فؤاد أبو حجلة
عرفنا مصطلح الشرق الأوسط الجديد بعد سلسلة من الانهيارات العالمية التي بدأت بسقوط حفنة من الأنظمة الاشتراكية في أوروبا وأميركا اللاتينية، وبلغت ذروتها بالزلزال السوفياتي الذي فتت حجارة الكرملين ونثرها غبارا على وجه الارض، وانتهت بسقوط المشروع العربي في حرب الخليج الثانية التي كتبت وقائعها بحبر الخزي القومي، في أكثر عصور التاريخ المعاصر كآبة وانحطاطا، أعني العصر الاميركي الذي نعيش الآن تحت يافطته السوداء .
أرادت أميركا شطب الهويات القومية، واستبدالها بنظام السوق، وترسيخ مفهوم الدولة القطرية في المنطقة، وتعميم روحية الاقليم، لكي تبقى الكيانات السياسية الشرق أوسطية تابعة للولايات المتحدة، ولكي يبقى قرارها السياسي مرتهنا للرغبة الاميركية .. وقد تحقق لها ذلك، فخرج كل العرب من حرب الخليج مهزومين ومحبطين، ولا يرون الفرج الا من الطاقة الاميركية التي تضيق وتتسع حسب أهواء سيد البيت الابيض ومؤسسة الحكم المتصهينة بالكامل في واشنطن، وخرج الفرس والاتراك مهزومين أيضا بعد أن كشف التحالف زيف المشروع الاسلامي الايراني، وحقيقة الحقد العرقي الذي يحكم سادة طهران وسدنتها، كما كشف التحالف مهزلة التفوق التركي، وسقوط أحفاد الامبراطورية العثمانية في الأسر السياسي الذي حولهم الى مجرد مهرجين في البلاط الاميركي.
تحقق كل ذلك لاميركا، فتربع الرئيس كلينتون ومن قبله الرئيس بوش على سطح الكرة الارضية ، ومد رجليه ليركل النظام العربي مرة، ويرفس أوروبا مرة أخرى، ويدوس على رقاب العوالم الثلاث في كل مرة.. وظن صناع القرار الاميركي أن العالم كله صار مطية سهلة ، وأن النظام العالمي الجديد قد ترسخ الى الأبد، وأن سطوة أميركا وهيمنتها على العالم باقية حتى يوم القيامة، فتجاوزوا المألوف، وعبروا عن غطرستهم واستكبارهم بأبشع ما يمكن تخيله من المواقف والمواقع، وجاهروا بانحيازهم للمشروع الصهيوني دون أي شعور بالخجل أو الحرج، حتى أصبح الفصل بين ما تريده اسرائيل وما تريده أميركا مستحيلا في الذهن العربي وفي المخيلة الاميركية أيضا.
لكن الرياح السيئة لم تجر بما تشتهي سفن اليانكي، فمرت عشر سنين كاملة على العدوان على العراق ، ولم يسقط صدام حسين ولم يضعف نظامه في بغداد، بل أصبح هذا النظام أكثر قوة رغم ضعف الدولة العراقية ، ومرت سبع سنين على توقيع اتفاق أوسلو بين الفلسطينيين والاسرائيليين ، ولم تستسلم القيادة الفلسطينية ، ولم يرفع ياسر عرفات الراية البيضاء تحت الضغط الاميركي، ولم يتحول الشارع الفلسطيني الى القبول باستبدال القدس بشطيرة هامبيرغر، ولم يتشكل شارع عربي مؤيد لأميركا أو مريد لها ، بل إن كراهية الولايات تكاد تكون نقطة الاجماع الوحيدة في شوارع العرب ، مشارقة ومغاربة، وحتى في العواصم التي شاركت في حفر الباطن ، أصبح هناك من يتساءل بصوت مرتفع عن سر بقاء القوات الاميركية في المنطقة ، رغم انتهاء زوبعة التهديد العراقي.
رحل بوش ولم يرحل صدام حسين، وسيرحل كلينتون وباراك قريبا، ويبقى ياسر عرفات، وستعجز الرسمية العربية ، بقرار أميركي ، عن عقد قمة طال انتظارها، وستعجز الأنظمة العربية أيضا عن ضبط حركة الشارع ، ومنع – المظاهر والمظاهرات المسيئة للعلاقات مع الحليف الاميركي – ولن يتغير شيء في واقع الحال العربي ، بعد كل هذه السنين ، فستبقى الانظمة العربية مثلما كانت دائما رهينة لرغبات السيد الاميركي، وستبقى الشعوب العربية مثلما كانت دائما رافضة للاحتلال الاميركي لبعض الارض العربية ، والاحتلال الاسرائيلي لأحلى وأغلى أرض العرب، وستبقى الكيانات العربية تعيش هذا الازدواج الشبيه بالشيزوفرانيا بين حكومات عاشقة للعم سام وموالية له ، وشعوب كارهة لهذا العم البشع ورافضة للتبعية له .
لم يتغير شيء في المنطقة غير أن الشرق الأوسط ، صار جديدا، لكنه يقف على كف عفريت .