كان هناك..
عجقة اطفال أنهكهم لعب النهار ينسلون في ظلال المساء ، عمال نظافة بزيهم المميز، يلتقطون أكياس الحلوى الفارغة وفضلات زائرين، لا يبدون كثير حرص على نظافة البيئة، برغم كل الملصقات الارشادية.
عاشقان مرا ايضا.. استحلا عشب الحديقة اليانع، تناجيا.. تلامسا.. افترقا.
تقدم الليل.. حينما حث سكير خطاه مترنحا، و اصطدم به: ها انه تمثال!.
قهقه قليلاً، حينما تبين ملامح التمثال مستذكرا رسم صاحبه الرسمي الذي يعرف سكان الدولة، فبصق متأبطا الاشمئزاز، عاكفاُ على فك ازرار بنطاله دون أن يحيد عن سحنته الرخامية القاسية.
بال على قاعدته، مترنما باغنية وطنية شهيرة، ثم هامساً: احلم بتمثال..
تراجع خطوة مستشعرا تغير مزاجه، صاح به: لست جديراً بسماعي لأنك اقذر من سماسرة المدينة الذين دفعوا ثمن الاسمنت الذي حشروك فيه.. ايها الغبي الذي فجر ثورة وسلمها للعملاء ومصاصي الدماء.
تجشأ يرفع بنطاله اعلى من حوضه: تباً للعرق.. للثورة.. للحياة.
استند الى ذراعه يهم بالجلوس عند قدميه: ربما كنت عظيماً، ربما.. لو التقينا قبلا لرافقتك، نعم..ربما أمنت بما دعوت اليه، لكني لم اعد ذلك اليافع ، لم اعد ابدأ.. وأنت لم تعد من انت.
تحركت الريح حينما استوى ارضاً، مخرجا زجاجة العرق وعابا آخر ما تبقى فيها، قبل ان يطوح بها لتصطدم بحافة السياج، تتحطم بطريقة مبهرة: الزجاج المكسور طار لثوان ولمع في الهواء.
اتخذ حذائه وسادة، حينئذ فاه: ما لي ولك، لم نكن قبلا جديرين بالحياة، ولا الآن.
ونام..
أيقظه الحرس البلدي، صحا فزعاً، فر هارباً... كان جسده يتناثر قطعا وغبارا.