حين كنا نقرأ..- خالد أبو الخير

منشور 23 آذار / مارس 2017 - 02:26
خالد أبو الخير
خالد أبو الخير

عقدان من الزمان تقضيا منذ آخر مرة ولجت بها إلى مكتبة الأمانة في وسط البلد. وحين فعلت رازتني الموظفة مرات مستغربة طلبي، فقد أردت ان أستعير عدة كتب "دفعة واحدة"، قائلة: هل أنت مشترك في المكتبة؟

أجبتها وشطر مني يرحل بعيداً: أنا مشترك قديم.. منذ مطلع السبعينيات. فاعتذرت لأن الاشتراكات القديمة ألغيت، دون أن تنتبه إلى أنها وجهت طعنة نجلاء إلى قلبي الذي ارتبط وثيقاً بهذا المكان.

مر الفتى الذي اعتراه تردد مرات ومرات، في ذلك النهار البارد ذات أيلول من العام 1972، أمام مدخل أمانة العاصمة، يفكر بالولوج إلى مكتبتها لقراءة كتاب وتفعيل اشتراكه الذي حازه مؤخراً.

كان ميالا إلى الثقافة، اللعنة على الثقافة! ولطالما استوقفته الكتب المعروضة على البسطات، وعلى رفوف مكتبات "المحتسب والأقصى والجامع الحسيني"، دون أن يكون ممتلكاً لثمنها، مقاوما رغبة ممضة وشغفا لا يحد باقتنائها، متطلعاً إلى الآفاق الرحبة المختفية بين دفتي كتاب.

كان ثمة مركز شرطة في الطابق الأرضي، ورجل أمن على الباب، فسأله وجلاً عن مكان المكتبة، وسرعان ما دله، فدلف صاعداً الدرجات مستعجلا، إلى الطابق الثاني ليلج إلى محراب الفكر ومسكن السكون.

أقبل على القاموس اليدوي يقلبه بشغف، طفل حظي بألعابه، أو جائع قطع فيافي، واهتدى -غير مصدق- إلى وليمة لا حد لها أو منتهى.

انقسمت المكتبة أيامها ثلاثة أقسام، مكتبة الأطفال في الطابق الأرضي، ولها مدخل خاص، والمكتبة العامة في الطابق الثاني، وقسم المراجع والمقتنيات التراثية في الطابق الأول، وكان الفتى إياه البالغ أيامها ثلاثة عشر عاماً من رواد القسمين الأخيرين، جنبا إلى جنب مع مئات المواطنين الذين أموا المكتبة على مدار اليوم.

**

كثيراً ما كان يعن له أن يقطع ثمانية كيلومترات من ماركا الشمالية الى وسط البلد، في القيظ أحيانا ومرات في المطر، ليمضي ساعات في المكتبة، وإن.. ساعده الحظ، كان يراها، تلك الفتاة السمراء التي شكلت صورة إعجابه الأول، وشغفه الأول، تقرأ بنزق عصفور، وترمقه بنظرة إعجاب وسحر، قبل أن تختفي بعدها إلى الأبد.

لم يكلمها ولو لمرة واحدة، ولم يسر ورائها قط، كان إعجاباً صبيانياً، وحين اختفت تماماً.. بقيت المكتبة والكتب التي كانت تقرأها، تعشب المدى.

في ديوان شعر لنزار قباني بعنوان قصائد متوحشة.. كانت خربشت بقلمها، وحين غادرت، قرأ كلمة واحدة: عيناك..

..

يذكر أنه قرأ أيامها كتبا عدة في الأدب والفلسفة والفكر، واطّلع على مخطوطات مهمة يستذكر منها خارطة الإدريسي للعالم القديم، واخرى للنفري والجاحظ وغيرها.

وبعد سنوات.. أمكنه أن يضع كتباً ألفها في ذات المكتبة.

عموماً.. لعبت المكتبة طيلة عقود دورا طليعيا في "تخريج" مثقفين من سكان العاصمة، كانت خلالها وجهتهم الأولى كلما نزلوا وسط البلد، وشكلت منارة ثقافية، إلى جانب عدد من المراكز الثقافية في سفارات أجنبية، أبرزها المكزي الثقافي الروسي والالماني "معهد جوته"، وجمعيات على قلتها، في عصر افتقدنا فيه أشياء كثيرة، سلوى الكثيرين فيه كانت "خير جليس".

ولطالما زين حائط المكتبة باتجاه شارع طلال بصور جدارية للملك الراحل الحسين، محاطة بالأضواء، في الاحتفالات بالمناسبات الوطنية.

المنطق التجاري أيضا قضم جزءا من الساحة المحيطة بالمكتبة، وحولها إلى أكشاك، فيما تحولت المنطقة إلى بؤرة "المشكوك بهم"، وفق أصحاب محلات.

.. الفتى الذي ولج المكتبة العامة بوسط البلد في ذلك الصباح التشريني، ناهز الخمسين عاماً الآن... أما المكتبة العامة فمن مبعث تقدير أمانة عمان لها، وفق مثقفين، أنها ستحولها إلى فندق سياحي تجاري.. مثلما حولت وسط البلد إلى حفرة كبيرة، لا ندري متى ستردمها !


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك