البوابة-بسام العنتري
يرى مراقبون ان المعركة بين الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء محمود عباس (ابو مازن) لم تنته، وانما تم تعليقها برسم اعلان "خارطة الطريق"، التي اراد عرفات تجنيب نفسه تهمة افشالها، فقدم بعض التنازل "الشكلي" في معركته مع ابو مازن، لكنه تاكد قبل ذلك من الاحتفاظ لنفسه بقدر من النفوذ الذي يجنبه الوقوع في فخ انقلاب ابيض قد يقوده ضده.
وبينما يسود الاعتقاد بان الاتفاق الذي اسفر عن خروج الحكومة الفلسطينية من عنق الخلاف بين عرفات وابو مازن، سيكون من شانه تقديم دفعة لجهود السلام واتاحة المجال لنشر خطة "خارطة الطريق"، الا ان المحلل السياسي الفلسطيني وديع ابو نصار يرى ان هذا الحدث لن يغير شيئاً في واقع مأزق الصراع الاسرائيلي-الفلسطيني.
وكانت الولايات المتحدة، وبعد سلسلة من الارجاءات، اعلنت ان خطة "خارطة الطريق" سيتم نشرها بعد تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة.
ووضعت الولايات المتحدة بالتعاون مع الاتحاد الاوروبي والامم المتحدة وروسيا الخطة التي تقرر سلسلة اجراءات متبادلة بين اسرائيل والفلسطينيين وبما ينتهي الى قيام دولة فلسطينية بحلول العام 2005.
ولا يعول ابو نصار كثيرا على هذه الخطة، بل انه راى فيها "مضيعة للوقت" ما بقيت مقاليد الامور في يد عرفات ورئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون، واللذين وصفهما بانهما "غير معنيان" بانهاء الصراع و"يغذيان بعضهما".
واكد ان "كل شي بيد شارون وهو ليس معنياً بأنها والصراع..هو معنى بإبقاء عرفات حتى يتنصل من المسؤوليات" تجاه السلام.
وراى ابو نصار ان قبول عرفات بالاتفاق الذي انهى المعركة التي دارت بينه وابو مازن حول تشكيلة الحكومة لا تتعدى في واقعها محاولة بذلها عرفات من اجل "تجنيب نفسه تهمة إفشال خارطة الطريق".
وفيما قدم عرفات "تنازلا" وصفه المراقبون بانه كان شكليا من اجل اتمام الاتفاق الذي انهى ازمة الحكومة، الا ان ابو نصار اكد ان حجم التنازل الذي قدمه لم يخرجه من دائرة السلطة التي سعت الولايات المتحدة واسرائيل لاخراجه منها.
وقال ان "الأمور ما تزال في يده، وبخاصة الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي لن تخضع لدحلان الذي ليس له ولا لأبو مازن اية سلطة عليها".
هدنة الى حين
وجاء الاتفاق بين عرفات وابو مازن على الحكومة قبل ساعات من انتهاء المهلة المحددة لتشكيلها وقد توسطت مصر تحديدا في التوصل اليه من خلال مدير مخابراتها عمر سليمان الذي اوفدته الى رام الله بعد ان تعثرت كافة الوساطات السابقة.
وتركز الخلاف بين الرجلين حول شخص محمد دحلان، المسؤول السابق لجهاز الامن الوقائي في قطاع غزة، والذي رشحه ابو مازن لتولي منصب وزير للشؤون الداخلية، وظل عرفات يرفض هذا الترشيح، الى ان قبل اخيرا بصيغة تم من خلالها تسمية دحلان في منصب وزير لشؤون الامن.
واعرب ابو نصار عن اعتقاده بان المعركة بين عرفات وابو مازن لم تنته عند حد الاتفاق على التشكيلة الحكومية، بل هي ستستانف، ولكن بعد ان يطمئن عرفات الى ان "خارطة الطريق" قد خرجت الى الوجود.
وقال ان عرفات "بانتظار إعلان خارطة الطريق وبعدها سيبدأ العمل..عرفات ثعلب ولن ينسحب بسهولة"
لا بوادر على انقلاب ابيض..بعد
وفي الوقت الذي نظر فيه مراقبون الى نتيجة المعركة التي جرت بين الرجلين حول الحكومة على انها تمثل بداية لانقلاب ابيض بدأ يقوده ابو مازن ضد عرفات، غير ان عبد الجواد صالح، وهو وزير فلسطيني سابق وعضو سابق في اللجنة المركزية لفتح لا يرى ما حدث بهذه الصورة.
وقال "لا أتفق مع الرأي القائل بأن ما حدث شكل انقلابا من شأنه أن يحدث تغييرات جذرية أن كان على صعيد النظام السياسي للسلطة أو عملية الإصلاح".
واضاف ان "التكتيك الذي اتبعه عرفات في المعركة الأخيرة كان بهدف الحصول على ثمن منصب رئيس الوزراء الذي اضطر للموافقة على استحداثه، والثمن هو الحفاظ على موقعه، ومنع التامر عليه. وباعتقادي أنه حصل على ذلك من خلال المعركة التي اختلقها".
ومن واقع خبرته مع عرفات، الذي عمل معه عندما كنت وزيرا، وكذلك عضوا في اللجنة المركزية لحركة فتح، يؤكد صالح ان عرفات لا يقبل بان يكون هناك شخص ينازعه السلطة والنفوذ، ومستعد لفعل كل شئ لتجنب ذلك.
وقال "كنت أشاهد كيف أنه كان يحاول افشال من يحاولون اتخاذ القرارات في غيابه".
ولكن هل من الممكن ان تصل الامور بعرفات الى حد ان يقوم بتخريب جهود ابو مازن في حال بدأ الاخير في تحقيق نتائج ايجابية على صعيد مفاوضات محتملة مع اسرائيل؟
الوزير السابق عبد الجواد صالح يستبعد ذلك، ويؤكد ان "عرفات لن يسعى إلى القيام بمحاولات لتخريب أية جهود من الممكن أن تؤدي لتحقيق مكاسب سياسية للفلسطينيين في الصراع مع إسرائيل، لكنه سيفعل ذلك إذا ما شعر أن شعبيته ستضرب، أو أن هناك محاولات جديه لعزله".
قلق ازاء احتمالات اصطدام ابو مازن مع الفصائل
وبينما ابدى صالح اطمئنانا لجهة ان لا تؤثر المعركة على السلطة بين عرفات وابو مازن على اية مسيرة سلمية محتملة مع اسرائيل، الا انه يبدي قلقه حيال مستقبل الساحة الفلسطينية خاصة مع التوجهات المعلنة لابو مازن حيال فصائل المقاومة.
ويقول الاصطدام مع هذه الفصائل هو "الخطر الذي يمثله ابو مازن الآن".
وكان ابو مازن اعلن غير مرة رغبته في رؤية مقاومة فلسطينية من نوع اخر، يكون شعارها "نزع صفة العسكرة عن الانتفاضة".
وكانت المفاجأة ان اول من وجه رسالة رفض لهذا البرنامج، كان كتائب شهداء الاقصى القريبة من حركة فتح التي يحتل ابو مازن موقعا متقدما في سدة هيكليتها القيادية.
وفي حين كان متوقعا ان تبدي الحركات والفصائل الاسلامية قلقا حيال امكانية الاصطدام مع توجهات ابو مازن وبرنامجه وبما يمكن ان يقود الى كابوس الاصطراع الفلسطيني-الفلسطيني، الا ان هذه الحركات والفصائل قللت من احتمالات مثل هذه المواجهة.
وفي هذا السياق، فقد اكدت حركة الجهاد الاسلامي التي تعد من الاهداف البارزة لبرنامج ابو مازن انها لا تشعر بالقلق، بسبب البرنامج الذي من الممكن ان يفتح عليها جبهة اخرى غير الجبهة الاسرائيلية.
وقال القيادي في الحركة عبد الله الشامي "سنحاول جاهدين أن لا ننشغل في هذه الجبهة..رغم قناعتنا أن هذه هو الهدف الذي جاء ( ابو مازن) من أجله، خاصة وأن الجميع يعرف أن هدف هذه الحكومة هو هدف أمني وليس إصلاحيا".
واكد الشامي ان "المقاومة حق مشروع شرعته كل قوانين الأرض وقوانين السماء، وبكل الوسائل الممكنة، وبرنامجنا هو الأقوى عملياً، لأن برنامجه هو البرنامج الأميركي الصهيوني".
حياد فصائلي في معركة عرفات-ابو مازن
وحول ما اذا كانت حركة الجهاد على استعداد لمعاضدة الرئيس الفلسطيني في مواجهة ابو مازن في حال بدا الاخير تنفيذ برنامجه لوقف نشاط فصائل المقاومة، اكد الشامي ان الحركة غير معنية بالوقوف الى جانب أي منهما مهما كانت الظروف.
وقال "لسنا بصدد تقييم أبو مازن وعرفات في هذا المجال، ومشروعنا كما قلت هو مشروع المقاومة، كنا نقاوم في زمن رئيس السلطة ياسر عرفات، وسنقاوم في ما هو أت لأن هذا أمر مرتبط بالاحتلال".
واضاف "أتصور أن موقف ياسر عرفات بدأ يضعف، وتراجعه أمس أما الضغوط الدولية أمر يدل على الضعف. ولكن نحن لسنا مصطفين لا مع هذا ولا مع ذاك.. نحن ندرك تماماً أن المعركة الدائرة هي معركة نفوذ، وهذا الصراع يبقى داخل دائرة منظمة التحرير وداخل دائرة حركة فتح، ونحن غير منشغلين به".
وتشاطر حركة حماس حركة الجهاد في عدم شعورها بالقلق ازاء احتمالات حصول اقتتال داخلي فلسطيني- فلسطيني بسبب توجهات ابو مازن.
ويقول القيادي في حماس، عبد العزيز الرنتيسي في هذا السياق "ليست لدينا مخاوف من الاصطدام، لأن أبو مازن سيصطدم مع الواقع القائم.. ولا أظن أنه سيقامر ويصطدم مع الشعب الفلسطيني في الوقت الذي لا يوجد فيه أفق سياسي لدى العدو".
وحول ما اذا كان كلامه هذا يعني ان هناك تفاهما من نوع ما بين الحركة وابو مازن، فقد نفى الرنتيسي ذلك، وقال "لا توجد هناك تفاهمات ولكنه الواقع، أنا لا اعتقد أنه يمكن لأبو مازن أن يغامر، ولا أتصور أن يفعل ذلك".
وفي رد مماثل للذي اعطته حركة الجهاد حول امكانية اصطفافها الى جانب عرفات في حال ضيق ابو مازن الخناق عليها، فقد اكد الرنتيسي ان حركته "لا تدخل في صراعات داخلية".
وقال "عندما قامت السلطة باغتيال واعتقال عناصر من حماس لم ندخل في صراعات، فكيف إذا كانت هذه الصراعات بين أبو مازن وعرفات، نحن لا ندخل فيها".—(البوابة)