من بين النقاشات التي تطرحها الأبحاث الوراثية مسالة الحق في الاطلاع على ما توصل إليه التطور في هذا المجال والخلافات حول براءات الاختراع. فقد طلبت شركة "ميرياد-جينيتكس" الأميركية مثلا من جامعة بنسلفينيا أن توقف استخدامها لفحوصات كشف مورثتي (بي ار ايه-1 وبي ار ايه-2) اللتين تشيران إلى الاستعداد للإصابة بسرطان الثدي والمبيض، بعد أن تقدمت ببراءة اختراع حول كشف المورثتين.
وتضاف إلى ما سبق مسالة الاستنساخ. فاحد أسوأ كوابيس الأبحاث الوراثية هو أن تستغلها الحكومات لتقرر من سيحق له إنجاب الاطفال، ومن هم الأطفال الذين يتمتعون بالحق في الحياة. فبغض النظر عن حملات تحسين النسل خلال عهد النازية في ألمانيا، عرفت دول عدة مثل الولايات المتحدة مراحل من تاريخها تم خلالها تعقيم من يعانون من نقص في قواهم العقلية. ومع التقدم في الأبحاث الوراثية، سيصبح بوسع الأهل الراغبين بإنجاب "أطفال حسب الطلب" أن يقرروا إجهاض الجنين الذي لا يملك المخزون الوراثي المناسب.
كما يثير اطلاع شركات التأمين أو أرباب العمل على المعلومات الوراثية مخاوف أخرى تضاف إلى اللائحة السابقة. فهل يمكن أن يأتي يوم يصبح فيه المرء "غير مؤهل وراثيا" لتولي منصب ما؟. ويعتبر عدد من علماء الوراثة أن هذه البيانات (الاستعداد لاصابة بمرض ما…) يجب أن تظل سرية. ومن بين هؤلاء جايمس واتسون حائز جائزة نوبل في العام 1953 مع فرانسيس كريك لاكتشافهما الازدواجية الحلزونية لشريط الحمض الريبي النووي منقوص الأوكسجين (دي ان ايه) الذي يحمل الرموز الوراثية لكل فرد.
لكن الدكتور دانيال كوهين من جانسيه (فرنسا) أشار إلى ان "الجنس عامل تفرقة منذ زمن بعيد، فالنساء يعانين من التمييز عند تقديم طلبات العمل بسبب إمكان حملهن لاحقا، في حين يتعين على الرجال دفع مبالغ اكبر للتأمين الصحي، لان متوسط أعمارهم اقل".
وقال كوهين انه من المفترض التوصل إلى توافق دولي من خلال تأسيس "هيئة دولية للأخلاقيات وتبني قانون للتدخل الأخلاقي لمعاقبة الدول التي لا تحترم المبادئ التي اقرها الجميع".
واعرب باحثون آخرون على غرار الدكتور فرانسيس كولينز مدير المعهد الوطني لأبحاث خارطة المخزون الوراثي البشري ومنسق أعمال الكونسورتيوم الدولي "مشروع الجينوم البشري" عن قلقهم لعدم إدراك الناس الكامل للرهانات الأخلاقية والقانونية المحيطة بالأبحاث الوراثية واستخدام المعلومات الوراثية.
بعد فك الرموز الوراثية: علاج افضل بكلفة اقل
يشكل الكشف عن أول مسودة لخريطة المخزون الوراثي البشري رهانا اقتصاديا كبيرا في المستقبل المنظور ولا سيما في مجال صناعة الأدوية والتكنولوجيا الحيوية وعلى مستوى المجتمع بشكل عام مع خفض محتمل في كلفة العلاج الطبي.
وتقول جيليان ووليت نائبة رئيس جمعية "فارما" الأميركية لصناعة الأدوية والأبحاث في هذا المجال في تصريح لوكالة فرانس برس "على صعيد حصص السوق فان وسائل العلاج التي تم التوصل إليها بواسطة التكنولوجيا الحيوية كانت تشكل 5،0% من المبيعات في نهاية الثمانينات وباتت تشكل اليوم 6 إلى 7% منها".
ويرى وليام هزلتاين رئيس شركة ""هيومان جينوم ساينسيز" الرائدة في هذا المجال أن "الجمهور سيرى وسائل علاج جديدة في غضون ثلاث إلى أربع سنوات وبعد عشر سنوات ستصبح الشكل المسيطر للعلاجات في السوق".
ويشدد هزلتاين على أن صناعة الأدوية تستفيد منذ سنوات عدة من التقدم المحرز في مجال علم الوراثة. وباتت هذه الحركة تأخذ الان حجما متزايدا. ويقول تشارلز كريغ الناطق باسم "بايو" وهي جمعية تضم شركات التكنولوجيا الحيوية الأميركية "سيتم التعرف على المورثات بسرعة اكبر وستطور عندها وسائل العلاج بسرعة اكبر أيضا". وانتقل عدد العلاجات التي يتم تطويرها والمنبثقة من التكنولوجيا الحيوية من 81 علاجا في 1988 إلى 369 في 2000 وفق أرقام وفرتها جمعية "فرما". واوضح المصدر ذاته أن ثمة 65 علاجا تقريبا من التكنولوجيا الحيوية متوافر حاليا في الأسواق.
وتقول ناطقة باسم مجموعة "اميركان هوم برودكتس" الأميركية لصناعة الأدوية" هذه بالتأكيد إحدى أولويات شركتنا في المستقبل" موضحة أن من اصل ملياري دولار ستخصصها المجموعة هذه السنة للأبحاث والتطوير "سيذهب قسم كبير إلى التكنولوجيا الحيوية". وتختلف الآراء حول المنافع الاقتصادية التي يمكن أن يتوقعها مستخدمو هذه المنتجات.
ويرى ريتشارد برغستروم حامل شهادة الدكتوراه في الصيدلة والخبير لدى الجمعية الأميركية لخبراء الصيدلة انه "بفضل انتقائية (التقنية الوراثية) يمكن أن نحدد بشكل افضل أهداف عملية تطوير دواء ما والقيام بهذه العملية بسرعة اكبر".
ويرى مسؤولون آخرون أن التقنيات المتطورة لا تزال مكلفة. وتضيف جيليان ووليت "أننا نملك أدوات اكثر لكن هذه الأدوات تبقى باهظة الثمن".
وتكمن الإفادة الاقتصادية الفعلية من العلاجات المنبثقة عن علم الوراثة في مجال آخر. ويقول الدكتور هزلتاين "إذا تمكنا من منع ظهور مرض الزهايمر بدلا من معالجة ضحاياه فان ذلك سيوفر الكثير على مستوى المجتمع عامة".
وقد تنبه المستثمرون إلى هذا البعد. وشهدت اسهم شركات التكنولوجيا الحيوية أخيرا تحسنا وتراجعا لم يسبق لهما مثيل في الأسواق المالية وهي تقلبات تعكس حجم الآمال والشكوك التي تثيرها إمكانات النمو والتطور في هذا المجال.
وقد شهد مؤشر اسهم التكنولوجيا الحيوية في بورصة ناسداك تقدما معتدلا حتى مطلع كانون الأول. وعلى الأثر شهد ارتفاعا كبيرا جدا زاد عن 140% حتى آذار اثر سلسلة من الإعلانات بدءا بفك رموز أول كروموزوم (صبغية) بشرية.
وتراجع المؤشر منذ ذلك الحين بنسبة 40% تقريبا لكنه ينتظر أدنى مؤشر أو سبب مثل اعلان عن تتابع ترتيب المخزون الوراثي، للارتفاع مجددا—(أ.ف.ب).