مطرقة هندية عتيقة

تاريخ النشر: 01 أبريل 2009 - 08:39 GMT

علي السوداني

 

ومن بركات وفوائد ولطائف القراءات العشوائية ، ان وقعت عيناي البارحة على نص مكتوب في باب العمارة والمعمار ، معلن فوق صفحات مجلة حديث زمنها ، وقد أحلته فوراَ الى باب المناطحات والمناكفات والمبالغات والتخييل وتحميل الشيء ما لا يحتمل وقد جاء صاحبه في سرد من حنين الى مسألة انشاء نفق ساحة التحرير في الباب الشرقي من رصافة بغداد اواسط سبعينيات القرن الفائت وقد توصل الدارس الجمالي الى ان مشروع النفق هو فكرة بعثية خبيثة لتحويل النظر عن نصب الحرية وصاحبه الفنان جواد سليم ، ويقترح الكاتب على المهندسين والمعماريين فكرة سهلة وممكنة زبدتها هي في تسقيف نفق التحرير والساحة بوساطة سقف كونكريتي مسلح عملاق يغطي الساحة كلها ويطمر ملامح وآثار النفق " المؤامرة " بعدها سيكون من الجميل ان يزرع فوق سطح السقف العملاق الذي نام على خوانيق النفق ، تمثال او نصب فني ضخم يحكي قصة البلاد الجديدة وهو بمقترحه الهندسي هذا ، يكون كذاك الرجل الذي جاء كي يكحّلها لكنه أعماها . النفق كان مؤامرة بعثية لتحويل وتشتيت العيون عن نصب الحرية الذي كان يزعج الحكومة ، لكن السقف العملاق والتمثال الرابض فوقه سيجعلان السمفونية الجمالية مقبولة ومهضومة وحلوة وتخبل وتهبل !!

 

قد يلجأ السياسيون المعارضون والموالون الى تقنية الكذب والنفخ والمط والمبالغة من أجل تسقيط واسقاط الخصم ، لكن ألأمر سيكون مزعجاَ ومنفراَ ومقززاَ اذا ما انتقلت جرثومته الى الشعراء والقصاصين والروائيين والرسامين والنقدة الذين ترى فيهم الرعية الغافلة المغفلة العاشقة ، ملائكة وقديسين وبناة ذائقة حتى لو تكلّف واحدهم ، نصف خبز العائلة . طبعاَ الحكومات -  في كل الأزمان -  ليس عندها لحية مسرّحة والتمثال الذي لا يعجبها فأنها ستأتيه بليل أظلم وتمطر فوق رأسه مطرة مطارق حتى ينهد ويطيح واذ تخرج الناس الى صبيحة الرزق فلا ترى سوى جمهرة من شغيلة البلدية وهي تقوم بشطف الأرض وشتلها بزهرات الجوري والرازقي والسوسن كي تبعدها عن موضع الشبهة الموصولة بسبق اصرار وترصد مبين ، وكان علي عبد الأمير قد شوفني قبل حفنة سنين ، صورة مطقوقة بالابيض والأسود يظهر فيها رجل هندي طويل يعتمر عمامة تشد الزلوف وترفع الرأس وتقوي الشكيمة التي هي ابنة عم شكيم ، يقف بجوار مطرقة آلية ضخمة . الصورة تلك كانت حدثت في ساحة الفردوس الشهيرة بشارع السعدون ومن تفصيلاتها انوجاد كمشة من كفخات وطعنات المطرقة الهندية وقد تهاطلت فوق جسد نصب الجندي المجهول القديم القائم في زمن الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم . الكائن الهندي بدا رائقاَ وغير مكترث بشعلة النار التي كانت ترقص قبل ليلة . وهكذا دواليك يا بلادي العزيزة ، تمثال يسحل تمثالاَ وفكرة تمحو فكرة وطعنة تسد مسد طعنة وعلي عبد ألامير قال لي يوم شفت تلك الصورة ، ان فرمان الملكية الفكرية يستدعي مني اذا ما أردت الكتابة والتذكر والتذكير ، ان أشير الى ان هذه الصورة العتيقة هي من أرشيف الفنان البديع المدهش ، صاحب شخصية " رؤوف " الفذة ، مقداد عبد الرضا .

 

ليلة سعيدة أحبتي ، ولا أراكم الرب الرحيم الجميل القادر القدوس البديع الخالق ، صبحية غبراء عوراء عرجاء ، تكون فيها الحكومة قد انتهت من تحشيد عشرين مطرقة ومطرقة للزحف صوب نصب الجندي المجهول المذهل القائم حتى اللحظة في كرخ بغداد وتفليشه ، مستثمرة انشغال الرعية بصباح الباقلاء بالدهن الحر !!

 

alialsoudani61@hot mail.com