نص المقال : استيقظت ( أم محمد ) كعادتها باكرا قبل الجميع ، ملأت ( موتور ) الكهرباء بما تبقى لديها من ( السولار ) ، ثم اتجهت إلى المطبخ ، جهزت وجبة الإفطار لزوجها ، وأعدت ( ساندويتشات ) المدارس لأبنائها كلٌّ حسب ذوقه وشهيته ، ثم أزاحت الستائر لتسفر عن ضوء صباح يوم جديد ، بدأت بإيقاظ أبنائها على تراتيل إذاعة القرآن الكريم ، حضنت ابنتها الصغرى بدفء واقتادتها للحمام ، جلبت الإفطار أمام زوجها ، ثم بدأت تتفقد لوازم البيت لتذكّره بها ، في هذه الأثناء أخذت تشرف بنفسها على ترتيب كتب الأبناء في حقائبهم ، قبّلتهم وانطلقوا إلى مدارسهم ولسانها لا ينفك عن الدعاء لهم بالحفظ والسلامة والنجاح ، لتعود وتطوي فراشهم قبل أن يدركها وقت ذهابها إلى العمل ..
ذهبت تتفقد ( أبا محمد ) عله يحتاج إلى شيء ، فوجدته يتناول إفطاره بصمتٍ ويرقبها بنظراته ..
هذه الطقوس المكوكية التي تقوم بها الزوجة في الساعات الأولى من الصباح ليستقبل الجميع يومهم بنشاط وهمة وسعادة ، تؤكد أنها محور البيت ورقمه الصعب الذي لا بديل له ولا غنى عنه ، وإلا سيصاب البيت بمن فيه وما فيه بشللٍ تام ..
أذكر يوم كنا أطفالا نعود من مدارسنا وقد تأخر نضوج الطعام قليلا ، فنبدأ بالضجر والتأفف في الوقت الذي يُخيّم فيه الاضطراب على الوالدة ( رحمها الله ) ، وتبذل قصارى جهدها لتقدم لنا الطعام بأسرع ما يمكن ، كانت تلهث وكلماتها تترد على مسامعنا ولا أنساها مهما بلغتُ من الكِبر عِتيا : ( والله يا بُنيّ لو كان الأكل في قلبي لنضج من زمان ) ..
إنه تعبير رقيق ، غاية في البلاغة عما تحمله لنا أمهاتنا من حب ورحمة وحنان ، يهون في سبيله كل تعب ونصب ، حين تلمح على وجوهنا علامات الرضا أو ابتسامة السعادة ..
إن أقصى ما تنتظره المرأة مقابل هذا وذاك لفتة شكر ، أو لمسة تقدير ، أو تعبير صدق ، أو حتى كلمة وفاء تسمعها من زوجها ، لتدبّ فيها الحياة من جديد ، وتبعث فيها روح البذل واستمرارية العطاء .
أستغرب من أزواج يتصيدون الأخطاء ، ويُسجّلون المواقف ، ويتناسون جميل صنعها ، وعظيم بذلها ، فيبالغون في الخصام ، ويتنكّرون للعِشرة الجميلة ، ويختمونها ( بضفّاعي ) على رأي المثل اليمني ، ( حيث جرت العادة في اليمن قديما أن يخزّنوا عسل السِّدر وهو أجود أنواع العسل في العالم في قوارير، وعندما لا يجدوا ما يقفلون به هذه القوارير ، يختمونها بروث البهائم ) .
تقدمت ( أم محمد ) من زوجها مستغربة من نظراته لها ، جلست تشاركه الفطور ، ومع أول لقمة تغيّر لونها ، وتبدلت ملامحها ، لقد نسيت في زحمة الأعمال أن تضيف الملح إلى الفول ، وأن تضع السكر في الشاي ..
قالت له معاتبةً : ( الله يسامحك يا أبا محمد ، لماذا قبلتَ الأكل بلا ملحٍ أو سُكر ؟! )
ردّ عليها : ( يا أم محمد ، لطالما أكلنا من يديكِ الحلو ، أفلا نصبر على المرّ منكِ مرة واحدة ؟! )