محمد عمر
منذ التفجيرات الإرهابية في واشنطن ونيويورك لم تكف وسائل الإعلام العربية والإسلامية عن محاولة التشكيك في كل ما تطرحه الولايات المتحدة من اتهامات موجهة لأسامة بن لادن وتنظيم القاعدة في تنفيذ هذا الاعتداء الدامي.
وقد يكون من حق العرب والمسلمين التشكيك طالما لم تقدم واشنطن أدلة دامغة تثبت هذا التورط، مع أن كل الشواهد وبصراحة جارحة تؤكد أن ما تقوله واشنطن هو الأقرب للمعقول والمقبول، وكل ما يقوله العرب لا يعدو كونه فانتازيا تصلح لروايات الخيال العلمي.
هل هي الصدفة البحتة التي جمعت 19 عربيا على متن الطائرات الانتحارية، وهل هي صدفة بحتة أن ثمانية من بين من أعلنت واشنطن عن أسمائهم تبين أنهم تلقوا تدريبات على الطيران، وهل هي صدفة بحتة أن أهالي ثمانية آخرين اعترفوا أن أبناءهم اختفوا منذ سنوات، وهل هي صدفة أيضا أن من بين من هؤلاء من تبين أنه على علاقة بتنظيمات أصولية، وأن بعضهم حارب فعلا في أفغانستان أو الشيشان.
وهل هي الصدفة البحتة التي تأتي فيها هذه التفجيرات بعد عمليات أخرى تبنتها قوى أصولية وثيقة الصلة بابن لادن وهي أحد فروع القاعدة، ومن بين هذه التفجيرات، تفجير المدمرة "كول" وتفجير مركز التجارة العالمي، وتفجير سفارتي واشنطن في تنزانيا ونيروبي، وتفجيرات الخبر والرياض، هذا عدا عن العمليات الإرهابية التي وقعت في الأردن ومصر تحديدا وتبين أن أتباع بن لادن هم منفذوها.
وهل هي الصدفة أيضا أن تأتي هذه التفجيرات بعد تهديدات نارية من أسامة بن لادن بضرب أميركا في عقر دارها، وإهدار دم الشعب الأميركي كونه مسؤولا عن انتخاب حكوماته، كما صرح بذلك بن لادن نفسه في مقابلته مع شبكة "الجزيرة" وشبكة الـ "سي.أن.أن".
لا ندري بالضبط من أين اخترع العرب والمسلمون نظرية المؤامرة ونظرية استهداف الغرب للعرب والمسلمين. فالكتلة العربية الإسلامية لا تشكل تهديدا للسيطرة الأميركية بمقدار ما تشكله الصين مثلا، وليست السودان أكثر خطرا على الولايات المتحدة من كوبا التي تبعد 60 ميلا عن فلوريدا، ولا يشكل مليار مسلم تهديدا حقيقيا للثقافة المسيحية الغربية أكثر من التهديد الذي تشكله الديانات الشرقية وخاصة الهندوسية التي يدين بها أكثر من مليار نسمة، وليس العراق بأخطر من كوريا الشمالية التي قد تصل صواريخها إلى ولايات الغرب الأميركي.
من المؤكد أن واشنطن تسعى إلى إبقاء سيطرتها على العالم ومن المؤكد أن هناك "دولا عربية وإسلامية مارقة"، ولكن ليس هناك ما يثبت عداء العرب والمسلمين لأميركا والعكس صحيح ايضا، وإلا كيف يقال إن الدول العربية والإسلامية بأغلبها موالية لواشنطن وعاجزة عن اتخاذ موقف حقيقي مساند للشعب الفلسطيني ومساند لمصالحها في التنمية والتطور ثم يقال إن واشنطن تستهدف هذه الأمة دون غيرها.
كلام كثير يقال الآن عن الحرب ضد الإرهاب، وعن استغلال واشنطن للأحداث الأخيرة للسيطرة على العالم، وعن المجازر الجديدة التي سترتكبها واشنطن، وعن المأزق الذي تجد فيه الدول العربية والإسلامية نفسها فيه بين مطرقة الانضمام للتحالف الدولي أو انفجار غضب الشارع الإسلامي، وعن استغلال العسكريين للأحداث الإرهابية لتوطيد موقعهم وزيادة الإنفاق على التسلح، وعن استغلال الأجهزة الأمنية للأحداث لزيادة سيطرتها والتشديد من قمعها،وكلام كثير يقال عن استغلال الصهيونية للإحداث للزج بالعرب والمسلمين، كلام كثير يقال عن مؤامرات وعن "أدوات محركة"، وعن استهدافات.
ولكن، هناك رجل واحد بإمكانه أن يقلب هذه المعادلة وأن يضع كل هذا الكلام في سلة المهملات أو على الأقل يحدث خللا في كل مخططات واشنطن "الشيطانية".
إنه أسامة بن لادن نفسه، وهو الذي نفى تورطه في الهجمات، فلماذا لا يسلم نفسه لدولة عربية آو إسلامية ويطالب بمحاكمة عادلة أو على الأقل علنية كتلك التي أجريت لمحاكمة المتهمين بتفجير لوكربي، وهو في ذلك يستطيع أن يستغل المحكمة كمنبر للدفاع عن نفسه وعن العرب والمسلمين وهو يستطيع إذا كان صادقا أن يثبت كذب الولايات المتحدة ونفاق الغرب، لماذا يضع بن لادن كل العرب والمسلمين في مواجهة هذه النتائج الكارثية، كما وضعهم فيها صدام حسين حين رفض في اللحظة الأخيرة الموافقة على المبادرة الفرنسية، ودفع ودفعنا معه ثمنا غاليا.
واخيرا، هل نريد من الشعب الأميركي الذي فقد في ساعة واحدة من الضحايا والخسائر الاقتصادية ما لم يفقده الشعب الفلسطيني طلية ربع قرن من الصراع مع اسرائيل ان يقابلنا بالورود، خاصة وان كل الدلائل تشير إلى تورط البعض منا في هذه المذبحة.
قليلا من محاكمة النفس افضل كثيرا من محاولة الإنكار. والعالم كما عرفناه قبل 11 ايلول/سبتمبر تغيير وعلينا ان نغير ما بأنفسنا.