عمان – نزيه أبونضال
في ثاني أيام الشعر في مهرجان جرش مساء أمس. تواصلت فعاليات برنامج الشعر في منتدى شومان الثقافي وسط حضور جماهيري دون المنتظر، إذ لم يرتفع العدد عن حفل الافتتاح أي حوالي مائة وخمسين شخصاً.
كان شعراء أمس ثلاثة هم: جميلة الماجري من تونس، وأحمد الشهاوي من مصر، وزليخة أبوريشة من الأردن، أما الشاعر الرابع خيري منصور فلم يشارك، ودون معرفة الأسباب.
جميلة الماجري
ألقت جميلة الماجري مجموعة من قصائدها ، وفق نظامي العمودي والتفعيلة، ولكن دون أن يبدو الفارق حاداً بين النظامين، إذ تدفق الشعر رائقاً وبسيطاً ينطلق من تجربة الذات ليصل إلى الهم العام، أو هو يبدأ من الواقع ليصل إلى الذات.
من بين قصائد جميلة اخترنا قصيدة "ذاكرة العشق" التي استوحتها الشاعرة من بيت شعري كتبه الشاعر الأندلسي الشهير لسان الدين بن الخطيب على شاهد قبر زوجته التي توفيت عنه وهو في غربته بمدينة كسلا المغربية التي انتقل إليها أول ما غادر غرناطة. وقد دفن تلك الزوجة في فناء بيته في كسلا وكتب على شاهد قبرها :
" مهدي لي لديك مضطجعا
فعن قريب سيكون ترحالي"
-ها إنني مهدت مجلسك الأثير
ورششت ماء الورد طي وسائدك
وفتحت صندوق المفارش
وانتقيت ملاءتين من الحرير
ونثرت زهر الفل
ما بين الغطاء ومفرشك
وتجملت مني المرايا
إذ جلوت مفاتني
شوقا لكفيك
وارتحلت لموعدك
وأضأت بيتي بالنجوم
فلا تقل : " ضاق المقام بها"
فلي في كل بيت فسحة بقصائدك
فارحل إلي ولا تقل :
" الشوق زوبعني
وليلك سيد الأوقات
كيف أشقه
والموت بعثرنا
فقد لا أهتدي ليديك
قد سرقت ضياءهما النجوم
وكانتا في عتمة الأشعار كمشكاتين
إن غسقت إليك مسالكي
فألمس تجدني قيد كفك ملمسا وأصابعك
واضمم خيالي في الكرى وأفق
تجد شعري تناثر
بيني صدرك في المنام ومعصمك
وانشق هواء كسلا
تجد عطري به
واتسع يجيء صوتي
سدى للنبض في مجرى دمك
واهتف باسمي تستضيء بي
للقوافي في الغياب مسالكك
فأدخل قصيدتك التي استعصت عليك
للعشق متسع بها
ومنازل العشاق هذا الليل برج الثور
فلتنزل منازلك الأمينة
لا تقل : " أربكتني"
ها إنني أعددت خمرتك الأثيرة
واشرقت من الليالي غفلة
وبسطت مجلسنا القديم
فلا تكن ضيعت آداب الشراب
ولا تقل :
" ضيعت في الأحزان ذاكرة الهوى
إني .. أنا في العشق ذاكرتك"!
أحمد الشهاوي
الشاعر المصري أحمد الشهاوي يشارك في مهرجان جرش الشعري وهو يحمل تجربة شعرية عميقة وخاصة حاول من خلالها إيجاد قصيدته وصوته مما أكد حضوره في العديد من المنتديات، وبما حصل عليه من جوائز تقديرية لعل أهمها جائزة كفافيس للشعر.
اختار الشهاوي أن يبتعد عن دواوينه الشعرية السابقة، وقدم مجموعة من القصائد من ديوان، قيد الطبع، وهو بعنوان "لسان النار"،ونحن بدورنا اخترنا قصيدة "قالت"
قالت : أقمتني فيَّ
فتداخلت صورٌ
وغاب الشكل في الشكل
منحتُني
لاصابعَ نجمتٍ
مدت نورها
الى صرّتي
فصرت صوت حروفك الأخرى
منفاك الأليف
ناراُ لإنضاج العجين
عيناً في مراياها تلثم الصور
أوراقا لميلاد الكتابة
بحراً لغمامك الأول
وقتاً لنفسك
حين تخنقها الثوان
الإله لا تغافله الطيور وترتقي حجبى
تعال
تجدْني
بحراً قعره الأزل
وساحلها الأبد
زليخة أبوريشة
من بريطانيا حيث تقيم هناك وتدرس وتكتب جاءت زليخة أبو ريشة وهي تحمل تمردها وبحثها المضني عن لغة جديدة خارج زمن الذكورة.
قدمت زليخة في الأمسية تجربتين:
الأولى: مختارات من قصار القصائد، وهي تلك التي تعتمد على التقاط اللحظة المفارقة وتعبر عنها بالتماعات مدهشة.والثانية: محاولة نحت لغة التراث وعوالمه ومقدساته تطلقه في وجه السيد الآمر وفق إيقاع ينتظم مع نبض قلب يتوجع، أو ربما باستغاثات جسد يفور بالتمرد.
نختار من قصائد زليخة بعض قصارها:
دنيوي:
أيها الدنيوي
الساعي في حقل المعرفة
لا تدس عشب الوجدان.
مولد:
مرحبا أيها المولد
لقد نضجت حبات العنب
وتلكأت الهاجرة.
فامسح بكفك الطيبة
جبيني
حتى يعذرني الرب
لقد سجلت في الوجع أكثر مما
يريد.
نخلة :
اشتهيت حبة تمر
في عذقها العالي
عندما مررت بها وحدي
في عصر صائف
انحنت النخلة وقالت :
اصعدي.
أمي :
لها عينان كالفضاء
وفم كحبة الفستق
وبشرة كحليب غزالة ولود
أمي المرأة الجميلة
تلهو بسنارتها كل يوم
لتحيك لي شرشفا لسريري
سريري الذي
طار
عين:
"العين سراج الجسد"
- قال السيد -
وعندما سقطت قشة فيها
لم يعد في الإطار وجه من أحب
فأيقنت أنني
انطفأت.
جلبة :
لا تقلق للجلبة التي على الدرج
تلك كانت صوت قلبي المتدحرج
..
إثر
رحيلك..
صمت :
ولا تقلق للصمت في هذه الناحية
ذلك صوت الموت..
موتي أو موتك..
لا فرق !!
نخب :
سقط المطر.
ملأ الحديقة
والبيت
وغرفة النوم
ثم خرج من الباب
وركب سيارة
وعندما غاب عن عيوني
طقطق حلقي بالعطش
فرفعت كوب ماء، وقلت:
نـ… خـ…بـ…هـه!