الرئيس المصري حسني مبارك
يسعدني أن أرحب بكم في افتتاح أعمال القمة العربية وأن أشكركم على استجابتكم الفورية التي أكدت على مدى حرصكم على دعم وتعزيز العمل العربي المشترك في مواجهة التحديات العاتية التي تعترض طريقنا وفي مواجهتنا التحديات الخطيرة التي تواجه عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط.
وأود أن أبدأ كلمتي إلى الخسارة الكبيرة في القادة التي لحقت بالأمة العربية منذ انعقاد قمتنا الماضية منذ العام 1996 والمتمثلة في رحيل 4 من رجالات العمل العربي المشترك الذين تركوا بصمات واضحة على مسيرة العمل وهم جلالة الملك حسين بن طلال عاهل المملكة الأردنية الهاشمية، وصاحب السمو الشيخ عيسى أمير دولة البحرين، وملك المملكة المغربية جلالة الملك الحسن الثاني، وفخامة الرئيس حافظ الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية رحمهم الله جميعا وطيب ثراهم.
وعندما أشير إلى خسارتنا برحيل هؤلاء القادة فإني أرحب في نفس الوقت بالقادة العرب الجدد المؤمنين بعدالة قضيتهم وبضرورة تنسيق الجهود العربية في هذه المرحلة الدقيقة من التاريخ العربي والدولي، والحرص على تعزيز عملنا المشترك ومسيرتنا الواحدة ومضاعفة قدرتنا على مواجهة التحديات، كما أرحب برئيس جمهورية الصومال بعد غيبة طويلة لهذا البلد الشقيق عن اجتماعاتنا ونتمنى لبلده الشقيق الأمن والاستقرار.
أصحاب الجلالة والفخامة والسمو..
إن انعقاد هذه القمة يسجل علامة هامة في مسيرة العمل القومي ويعبر عن بداية مرحلة جديدة من مرحل تاريخنا القومي ويعكس حيوية أمتنا العربية وقدرتها على مواجهة كافة الظروف المتغيرة والتصدي لكل التحديات، فلقد حملت الأسابيع الماضية معها اختبارا صعبا لمسيرة السلام منذ أن تصدى الشعب الفلسطيني الشقيق للأعمال الاستفزازية التي سعت إلى ترويعه وانتهاك حقوقه والاعتداء على مقدساته ومقدسات كافة الشعوب العربية والإسلامية، في وقت كنا نسعى فيه جميعا لتحقيق سلام شامل وعادل وفقا لقرارات الشرعية الدولية وتطبيقا لمبدأ الأرض مقابل السلام، وبدلا من أن تمضي مسارات السلام بين الأطراف نحو التسوية السلمية فوجئنا بمن يهدد إجهاض هذه المسيرة والعودة بالمنطقة إلى أجواء العنف واليأس والفوضى. وقد حان الوقت الذي يجب أن تدرك فيه جميع الأطراف وخاصة إسرائيل أن السلام هو الوضع الطبيعي لحياة البشر والسبيل الوحيد لتنمية الشعوب وتقدم الأمم وأن القهر لا يصنع أمنا وأن العدوان لا ينتج سلاما وأن السلام الثابت المستقر يجب أن يكون عادلا ومتكافئا محققا التوازن بين حقوق الأطراف والتزاماتهم، وبذلك وحده يتوفر للسلام عنصر الرضا الجماهيري العام، والقبول الشعبي الذي يتوارثه جيل عن جيل، وبذلك يصبح وضعا راسخا لا يهتز ولا يتزعزع، أما السلام الذي يتحقق بالقوة والقهر فإنه يكون هشيما سرعان ما تذروه الرياح.
ونحن هنا في هذه المنطقة من العالم عانينا لسنوات طويلة من آثار الصراع العربي الإسرائيلي وتداعياته المختلفة واخترنا السلام الشامل والعادل القائم على الحق طريقا للمستقبل وسبيلا للنهوض بدول المنطقة. ويجب أن يكون مفهوما أن السلام يتطلب إرادة مشتركة ولا يمكن أن يتحقق من جانب واحد وأن الأمن حق لجميع الأطراف بنفس القدر وأنه لا توجد قوة على ظهر الأرض تستطيع أن تغتصب حقوق غيرها وتضم أرضهم ثم تتشدق بالسلام وتطالب الأمن لها وحدها كما لو كانت حقوقها متفوقة على الحقوق العربية أو تحتل مرتبة أعلى منها، ولقد قطعنا نحن العرب أشواطا كبيرة لتحقيق السلام عبر مسيرة استمرت لسنوات طويلة، ولكن يبدو أن بعض الدوائر في إسرائيل أساءت فهم الموقف العربي ولم تقدره حق قدره وتصورت أن الأوضاع الدولية الراهنة تسمح بابتلاع حقوق الغير واحتلال أراضيه والاستخفاف بمعتقداته وترويع أبنائه.
ونحن إذ نلتقي اليوم في هذه القمة العربية فإننا نجسد نبض التاريخ العربي في كل مكان ونعبر عن الغضب العارم المبرر الذي انتاب الشعوب العربية والإسلامية كلها بغير استثناء للاعتداء على مقدساتها، ونحن هنا للتعبير عن إرادة شعوبنا ومشاعرها وعن ضمير الأمة ووعيها الجماعي.. فهي صاحبة الحق في إصدار القرار وتحديد المسار، ولا شك أن تلك الأعمال والممارسات الإسرائيلية تضع قضية السلام في مأزق بالغ الصعوبة ومحنة حقيقية لأن سياسة العقاب الجماعي وعزل المدن وإغلاق المعابر وترويع المدنيين الأبرياء وقتل الأطفال العزل وإطلاق عنان المستوطنين المتطرفين والمزودين بالأسلحة الفتاكة من أجهزة الدولة الرسمية، هذه ممارسات طائشة تعبر عن جنوح مستهجن نحو قرار استفزازي مرفوض جملة وتفصيلا، وأسلوب عدائي ننبه إلى آثاره الوخيمة ونصر على عدم تكراره تحت أي ظرف لأنه سلوك يهدد السلام بالصميم ويبدد ثقة الشعوب العربية والإسلامية بل وكثيرا من شعوب أخرى في نوايا إسرائيل تلك الثقة التي تعتبر عنصرا لازما لا غنى عنه لتحقيق السلام والنظر إلى المستقبل بتفاؤل واستبشار...
إننا نرى أن الخيار بين سلام منقوص غير متكافئ أو العودة إلى أجواء العنف ومناخ التوتر يمثل معادلة ظالمة لا تمهد لمستقبل أفضل ولا تفتح الطريق أمام التعايش الآمن الذي نسعى إليه لأن هناك خيارا آخر يسبق غيره هو خيار السلام المتكافئ الذي يقوم على العدل ويتصف بالشمول ومن ثم يحمل مقومات الدوام والبقاء، ولسنا نقول ذلك من فراغ، فتجارب الأمم وتاريخ الشعوب يؤكدان التسوية التي لم تتوفر لها عناصر العدل والتكافؤ لم تدم طويلا بل وكان وجودها مزعزعا يفتقد للثبات والاستقرار.
أصحاب الجلالة والفخامة والسمو..
لقد حاولنا في الأسابيع الماضية أن نتحرك باتجاهين متوازيين يهدف أحدهما إلى إيقاف نزيف الدم المتدفق في الأرض الفلسطينية المحتلة. أما الآخر فيسعى إلى إعادة الأوضاع التي كانت قائمة قبل انتهاك حرمة المسجد الأقصى واندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأخيرة وتداعيات المواجهات الدامية في القدس والضفة الغربية وغزة، وقد انصرفت جهودنا من خلال مشاورات مكثفة مع الأشقاء العرب واتصالات مستمرة مع الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي والأمين العام للأمم المتحدة حتى جاءت قمة شرم الشيخ محاولة أخيرة لإنقاذ الموقف ووقف نزيف الدم الفلسطيني الطاهر واستعادة الهدوء في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكانت من نتائج المداولات في قمة شرم الشيخ فك الحصار عن المدن والقرى والطرق الفلسطينية الموصلة بينها وفتح المعابر وسحب القوات الإسرائيلية وترسانة أسلحتها التي انتشرت في كل مكان وتشكيل لجنة دولية لتقصي الحقائق، وكلها أهداف كنا نسعى إليها ونعمل على تحقيقها تمهيدا للعودة إلى طريق التسوية السلمية المشرفة من جديد، ولقد كان من نتائج تلك القمة أن تحددت مواقف الأطراف بوضوح وأصبحت الرؤية واضحة أمام الجميع قبل لقائنا هذا الذي ينعقد في ظل الظروف البالغة الدقة في حياة أمتنا والحاسمة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي كله، وهو ما يلقي علينا مسؤولية تحديد طريقنا نحو المستقبل على ضوء خبرات الماضي وأحداث الحاضر والطموح إلى مستقبل أكثر أمنا واستقرارا.
وهنا أرجو أن تسمحوا لي في مستهل اجتماعات هذه القمة أن أؤكد من مدى التزامنا الكامل بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني الصامد وأن أحيي نضاله العادل وأن نترحم جميعا على شهدائه الذين دفعوا حياتهم في مواجهة غير متكافئة للحفاظ على مقدساتهم وحقوقهم فضلا عن التضحيات الجسيمة والخسائر الضخمة التي تكبدوها منذ أن بدأت الأحداث الدامية الأخيرة، وقد حان الوقت الذي نقول فيه لإسرائيل بكل صراحة ووضوح وبكل اكتراث في السلام ومستقبل التعايش والاستقرار في المنطقة أن ما جرى قد أدى إلى فقدان ثقة الشعوب في جدوى عملية السلام وترك آثارا سلبية تحتاج إلى معالجة تبرهن فيها إسرائيل على رغبتها في التعايش مع جيرانها وفي مقدمتهم الشعب الفلسطيني في ظل سلام لا تهدده التصرفات غير المسؤولة أو الانتهاكات المستمرة أو الاستهانة بحقوق الآخر أو التفكير في ترويع الشعب بأكمله وإشعاره بأنه لا زال يعيش تحت وطأة الاحتلال والتسلط.
أصحاب الجلالة والفخامة والسمو..
إن استجابتكم لدعوتنا لهذه القمة قد جاءت نتيجة الإحساس الجماعي للمخاطر الحقيقية التي تتعرض لها المنطقة، كما جاءت أيضا استجابة طبيعية لرغبة الجماهير العريضة على امتداد خريطة وطننا الكبير، ولذلك فإننا نتحمل عبئا تاريخيا في الخروج في المنطقة من هذا المأزق والسعي من جديد لإنقاذ عملية السلام، بل إنني أظن أن إلحاحنا من أجله وسعينا إليه كان أكثر أهمية من أي وقت مضى، ونحن نعلم أن حجم التوقعات العربية من هذه القمة كبير كما أن سقف التطلعات إليها يبدو عاليا، ولكن في النهاية كقادة لهذه الأمة أن نمضي في الطريق الذي يحقق مصالحها ويكفل استقرارها ويحميها من الاستسلام للمواقف الانفعالية، فنحن جميعا غاضبون ممتلؤون بالمشاعر نجمت عن تراكم الأحداث ولكن في الوقت ذاته ندرك أن قضية الصراع العربية الإسرائيلية طويلة ومعقدة، وأننا كلما قطعنا أشواطا نحو التسوية السلمية نجد الأمور تزداد صعوبة والمفاوضات تزداد مشقة وتعقيدا؛ ولذا يظل من المتعين علينا كأصحاب حق أن نمضي عبر الطريق الطويل نحو حقوقنا المشروعة لا تصرفنا عنها محاولات جامحة أو استفزازات عابرة لأن الحق في النهاية هو الذي ينتصر.
ونحن أمة تملك من تاريخها الطويل وتراثها الضخم وإمكاناتها الهائلة ما يمكنها من تصويب الطريق وتصحيح المسار وما أن تمضي نحو غاياتها العادلة وحقوقها المشروعة ولن يكون بعيدا ذلك اليوم الذي تقوم فيه الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس على ترابها الوطني وأرضها المحررة، كما أنه لن يكون بعيداً ذلك اليوم الذي يتحقق فيه السلام على المسارين السوري واللبناني بعودة إسرائيل إلى حدود الرابع من يونيو 1967، وهنا أقول لإسرائيل بكل وضوح أن عليها أن تدرك أننا لا نستطيع قبول أي تسوية إلا إذا كانت عادلة ومنصفة، كما أننا لن نرضى بأي سلام إلا إذا كان شاملاً، كما أننا نريدها أن تدرك أيضاً أن الأمة العربية عندما اختارت طريق السلام فقد فعلت ذلك على أساس التزام إسرائيل بنفس الهدف وطبقاً للقواعد القانونية الذي ارتضاها المجتمع الدولي المعاصر وليس شريعة الغاب واستخدام مفاهيم القوة الغاشمة ، لذلك فإن تعاملنا في المستقبل مع الصراع العربي الإسرائيلي سيخضع في حساباته المواقف الإسرائيلية وسياسات حكوماتها تجاه الفلسطينيين وحقوقهم وتجاه العرب ومستقبل التعايش معهم، إلا أن الذين يريدون السلام لا يقومون بتلك الممارسات التي شهدتها في الأسابيع الأخيرة كما أن الذين يريدون السلام أيضا يجب أن يحترموا حقوق الآخرين ومقدساتهم، تلك المقدسات لا تقبل أي مساس بها ولن تسمح بتكرار الاعتداء عليها لأننا نعيش في عصر أصبحت فيه حقوق الإنسان قضية العالم الأولى وغايته الكبرى، لسنا أمة مستضعفة ليس أمامها ألا خيار واحد وإنما نحن أمة اختارت السلام بعد أن أثبتت قدرتها وقوتها وقبلت الصيغة التي ارتضاها المجتمع الدولي كمرجعية قانونية لكيفية تحقيق السلام.
أيها الإخوة الأشقاء..
تذكرون أنني حرصت في مناسبات عديدة إلى الإشارة لأهمية انعقاد مؤتمر القمة العربية بصفة دورية ومنتظمة مهما كانت الأوضاع في الوطن العربي ومنطقة الشرق الأوسط لأن مستوى القمة أعلى درجات المسؤولية وهو العنصر الفاعل الذي يرضي طموحات الجماهير العربية وهو الصيغة التي أقرها مجلس جامعة الدول العربية في دورتها الأخيرة ووضعه اجتماع وزراء الخارجية العرب التحضيري لهذه القمة، وليس من شك أن الانعقاد الدوري المنتظم للقمة العربية سوف يسهم في دعم العمل العربي المشترك في كافة المجالات ويتيح فرصة للتشاور الدوري المنتظم بيننا حول قضايا أمتنا والتحديات التي نواجهها والطموحات التي نتطلع إليها.
إننا نتطلع إلى مستقبل تعيش فيه شعوب المنطقة في استقرار ورفاهية ولكننا لن ندفع إلى ذلك بأي حال من الأحوال على حساب حقوق شعوبنا أو كرامة أمتنا أو مستقبل أجيالنا المقبلة. إن السلام بطبيعته يجب أن يكون متبادلاً بين الأطراف بنفس القدر كما أنه يتطلب عملاً مشتركاً من الجانبين: فإما تعايش واستقرار في ظل احترام متبادل، وإما استمرار للتوتر والعنف، وإما أمن وازدهار لكل الشعوب، وإما حياة قاسية تسودها الحاجة وتفتقر إلى الاطمئنان للمستقبل. وشعوبنا تتوق إلى مرحلة جديدة تعوض ما فاتها في فترات الحرب والعنف وعدم الاستقرار. مخطئ من يعتقد أنه قادر على تغيير التاريخ وجوهر الرسالات أو أن بيده أن يغير مجرى الأحداث مفتوناً بقوة زائفة مآلها إلى الزوال.
إن الأجيال القادمة أيها الإخوة والأخوات من أبنائنا تتطلع إلى يوم تعيش فيه بأمان واستقرار بعيداً عن العنف والتهديد وإرهاب الشعوب، ونحن جميعاً عازمون على السير في طريقنا مهما كانت الصعاب والتحديات ومن يتوكل على الله فهو حسبه .. إن الله بالغُ أَمرِهِ قد جعل الله لكل شيء قدرا . صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله