عندما يتحول أمين عام جامعتنا العربية إلى (بوسطجي) رسائل فاترة

تاريخ النشر: 05 فبراير 2002 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

هارون محمد- رئيس تحرير مجلة القمة- لندن  

من حق الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، أن يزور بغداد متى يشاء، ويلتقي مع الرئيس صدام في أي وقت يرغب، لأنه موظف بدرجة أمين عام لدى 22 دولة عربية، من ضمنها العراق بالطبع، رغم أن سلطة الرئيس صدام ما تزال ترفض تسديد اكثر من ثلاثين مليون دولار مستحقة عليها عن حصتها المقررة للجامعة تحت ذرائع مختلفة، ولكن ليس من حقه أن يدافع عن الرئيس صدام لا بالتلميح أو التصريح، وينتقد محاولات ضربه وإطاحته وكأنه محام وكلته السلطة العراقية في الترافع عنها وتبرير جرائمها وانتهاكاتها.  

والغريب في تصريحات موسى الذي تستلزم وظيفته الحيادية والنزاهة وعدم الانحياز الى هذا الرئيس أو ذلك أو هذه الحكومة أو تلك، انه لم يكتف بإطلاق تصريحات يشم منها رائحة الانصياع والانتفاع، بل تحول الى (بوسطجي) مع الاحترام للمهن والحرف الشريفة، يحمل رسائل فاترة لا أحد يستقبلها ويدلل ببضاعة بائرة ينفر الجميع منها، ويحشر نفسه في مسائل شائكة ليس مطلوباً منه الخوض فيها، ولا تتطلبها مهام عمله ولا تندرج أيضاً في إطار اتصالاته الأخيرة في التحضير لاجتماعات القمة العربية المقبلة، المقرر عقدها في نهاية آذار (مارس) المقبل بالعاصمة اللبنانية. 

وليس صحيحاً ما يقوله عمرو موسى، من أن جميع الدول العربية لا توافق على قيام الولايات المتحدة الامريكية بتوجيه ضربات للرئيس صدام تهدف الى تقويض لسلطته وإنقاذ العراقيين والعرب من شروره الشيطانية، إنما الصحيح أن كل الرؤساء والقادة العرب بمن فيهم أولئك الذين مدوا جسور التعاون وعقد اتفاقيات ما يسمى بالتجارة الحرة مع حكومة بغداد، يتمنون سقوط الرئيس صدام اليوم قبل الغد، وبالتأكيد فان الأمين العام الذي أمضى اكثر من عشر سنوات على رأس وزارة الخارجية المصرية يعرف أكثر من غيره، القنوات الدبلوماسية والسرية التي تتعاطى مع خلالها الدول العربية مع واشنطن، وهو نفسه ظل موضع اتهام من الرئيس صدام لغاية العام الماضي باعتباره من اشد وزراء الخارجية العرب معاداة لها، وأكثرهم مشاغبة عليها، ووصفه السيد طارق عزيز في مداخلة نشرتها الصحف الحكومية على هامش (الندوة الفكرية الثانية) التي عقدت ببغداد خلال الفترة من 19-21 آذار/مارس 1992، في معرض استعراضه لمواقف الدول العربية وقادتها ووزراء خارجيتها، أن عمرو موسى عضو فيما اسماهم بجوقة الشتم منذ اشتغاله مديراً عاماً للدائرة العربية في وزارة الخارجية قبل أن يصبح وزيراً للخارجية، وأنا اعرفه جيداً –والكلام لعزيز- واعرف انه من الخبثاء ضدنا، لأنه تلميذ نجيب لعصمت عبد المجيد وواحد من مريديه.. انتهى كلام طارق عزيز.  

ومعروف أن الدول العربية الأعضاء في الجامعة، وافقت على تعيينه أميناً عاماً قبل عقد القمة العربية في عمان العام الماضي، ليس تقديراً لكفاءته الدبلوماسية الخارقة، ولا تعاطفاً مع أغنية المطرب الشعبي المصري شعبان عبدالرحيم (بأحب عمرو موسى وأكره إسرائيل) وانما استجابة لدعوة الرئيس حسني مبارك ومعارضة الرئيس اليمني علي عبدالله صالح الذي رشح البعثي القديم محسن العيني، علماً بان سلطة الرئيس صدام وهذا يعترف به عمرو موسى بالتأكيد، كانت الوحيدة من الحكومات العربية التي أثنت على ترشيح العيني نكاية بالمرشح المصري الذي هو نفسه، وقد اضطر محسن خليل مندوب السلطة في الجامعة الى الإعلان عن موافقة حكومته على ترشيح موسى بعد أن حصل إجماع عربي، وقبل انعقاد قمة عمان بأسبوع واحد.  

والمفارقة في تصريحات عمرو موسى عقب زيارته لبغداد أن تلقف ما اسماها بمبادرة الرئيس صدام وتكليفه بإيصالها الى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، متجاهلاً حقيقة كونه عربي الوظيفة وليس سفيراً في ملاك وزارة الخارجية ببغداد. 

وحسناً فعل الكويتيون، عندما واجهوا عمرو موسى بالصراحة ونبهوه الى انه لم يأت بجديد إليهم من صدام، وانما كرر مقولات طارق عزيز والصحاف وناجي الحديثي التي باتت رتيبة ومملة في نفيها لوجود أسرى كويتيين في السجون والمعتقلات السرية في العراق، ولعل أبلغ جواب تلقاه (بوسطجي) صدام، ما قاله وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح الاحمد، عندما تركه يفرغ من سرد ما يحمله عن نفي وجود الأسرى واستعداده لاستقبال لجنة رسمية عربية للتفتيش عنهم في العراق، ثم أجابه متهكماً (ما سوينا شي يا معالي الأمين العام) وكان على موسى أن يطلع على محضر اجتماع سلفه الدبلوماسي الهادئ والإنسان الوقور الدكتور عصمت عبدالمجيد مع الرئيس صدام في شباط 1998 وهو محفوظ في وثائق الجامعة وتحت متناول يديه، للاستفادة منه، وزيادة خبرته، وإجبار الطرف الآخر على احترامه.  

ففي إحدى حلقات الحديث في اللقاء الذي جمع بين الاثنين، سخر الرئيس صدام من موقف الجامعة لأنها لم تبادر الى الضغط على المملكة العربية السعودية والكويت بسبب ما اسماه انطلاق الطائرات الامريكية من أراضيها في مهمات مراقبة خط حظر الطيران في جنوب العراق، فرد عبدالمجيد، كيف نضغط على حكومتين عربيتين في قضية سيادية وكيف نسمح للجامعة وهي بيت العرب .. كل العرب، رضينا أم أبينا، أن تقحم نفسها في مسائل داخلية هي من اختصاص القيادات والحكومات المسؤولة كل في بلدها. وقال صدام .. انتظروا وخصوصاً انتم في مصر، فسيأتي يوم تتحول فيه الطائرات الامريكية للهجوم على مصر اليوم علينا وغداً عليكم.  

وبرصانته المعهودة رد عصمت عبدالمجيد، لن يحدث هذا.. لان مصر لا يمكن في يوم من الأيام أن تغزو بلداً عربياً وتعرض أمنها واستقرارها الى العبث. وصمت الرئيس صدام للحظات، هكذا ورد في محضر الاجتماعات، ولم يقل –يبدو لاعتبارات دبلوماسية- انه فوجئ أو انه لم يتوقع مثل هذا الرد. هكذا ذهب عصمت عبدالمجيد الى بغداد وعاد منها، دون ان يطأطأ رأسه أو يهادن، وكسب المزيد من الاحترام والتقدير من العراقيين وخصوصاً على وقفته الشجاعة، كرجل صاحب مبادئ وقيم لن يحيد عنها، على عكس عمرو موسى الذي سقط في لعبة التهريج في أول مقابلة له مع صدام. 

لماذا لم يدافع عمرو موسى عن الشعب العراقي المجوع والمضطهد على الدوام.. المحروم من ابسط حقوقه الإنسانية والسياسية؟  

وكيف يسمح الأمين العام للجامعة العربية لنفسه ومركزه أن يتقاطع مع رغبة العراقيين في الخلاص من سلطة انتهكت حرماتهم وكراماتهم وما تزال تواصل ذبحهم وتعريض بلدهم الى التدمير؟  

من خول عمرو موسى أن يكيل المديح لمبادرات هي ضحك على الذقون وتهكم على العرب؟  

ولماذا لم يطلب من صدام أن يفي بالتزاماته العربية وتعهداته الدولية، وهو العارف منذ كان وزيراً لخارجية بلاده، بالسياسات الملتوية التي تتبعها حكومة بغداد في تعاطيها مع الدول العربية وتآمرها على دول الجوار؟ إنها أسئلة مشروعة، مطلوب من عمرو موسى، ما دام أميناً عاماً للجامعة العربي، الإجابة عليها، لتبرئة ذمته على الأقل أمام العراقيين الذين علمتهم التجربة أن كل من يدافع عن صدام ويبرر جرائمه، لابد ويكون قد قبض الثمن سلفاً، والثمن في تعاملات النظام العراقي مع المصفقين له والمشيدين به، له أشكال وصور كثيرة، نأمل إلا يكون أميننا العام قد وقع على واحدة منها، فنحن نتمنى أن تكون تصريحاته الانحيازية وغير المتزنة، فلتة لسان في لحظة تسرع. بقي شي واحد لابد أن نذكر به عمرو موسى، ونقول له أن الشعوب هي الباقية والحكام زائلون، والتأريخ لا يرحم من يقف مع الحكام ضد الشعوب، مجرد تذكير .. ليس إلا.