نبيل الملحم
قد تكون الأخطر، وقد تكون الأهم، وقد تبقى لعبة كما بقية الألعاب في المنطقة، فرجال السياسة يلعبون، والدول تلعب، والشعوب تلعب، ولولا اللعب وطاقته السحرية، لما طرح هنري كيسنجر استراتيجيا التسالي وهي استراتيجيا ينفق عليها ما يفوق الإنفاق على الدواء.
نسميها اللعبة، فلا شيء في المنطقة قابل حتى اللحظة ليأخذ صيغته النهائية، على الأقل على مستوى عملية التسوية السياسية، فالمسار الفلسطيني – الإسرائيلي، يصطدم بالورقة الأميركية لا لأن الورقة الأميركية مرفوضة لثغرات أبرزها موضوع اللاجئين فيما يتعلق بالمفاوض الفلسطيني، وليس لأن ايهود باراك يتشدد فيما تبسط به قبل وقت ليس بالطويل، ولا لأن المتطرفين اليهود سيرفضون المرونة العمالية، ولا لأن المتطرفين الفلسطينيين سيرفضون التنازلات الرسمية للسلطة الفلسطينية، ولا لكل ذلك مجتمعا، بل لأن أهلية التوقيع والتقرير مسحوبة من الجميع طالما الرئيس بيل كلينتون ضيف في الرئاسة، والرئيس ايهود باراك راقصا فوق أرجوحة الاحتمالات، كذلك لأن الرئيس الفلسطيني كما الرؤساء العرب الآخرين سيتأرجحون على إيقاعات الحالة الإسرائيلية ومن سيحملها مستقبلا، كما سيتأرجحون على إيقاعات الحالة الأميركية، وما الذي سيحمله حاملها (ونعني جورج بوش بطبيعة الحال)، وإذا كان ما سبق صحيحا أو قابلا ليكون كذلك، فان ما يحدث ما بين كامب ديفيد وواشنطن والقاهرة ، لا يزيد عن كونه لعبة في الوقت الضائع ، قد تكون اللعبة المسلية وقد تكون الخطرة ولكل من اللاعبين شأن يتعلق به لا بموضوع وعناوين المعلن.
على الجانب الفلسطيني، الرئيس عرفات يدخل بامتحان قوة مع ايهود باراك، ولن يخلو الامتحان من صوت أبو عمار باعتباره صوتا انتخابيا إسرائيليا يقايض به باراك في أوضاعه المهزوزة ليقايض باراك الناخب الإسرائيلي بالمقابل، فيما يقايض الإسرائيليون الإدارة الأميركية الجديدة بسقف إن صعد فلن ينخفض، وهذا حال المفاوض الفلسطيني أيضا وهو الذي يعرف جيدا أن ما سيؤخذ من بيل كلينتون (وإن كان بلا صلاحية ولا توقيع) سيؤخذ من جورج بوش بالصلاحية والتوقيع، فيما تدخل مصر ضيفا على اللعبة بعد أن حرمت من دور اللاعب منذ كامب ديفيد الرئيس الراحل أنور السادات.
نتفق، إذا ما اتفقنا على ما سبق، بأن ما يحصل هو لعبة، ولكن ما لا يتفق عليه هو ما المسلي وما الخطر فيما يحصل ؟
- المسلي أن يبقى كل بموقعه وتتحول اللقاءات إلى سفريات زعامات المنطقة إلى الولايات المتحدة لإخراج الرئيس بيل كلينتون من السأم الذي يبدو عليه، فالرئيس عندما يتحول إلى ناخب لابد وأن يسأم ريثما يعثر على لعبة تشبه الرئاسة في اغراءاتها، وبالتالي فالمسلون هاهنا لن يدفعوا شيئا لا بالمواقف ولا بالالتزامات، وهذا ما حصل حتى الآن ومن جميع أطراف اللعبة، ونعني الأساسيين أي الفلسطيني والإسرائيلي.
- والخطر أن الوقت المستقطع وهو وقت التحولات، وغالبا ما يكون وقت اللاحساب، وخاصة وفق تزامن الحالة الأميركية والحالة الإسرائيلية معا، وعندما تكون الحالة حالة اللاحساب فلا أحد يستطيع أن يردع أحدا وهذا بالتحديد ما يشكل خطر اللعبة.
باتريك سيل، وليس سرا هو أحد المقربين من سوريا وإسرائيل إلى الدرجة التي وصل فيها في مرحلة ما إلى أن يكون المفوض السامي الذي يحمل أوراقا ومقترحات ويتنقل بها بين الأطراف، ولمن لا يعلم، ونظن أن الكثيرين يعلمون فان سيل هو بريطاني، من أصول يهودية سورية، حلبية على وجه التحديد، وغالبا ما لم ينطق سيل عن هوى، فالرجل يجلس فوق مخزن كبير من المعلومات، وثمة أصدقاء شخصيين له في المنطقة يقول لهم ما لم يكتبه أو يؤكد لهم ما يكتبه، أو يضيف عليه، ومما كتبه وأضاف عليه وسمعناه من متحدثين مع باتريك سيل، أن ايهود باراك يعد العدة للقفز بالمنطقة وقبل عشرين الشهر الجاري إلى عملية واسعة باتجاه جنوب لبنان تحت مظلة استعادة الأسرى الإسرائيليين، وقد يوسع عملياته بما يقفز فوق حزب الله وكاتيوشاته المتطورة إلى مواقع عسكرية سورية في لبنان، وفي النتيجة فالعمليات الخاطفة في هذا الوقت الخاطف ستمر دون جنازين ولا حاملي أبواق، وبتكلفة لا تساوي أكثر من احتجاج رسمي لكوفي أنان الذي طالما اتسعت أدراجه للأوراق كي ينسى الأوراق.
- ما المطلوب من العرب إزاء هكذا احتمالات؟
بالتأكيد من البلاهة أن يطلب أحد منهم تحشيد الجيوش على الجبهات، ولكن المطلوب فعليا قد يبدو في حقائقه بما هو ليس مطلوبا، وهذا سيعيدنا ولو متأخرين قليلا إلى مؤتمر وزراء خارجية لجنة المتابعة المعقود في القاهرة قبل فترة قصيرة.
ما حصل مما هو غير معلن في هذا المؤتمر أن الرئيس مبارك سعى بجهود حثيثة لاقناع الرئيس عرفات بقبول الورقة الأميركية، والرئيس عرفات الذي عمل تاريخيا على عدم إغضاب مصر سمح لجبهة الرافضين كسوريا ولبنان بأن ترفض بالنيابة عنه كي لا يبدو رافضا للمساعي المصرية بل معذورا تحت ضغط الرفض.
أما بالنسبة لسوريا التي لا إشكاليات كبرى لديها في موضوع اللاجئين الفلسطينيين، فقد أمسكت جيدا بالإشكالية الكبرى التي يواجهها نفس الموضوع ولكن في لبنان، ويبقى الدول الخليجية والسعودية والبحرين التي كفت المؤمنين شر القتال فيما احتمالات القتال قاب قوسين أو أدنى من كراسي الوزراء الأشقاء.
ما المطلوب إذن؟
المطلوب هو أن لا يطلب العرب ما ليس مطلوبا منهم من الإدارة الأميركية، وعندما تطلب الإدارة الأميركية فليطيعوا الطالب، أما أن يطيعوا من لم يطلب، أو من ليست طلباته ملزمة للمطلوب منه، فهنا تنتقل اللعبة من التسالي إلى العاب الجحيم.. وما هو بحكم المؤكد أن الطالب في إجازة حتى 20 الشهر الجاري.. أي حتى تعزف الموسيقى تحت أقدام الرئيس الأميركي وهو يصعد الدرج الفضي للكابيتول.