب ديفيد بامتداح الرئيس كلينتون للتنازلات التي قدمها باراك. لسوء الحظ كانت تعليقاته مؤذية للغاية لمصالحنا وللتصورات التي قد يأخذها الآخرون عن الوضع. ومع الشهية التي أبداها باراك لابتلاع الأراضي، فإني أجد موقف الرئيس كلينتون الذي أثنى على موقف باراك واعتبره "مبدعاً، وصاحب خيال، وخلاقاً" أمراً مفاجئاً وغريباً لوصف ما حدث في المحادثات.
كيف ترى تغطية وسائل الإعلام للانتفاضة؟
- غالباً ما تزعجني تعليقات المعلقين على الحقائق الواضحة أمام أعيننا. وحين أستمع إلى الناطقين الرسميين الإسرائيليين، يتولد لدي انطباع بأن الفلسطينيين يحتلون إسرائيل، وليس أن الإسرائيليين يحتلون فلسطين. بعض المعلقين يريدون أن يكونوا غير متحيزين ومتوازنين، وكأن هناك مساواة أخلاقية ما بين استيلاء محتل على الأرض والتطلعات المشروعة للخاضعين للاحتلال. ليس هناك توازن أخلاقي.