قديما كان يقال، في معرض التفريق بين ما يراه المواطن العادي وما يراه صانع القرار، ان "روما من تحت شجرة السنديان هي غير روما من نافذة الفاتيكان".
النسخة العصرية لهذا القول هي ان "العالم كما يراه العالم هو غير العالم كما تراه الولايات المتحدة".
والرئيس جورج بوش، الذي عاد من أول وأهم جولة خارجية له في اوروبا حيث اجتمع مع زعمائها طوال اسبوع، قال: "ببساطة، اختلفنا". هكذا بكل بساطة.
ببساطة، كان بوش، خلال مؤتمره الصحافي الاخير في اوروبا، قد فند كل الاسئلة الجدية للصحافيين والقائمة على معطيات علمية، عن الدرع الصاروخية التي ينوي نشرها في الفضاء فوق الولايات المتحدة، وعن انسحابه من معاهدة كيوتو الخاصة بتسخين الفضاء الخارجي... معطيا انطباعا مؤكدا ان وزن العلوم والعلماء ليس في نظر البيت الابيض اهم من وزن رابطة لاعبي البيسبول.
الزعماء الاوروبيون، وقبلهم، منذ تولي الرئيس بوش الرئاسة، زعماء بلدان الشرق الاوسط، يقفون مشدوهين، حائرين في طريقة تفسير السياسة الخارجية للولايات المتحدة. ولكن على هؤلاء واولئك ان يتعلموا، من جديد، كيف تلعب الديبلوماسية على الطريقة الاميركية.
ويمكن كتاب هنري كيسينجر، الذي صدر أخيراً، ان يفسر لزعماء العالم الكثير من معطيات الديبلوماسية الاميركية الجديدة ومنطلقاتها. عنوان الكتاب: "هل تحتاج اميركا الى سياسة خارجية؟" وعنوانه الفرعي: "نحو ديبلوماسية للقرن الحادي والعشرين". وهو كتاب "قصير" نسبيا مقارنة بالكتب السابقة لوزير الخارجية الاميركي السابق، اذ يقع في 318 صفحة، في حين ان آخر كتبه "ديبلوماسية" الذي صدر عام 1994 كان في 918 صفحة.
كيسينجر لا يزال الآن وهو في الثامنة والسبعين، يحظى بمتابعة خاصة عندما يكتب مقالات، بين الحين والآخر، في الصحف الاميركية الكبرى، وهو ولا شك، باستثناء جيمس بايكر، اجدر وزير للخارجية عرفته الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، مع اخذ مزاياه وعيوبه في الاعتبار.
وما يجعل كيسينجر ذا موضوع الآن وبعد مرور اكثر من ربع قرن على خروجه من العمل الرسمي العام، هو انه، عندما يكتب او يحاضر، ينظر في تحليلاته الى الدول الخارجية بمنظار جغرافي ثم تاريخي، يمكن السطح فيها ان يتغير مع تغير زعمائها او ايديولوجياتها، لكن هذه الدول لا تتغير.
ويعرض كيسينجر النمط العصري لقيادة العالم، في فصول كتابه: اميركا في القمة: امبراطورية ام قائد، اميركا واوروبا: عالم الديموقراطيات الاول، اميركا ونصف الكرة الغربي في عالم الديموقراطيات الثاني، آسيا: عالم التوازن، الشرق الاوسط وافريقيا: عوالم في حال تغير، سياسات العولمة ثم السلام والعدل.
واهمية الكتاب ليست في عنوانه، او عناوين الفصول الداخلية التي يعالجها بنظرة جديدة وجريئة كليا، تنطبق على التغيرات، او الزلازل السياسية التي حصلت في العالم منذ نهاية الحرب الباردة. فهو اخذ في كل فصل دولا معينة وركز على ملامح شخصيتها او مصالحها، مقترحا ديبلوماسية على واشنطن ان تأخذ بها، للتأكد من عدم بروز اية قوة محلية او اقليمية يمكن ان تضم آخرين اليها ضد الولايات المتحدة.
كان يصعب علي كلبناني، ان أقرأ كتاب كيسينجر من صفحته الاولى، من غير ان أذهب الى فهرسه، لأرى ما اذا كان لبنان مذكورا فيه. نعم! مرة واحدة عندما يقول: "(...) توصل زعماء عرب الى يقين ان اسرائيل، وان تكن عملاقا من الناحية العسكرية، بدأت بالتفكك سياسيا. ومهما كان الرأي ايجابيا في مفهوم انسحاب اسرائيل من لبنان في صيف عام ،2000 فان النمط المفاجئ للانسحاب، والتخلي عن الوف اللبنانيين الذين عملوا لاسرائيل، يوحي بالذعر لا بالهدف الذي قصد منه. وأكد هذا فيضان التنازلات التي ظن ايهود باراك انه سيحيي بها وضع مفاوضاته (مع الفلسطينيين)".
وسواء أكان القارئ عربيا ام اوروبيا أم من العالم الثالث، فان كتاب كيسينجر قاس، لكنه، للتعزية، بقسوة كتاب "الامير" لماكيافيللي الذي يأخذ به زعماء العالم، لكنهم ينفون ذلك.
ويسدي الكتاب نصائح قيمة جدا، يمكن الرئيس الاميركي ان يأخذ بها، لكن الفكر السائد في واشنطن السياسية الان يتمثل من مقولة: ما دمنا أقوياء الى هذا الحد، فنحن لسنا في حاجة الى سياسة خارجية. او لنقل للعالم ابق كما انت. لكننا، هنا في الولايات المتحدة، نرى الامور على طريقتنا. وهذا الفكر يشبه ما كان موجودا في الثلاثينات من القرن الماضي، عندما صدرت كتب تقول ان الولايات المتحدة هي إله، وان لها جميع صفات الالوهة: القوة، العدالة، الانصاف، القدرة...
لكن كتاب كيسينجر مخالف بالطبع، فهو يرى ان التخلص من أمراض النظام العالمي ليس في مزيد من الهيمنة الاميركية عليه، ولا في فرض الحلول على المناطق الساخنة في العالم من طريق التأكيد ان الحل الاميركي المعروض هو الافضل والاوحد.
ومع ان كيسينجر يسدي نصائح ويقترح توصيات، فان الواقع ايضا هو ان الدول الخارجية، وان تكن تعتبر نفسها "ضحية" للهيمنة الاميركية، ساهمت في هذا الوضع، وكم هو عدد المرات التي سأل صحافيون وفودا رسمية عربية جاءت الى واشنطن في مهمة معينة: ماذا تحملون الى الجانب الاميركي؟ ويكون الجواب: أبدا، نحن هنا لنرى ماذا سيقول لنا الاميركيون!.
طبعا لدى الرسميين العرب، بعض المطالب السياسية، لان المصالح الاقتصادية للعالم العربي شبه معدومة في الولايات المتحدة، وموقفهم يشبه، مثلا، موقف بلد كبير وقوي مثل الصين، التي تراجعت بسرعة لا تصدق عن موقفها من طائرة التجسس الاميركية قبل أسابيع، لانها وجدت انها ليست في وضع يتيح لها المخاطرة بدخولها منظمة التجارة الدولية، ولا برغبتها في استضافة الالعاب الاولمبية، ولا بوجود نحو 60 الفا من طلابها يتابعون دراستهم العليا في الجامعات الاميركية.
وفي موضوع نزاع الشرق الاوسط، يقو كيسينجر، في كتابه ان "حجم الانفعال فيه يشبه ما كان سائدا في اوروبا في القرن السابع عشر، حيث النزاع يمزق المنطقة بسبب الدين والايديولوجيات الاخرى". ويشير الى ان الولايات المتحدة خصصت الكثير من جهودها الديبلوماسية لازالة التوتر بين العرب واسرائيل، لكن بروز دولة اصولية في ايران وصعود التيارات السياسية الاسلامية يشكلان "خطرا مباشرا على الامن والرفاهية الاميركية، وربما كانا في المدى الابعد الخطر الاكبر".
ويرى كيسينجر في كتابه ان اتفاق السلام بين الاردن واسرائيل هو أكثر الاتفاقات المشابهة التي عقدتها اسرائيل مع دولة عربية "تطبيعا"، والسبب "ان للبلدين مصلحة مشتركة في الحيلولة دون ظهور كيان الدولة الفلسطينية بعد اتفاق اوسلو عام ،1993 كتهديد لوجود الاردن".
ونادرا ما يتحدث الكتاب عن امور سياسية خاصة بزعماء العالم، لكنه يشير مثلا الى ان اسحق رابين، قبل اغتياله بفترة قصيرة وعندما هنأه وزير خارجية اوستراليا غارث ايفانز لأنه "اعتنق" السلام، اجابه: "لم اعتنقه، انني ملتزم له".
ويورد كيسينجر تفاصيل كثيرة تتعلق بمبادرات السلام الاميركية في الشرق الاوسط ويقول ان اسرائيل، بعد توقيعها معاهدة السلام مع مصر، كانت تريد اعادة الجولان الى سوريا في اتفاق مشابه، الا ان هذا الامر "فشل لأن الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد كان يريد اولا تمهيد الطريق لخلافته، ولأن سوريا استمرت في اعتبار نفسها الناطق باسم العرب، وتاليا باسم الفلسطينيين والقومية. ومنذ وفاة الاسد، يعتبر ابنه بشار الذي خلفه في المنصب، توطيد الوضع الداخلي اكثر اهمية من التفاوض مع اسرائيل".
لم يخرج اي زعيم، عمليا، من صفحات كتاب كيسينجر من دون جروح، بمن في ذلك المسؤولون الاميركيون الكبار، ويقول هنري كيسينجر في كتابه الجديد انه سأل ياسر عرفات عندما التقاه في باريس عام ،1994 لماذا يرى ان على الاسرائيليين ان يثقوا به، فأجابه عرفات: "لأن السعوديين قطعوا عنا المساعدات، ولأن الاردنيين يحاولون اضعافنا، ولأن السوريين يريدون السيطرة علينا".
وعن المرحلة الراهنة في النزاع الفلسطيني - الاسرائيلي يقول كيسينجر: "عندما تكون الظروف مناسبة، فان نتيجة الديبلوماسية هي الا يحصل اي طرف على كل ما يريد، وان ما حصل عليه لم يكن ليحدث لولا الدور الاميركي"—(البوابة)
* عن النهار اللبنانية.