عمان – اياد خليفة وبسام العنتري
تدخل الانتفاضة الفلسطينية عامها الثاني وسط تطورات داخلية وخارجية فرضت بعض المتغيرات على مسيرتها.
وفيما انشغل المراقبون والمحللون السياسيون في إجراء جردة حساب لمكاسب وخسائر الانتفاضة التي انطلقت شرارتها الأولى مع زيارة شارون للحرم القدسي يوم 28 أيلول/ سبتمبر الماضي فقد بدأت أصوات بالمناداة بضرورة تغيير آلية عملها لتصبح "أقل عنفاً"، وذهبت أصوات أخرى للمطالبة بوقفها في حال لم "تصحح" مسارها وذلك تحت دعوى وضع حد لخسائرها "الكارثية".
وبرغم أن القياديين والمحللين السياسيين الذين تحدثوا لـ "البوابة" اعترفوا بالخسائر الكبيرة التي تكبدها الشعب الفلسطيني، إلا أنهم أجمعوا على أنها تأتي من باب الثمن الذي يدفعه أي شعب يريد أن يتحرر ويكون له كيانه السيادي المستقل.
ولفت هؤلاء إلى أن إسرائيل أيضا منيت بخسائر كبيرة جراء الانتفاضة، سواء على الأصعدة السياسية أم العسكرية والأمنية، وأدرجوا هذه الخسائر ضمن الإنجازات التي تحققت بفعل الانتفاضة، ووضعوها إلى جانب إنجازات أخرى أبرزها دفع القضية الفلسطينية إلى الواجهة الدولية، وإيصال رسالة للعالم وللجمهور الإسرائيلي عنوانها أن السلام والأمن لا يجتمعان مع الاحتلال.
ورأت الشخصيات التي استطلعت "البوابة" آراءهم أن الانتفاضة عندما اندلعت، كانت الخيار الوحيد والذي لا بد منه نظراً للظروف التي واكبتها وبخاصة المأزق الذي وصلت إليه العملية التفاوضية مع الجانب الإسرائيلي، ولكنهم الآن باتوا يرون ضرورة أن يكتسي برنامجها الموحد الذي افتقدته على مدار عامها الأول، إلى جانب أن بعضهم أبدى قناعته بوجوب تغيير لغة خطابها العملي في ظل الظروف والتحولات العالمية خاصة بعد الهجمات على نيويورك وواشنطن.
البرغوثي: أوصلت الرسالة
وبثقة بادية، يؤكد أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية مروان البرغوثي أن "الانتفاضة أنجزت في سنتها الأولى ما لم تنجزه ربما عقود من النضال الفلسطيني".
وفي مقدمة هذه المنجزات بحسب البرغوثي أن "الانتفاضة أثبتت قدرة الشعب الفلسطيني على النضال والتحمل، وإن لديه مخزوناُ وطاقة لا تنضب".
ويرى البرغوثي أن هناك رسالتين تمكنت الانتفاضة من إيصالهما على أكمل وجه، ويقول: "الرسالة الأولى كانت للعالم بأسره، وحملت مضموناً يؤكد بأن المشروع الذي طرح في "كامب ديفيد" ليس مقبولاً، لأنه مشروع أراد تصفية قضية اللاجئين، وتصفية السيادة على القدس وكذلك تصفية مشروع إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة".
وهذه الرسالة، مثلت كما يشير أمين سر فتح في الضفة الغربية، البعد السياسي للانتفاضة" وهي قد وصلت".
أما الرسالة الثانية، فقد كانت موجهة "للجمهور الإسرائيلي" وحملت مضموناً أكد أن هذا الجمهور "لن يعيش بأمن وسلام ما دام الاحتلال جاثماً على الأرض الفلسطينية"، على حد تعبير البرغوثي الذي لفت إلى أن "إسرائيل تكبدت خسائر لم تشهدها من قبل، سواء في حروبها مع الدول العربية، أو في مواجهاتها مع الفلسطينيين والتي امتدت منذ النكبة وحتى الآن".
وأضاف "إن جميع هذه الحروب والمواجهات لم تستطع أن تهز أركان الاستيطان كما فعلت الانتفاضة التي أجبرت نحو 26% من المستوطنين على المغادرة، ومن بقي منهم لم يعد يستخدم الطرق الالتفافية، وتحولت حياته إلى جحيم.
وفي إزاء كل هذا ، يعترف البرغوثي أن هناك ثمناً دفعه الشعب الفلسطيني وتمثل في "مئات الشهداء وآلاف الجرحى، ودمار البيوت، وفقدان الرزق لعشرات العمال والأسر".
ولكنه يستدرك بالتأكيد على "إن الشعب الفلسطيني مستعد لدفع الثمن في مقابل حريته واستقلاله، واسترجاع سيادته على مدينة القدس".
الشقاقي: استمرار الانتفاضة خطأ
وعلى نحو مغاير، يعرب المحلل الفلسطيني الدكتور خليل الشقاقي عن قناعته بأنه كان يجب وقف الانتفاضة في أسابيعها الأولى.
ويبرر لهذه القناعة بالقول: في اعتقادي أن الانتفاضة حققت الكثير من الإنجازات في أسابيعها الأولى، وكان يجب وقفها عند ذلك الحد".
ويضيف "باعتقادي أن القيادة الفلسطينية ارتكبت خطأ عندما سمحت لها بالاستمرار بعد تحقيقها أهدافها المرجوة في تلك البدايات".
واليوم ، وبعد مرور عام على الانتفاضة، ومع تغير الأوضاع والأولويات العالمية بفعل "الهجمات الإرهابية" ضد الولايات المتحدة والحرب المعلنة ضد الإرهاب، فإن الدكتور الشقاقي يؤكد بأنه "أصبح لزاماً على الطرف الفلسطيني أن يوقف الانتفاضة أو أن يجد حلولاً للتحديات التي واجهتها خلال عامها الأول"، والتي ستواجهها بفعل الأوضاع الجديدة في العالم.
وفي رؤيته لهذه التحديات، فإنه يورد في المقدمة ما يصفه بـ "غياب الهدف" المحدد من الانتفاضة، ويقول: "القيادة الفلسطينية لم تضع هدفاً على الطاولة للحوار والنقاش حوله مع بقية الفصائل الفلسطينية"، وبالتالي أصبحت هناك أهداف متعددة بتعدد الفصائل.
ويضيف: "أصبحت هناك فصائل تريد الانتفاضة للأقصى، وأخرى لإنهاء الاحتلال وغيرها لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر.. ومشكلة التعدد في الأهداف تحد يجب وضع حل له إذا أريد للانتفاضة الاستمرار والنجاح.
ومن التحديات أيضاً بحسب الدكتور الشقاقي "توفير الخدمات للشعب الفلسطيني الذي يعاني الأمرين نتيجة الممارسات الإسرائيلية، والسلطة فشلت حتى اليوم في مهمة تقديم هذه الخدمات برغم أن لديها مؤسسات وموظفين يتقاضون المرتبات".
إلى ذلك يجمل المحلل الفلسطيني الذي يرأس معهداً لاستطلاعات الرأي الأسباب لتي كانت توجب من وجهة نظره وقف الانتفاضة في أسابيعها الأولى ويقول: "إن القيادة الفلسطينية أرادت من الانتفاضة أن تؤثر في المفاوضات، وهذا تحقق في تلك الأسابيع".
ويتابع موضحاً: "كانت المفاوضات قبل الانتفاضة قد وصلت إلى مأزق حقيقي، واعتقد الإسرائيليون أن بإمكانهم أن يرهنوا التقدم في العملية السلمية بتنازل الطرف الفلسطيني في المفاوضات النهائية، أو إبقاؤه على ما هو عليه، ولكن الانتفاضة أكدت أن ذلك الواقع لا يمكن أن يستمر، ويجب إيجاد مخرج له".
ويعلق الدكتور الشقاقي على هذا المفصل بالإعراب عن اعتقاده "أن هدف الانتفاضة لم يكن إنهاء الاحتلال بضربة واحدة، وإنما إنهاؤه عن طريق تعزيز الموقف التفاوضي الفلسطيني، وهذا الموقف جرى تعزيزه في الأسابيع الأولى، ولكن القيادة الفلسطينية تتحمل جزءاً كبيراً من اللوم لعدم تحركها لوقف الانتفاضة" عندما تحقق هذا الهدف وأصبح موقفها في المفاوضات قوياً.
إلى هنا، ويورد الدكتور الشقاقي موجباً آخر لوقف الانتفاضة في بداياتها من وجهة نظره، ويتمثل ذلك في أن "الانتفاضة أثبتت للعالم أن الاحتلال لا يزال قائماً" ودحضت الدعايات الإسرائيلية التي حاولت إظهار الاحتلال كما لو أنه انتهى مع البدء في المفاوضات السلمية، وأن ذلك، فتح الأبواب أمام الدولة العبرية للخروج من العزلة التي ضربتها عليها الدول العربية والإسلامية، وأن هذه الدول بدأت تقيم علاقات طبيعية معها".
ويضيف: "وفي الأسابيع الأولى من الانتفاضة، أتضح لإسرائيل أن العالم أدرك أن احتلالها لا يزال قائماً، وأن علاقتها بالدول العربية والإسلامية مرهونة بموقفها من القضية الفلسطينية وبإنهاء الاحتلال"، وكان هذا إنجازاً للانتفاضة تحقق في بدايات انطلاقتها، وكان "يجب وقفها" عندما أصبح في المتناول.
وعلى الإجمال، فإن المحلل الفلسطيني الذي أثارت آراؤه هذه جدلاً حاداً، يؤكد على ضرورة أن يكون الحكم على الانتفاضة متوازناً ويقول " المسألة ليست (أبيض وأسود).. وبالتأكيد فإن الكأس ليست كلها فارغة، فهناك إنجازات لا يمكن إنكارها، واستمرار الانتفاضة في حال تمكنها من إيجاد حلول للتحديات سيعمق من هذه الإنجازات".
مدلل: غياب البرنامج عيب في القيادة
من ناحيته، يستهل الكاتب السياسي البارز سعدي مدلل تقييمه لنتائج الانتفاضة بالتأكيد على أنها أثبتت على مدار العام الأول من عمرها أنها "الخيار الوحيد للشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال".
لكن مدلل يعرب في السياق عن الاعتقاد بأن الجدل الذي سيظل قائماً يتمحور حول سؤال "أي شكل من الانتفاضة نريد؟" ويقول "برأيي إنه يلائمنا جداً الانتفاضة الهادئة والتي لا تعتمد العنف أساسا خاصة في ظل الثورة الدولية ضد ما تسمية أميركا الإرهاب".
ويبين مقصده بالقول "نحن الآن معنيون بانتفاضة محسوبة جيداً، وتركز على الأنشطة الاحتجاجية وعلى التظاهر.. والعصيان المدني.. والمهم أن تتواصل، وفي تقديري أن الانتفاضة المسلحة تضعنا في مرمى شارون بشكل يلائمه، فهو قادر على إيذائنا بما يملكه من أدوات قتال.. ولكننا أقدر على إيذاء الاحتلال ومواجهته إذا كنا ندير انتفاضة محسوبة توصلنا إلى حقوقنا.."
ولا يخفي مدلل أن دعوته هذه تأتي في ظل الظروف الدولية الراهنة. ويقول في الصدد "إن هذه الدعوة مطلوبة على المطلق، ولكنها مطلوبة الآن بدرجة أكبر، فهناك حملة عالمية ضد ما تسمية أميركا الإرهاب أو من السهل على أميركا وإسرائيل والعالم الغربي أن يدينونا بهذه التهم، نحن نريد تبرئة انتفاضتنا الوطنية من تهم من هذا النوع.."
إلى ذلك، عاب مدلل على القيادة الفلسطينية عدم وضعها برنامجاً للانتفاضة، وكان بذلك يرد على أحد المآخذ التي سجلها مراقبون على الانتفاضة في عامها الأول، وتمحور حول وصفها بأنها انتفاضة بلا برنامج.
وقال: "الانتفاضة ليست هدفاً بحد ذاتها، بل أداة يجري تشغيلها وتفعيلها ضمن برنامج سياسي.. وباعتقادي أن البرنامج السياسي المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية والذي يتحدث عن تحرير غزة والضفة الغربية لتكون أراضي الدولة الموعودة، يمكن إحياؤه الآن، وهو لا يزال صالحاً في تقديري، ولا تزال الانتفاضة قادرة على أن تكون أداة سياسية ملائمة جداً لخدمة هذا البرنامج".
الزهار النتائج لا تقاس بحجم التضحيات
بدوره، أكد الناطق الرسمي باسم حركة "حماس" في غزة الدكتور محمود الزهار أن النتائج لا يمكن قياسها بمعيار التضحيات، وقال معقباً على وجهة نظر الدكتور خليل الشقاقي التي وصف فيها نتائج الانتفاضة بأنها كارثية.. "لو استعرضنا حجم الخسائر التي يتكبدها شعب حتى يتخلص من الاحتلال لوصفناها كما يصفها الشقاقي بأنها كارثية، فمثلا: تحررت الجزائر من فرنسا، وسجل التاريخ الجزائري مليون شهيد، فإذا نظرنا للأمور بمنطق الشقاقي فإن الوضع يصبح كارثياً على الشعب الجزائري لأنه قدم هذه التضحيات".
وأضاف: "المقاييس ليست بهذا المعيار، معيار الحرية وتحرير الأرض والإنسان والمقدسات أشياء لا تقدر بثمن، ولو كانت تقدر بثمن لما تقدم شخص واحد ليضحي بنفسه من أجلها.
وبرأي الدكتور الزهار، فإن الانتفاضة حققت العديد من الإنجازات "أبرزها أن الشعب الفلسطيني قد توحد بعدما عاش خلال السنوات التي أعقبت العام 1994 في بؤرة الخوف من الصراع الداخلي بسبب اختلاف الرؤى حول مقاومة الاحتلال، كما أن الفلسطينيين تمكنوا من إقناع العالم العربي أنه على استعداد، ومهما كان حجم المعاناة.. أن يضحي من أجل الحفاظ على قضية العرب والمسلمين الأولى".
وأضاف: " وعربياً.. تراجعت الكثير من السلبيات التي كانت قائمة، فسابقاً لم تكن هناك أية إمكانية لالتقاء عربي عربي وقد حدث الالتقاء بفعل الانتفاضة، وكذلك تراجع الذين تصهينوا وتأسرلوا فكرياً، ولم يعد أحد منهم قادراً على مواجهة الإعلام أو أي مواطن عربي ينادي بإنقاذ الشعب الفلسطيني والثأر لشهدائه".
وفي صعيد متصل، اتفق القيادي البارز في "حماس" مع الرأي القائل بأن الانتفاضة لم يجر استثمارها بشكل جيد لتحقيق مكتسبات فلسطينية، وحمل بدوره المسؤولية عن غياب هذا الاستثمار لقيادة السلطة.
ورداً على الدعوة التي أطلقها الكاتب السياسي سعدي مدلل لانتفاضة هادئة أو لا عنفية، تجنباً للخسائر فقد لفت الدكتور الزهار إلى أن الخسائر التي تكبدها الشعب الفلسطيني لم تذهب في مواجهات عنفية، وأردف..: "إذا أخذنا حجم الخسائر العسكرية، فنحن الفائزون، فمثلاً عمليات سعيد الحوتري ومحمود مرمش وعز الدين المصري ذهبت بخمسين قتيلاً إسرائيلياً وأكثر من 300 جريح.. أما نحن فقدنا ثلاثة أشخاص فقط.. إذًا في مجموع
المقاومة العسكرية نحن المتفوقون"
دخل الله: الانتفاضة ليست نزهة
أعرب رئيس تحرير يومية "البعث" السورية مهدي دخل الله عن اعتقاده بأن الانتفاضة قد تمكنت خلال عامها الأول من تحقيق مكاسب لا يمكن التقليل من شأنها سواء للشعب الفلسطيني أو لقضيته.
وقال "إن الشعب الفلسطيني قد غدا اليوم، وبفضل الانتفاضة معادلاً مهماً على الساحة الدولية"، وأضاف "وحتى الولايات المتحدة أجبرت بفعل الانتفاضة على الاعتراف بأن الشعب الفلسطيني معادل لإسرائيل، وأصبحنا نسمعها ترد في لغة خطابها السياسي لدى حديثها عن القضية الفلسطينية مصطلحات من قبل (الطرفين) و (الجانبين)".
وشدد دخل الله في هذا السياق على "أن ما يسمى بالحوار والذي كان قائماً قبل الانتفاضة، لم يكن بمقدوره مهما طال أن يحرز للفلسطينيين مثل هذه المنجزات".
إلى ذلك، فإن رئيس تحرير "البعث" الناطقة باسم الحزب الحاكم في سوريا، يعترف أن هناك في مقابل مكاسب، نتائج سلبية انعكست بالضرورة على الوضع المعيشي للفلسطينيين.
ولكنه يقول "إن هذه النتائج ليست سوى إحدى المفرزات الطبيعية للانتفاضة" ثم يعقد مقارنة بين ما يشهده الوضع المعيشي للفلسطينيين حالياً وبين ما عايشه الشعبان الجزائري والفييتنامي خلال نضالهما للتحرر ويؤكد أنهما "لم يكونا أفضل حالاً".
ويضيف: "يجب أن نضع في الاعتبارات أن الوصول للحقوق له ثمن ينبغي دفعه، والانتفاضة ليست نزهة في بستان أو في حقل، بل هي نضال له ثمن، ومن هذا الثمن الوضع المأساوي الصعب الذي سينعكس بالضرورة على الشعب الذي اختار أن يكافح من أجل حقوقه".
وفي المحصلة يقول دخل الله "إن الشعب الفلسطيني وجد طريقه الصحيح عندما اختار الانتفاضة، وهو وإن كان يمر بأزمة حالياُ، إلا أن الأزمة التي وضع إسرائيل فيها أكبر بكثير.. والأمر هنا نسبي". —(البوابة)