عن المجازر والانتقام

تاريخ النشر: 26 فبراير 2014 - 02:07 GMT
خالد أبو الخير
خالد أبو الخير

خالد أبو الخير

تجتاح العديد من الدول العربية مجازر من أصناف متعددة، يذبح فيها الناس لغير سبب، ويقضي فيها أبرياء لا ذنب لهم ولا جريرة، في صراع مرير على السلطة أو المكاسب، ما يثبت مقولة أن السلطة تخرج من فوهة المدفع. ليس المقصود بهذه المقالة أن أعداد هذه المجازر ولا أن أتطرق الى ما يجري في العراق وسوريا وليبيا واليمن ومصر ولبنان، وربما دول أخرى مرشحة للسقوط في بؤرة العنف، وأنما سأذهب أبعد من ذلك، الى دول عانت مجازر حصدت قتلى من الصعب تعدادهم، لأروي قصتين.

الأولى من راوندا، البلد الافريقي الذي تحول قبل زهاء عشرين عاماً الى مقبرة جماعية، حين اندلع الصراع بين قبائل الهوتو والتوتسي، وبدأ التطهير العرقي الذي خلف مليونا من القتلى، قتل غالبيتهم بالسلاح الأبيض "السواطير تحديداً"، خلال مئة يوم فقط، لدرجة أن الشوارع والأنهار امتلأت بالجثث ووصل بعضها الى بحيرة فيكتوريا، على بعد آلاف الأميال.

كثير من الراونديين هربوا أيامها الى الغابات والمستنقعات واكتشفوا ببساطة: ان الغوريلات والأسود والفهود والحيات أرفق بهم من بني الإنسان.

في العاصمة كيغالي الآن أمر مثير للاستغراب، فهناك برنامج مصالحة فريد من نوعه، وفق ما يقول صديق زار هذا البلد منذ أيام، فقد أقامت الحكومة قرى نموذجية للناجين والقتلة يعيشون فيها جنبا الى جنب.

يروي صديقي أنه قابل ناجيا يجلس إلى جانب رجل قتل والده فقال له: لا ضغينة!

صديقي يعقب: "قرروا ترك الأحقاد والتطلع الى المستقبل رغم بشاعة ما حدث في الماضي.. هكذا ببساطة عصية على الفهم".

قصة أخرى رواها لي صحفي أمريكي عمل في كمبوديا التي شهدت حربا ومجازر لا تعد هي أيضا، في عقد السبعينيات، قضى فيها مليون إنسان أيضاً.

يقول الصحفي الامريكي انه تعرف على صحفي كمبودي قتلت عائلته في المجازر التي قام بها الخمير الحمر آنذاك. هذا الصحفي استدل بعد سنوات على القائد الذي أصدر أوامر قتل عائلته وأباد القرية التي كانوا يقطنون بها، فذهب لإجراء لقاء متلفز معه.

بعد حوار طويل مع القائد الذي صار عجوزاً، استغرق ساعات.. دون أن يكشف الصحفي خلاله عن شخصيته، وكان اتفق مع المصور على أن يوجه الكاميرا الى وجه القاتل في اللحظات الاخيرة. عندها عرفه بشخصيته الحقيقية، وقال له: أنت من قتل عائلتي! وترك الكاميرا تصور تعابير وجه القاتل لدقائق قبل أن يلم أوراقه ويمضي.

هما قصتان عن المجازر والانتقام.. فيهما الكثير من المغزى، فيما أظن.