أين أخطأنا في ” أوسلو” ؟!

تاريخ النشر: 13 سبتمبر 2006 - 07:23 GMT
بقلم: رولا سرحان *

بعد مرور ثلاثة عشر عاماً على توقيع إعلان المبادئ " أوسلو- 1" في واشنطن، وتجلي نتائج الاتفاق على الأرض واضحةً للعيان، يبدو من الضروري الوقوف وقفة تدقيق متمعنة لفهم الأسباب الرئيسة وراء فشل تطبيق الاتفاق، خاصة بعد الإعلان الصريح والرسمي لجامعة الدول العربية أن جميع المبادرات السلمية في المنطقة قد باءت بالفشل.

وفي حقيقة الأمر، ستقدم هذه الأسطر توضيحاً مختصراً لأهم أسباب فشل الاتفاق، دون الادعاء بإمكانية حصرها جميعاً، في حين يتم التركيز على واحد من أهمه تلك الأسباب؛ ألا وهو بنية وتركيبة نصوص اتفاقية أوسلو، بحيث نوضح مكامن الضعف فيها، وكيف ساهمت إسهاماً كبيراً في تنصل الجانب الإسرائيلي من التزاماته وتعهداته، لعلّ هذا الأمر يوضح لنا أين أخطأنا، ويوضح أيضاً أهمية قراءة النصوص وفهم مغزاها ومضامينها قبل الإقدام على التوقيع عليها.

أسباب الفشل

رغم تعدد الطروحات المتعلقة بالسبب الحقيقي الذي كان وراء فشل اتفاق أوسلو، ووصوله في نهاية الأمر إلى طريق مسدودة، فإنه من الصعب أن يتم تحديد سبب واحد وراء فشل الاتفاق باعتبار أن جميع العوامل التي أدت إلى فشله مركبة وتستند إلى بعضها البعض وتساهم بشكل أساسي في إفشاله.

وفي هذا المقام، تطرح الأدبيات الواردة في شأن فشل اتفاق أوسلو مجموعة من الأسباب والعوامل التوضيحية التي أدت إلى وصول الاتفاق إلى طريق اللاعودة. فعلى الرغم من أن مسيرة السلام قد لوحت في بدايتها إلى أن تغييرات حقيقية ستحصل على طبيعة العلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين كطرف محتل وآخر واقع تحت الاحتلال، فإن هذا لم يحدث، بل على العكس من ذلك، دخلت العلاقة بينهما في حالة من التدهور المستمر، وصل حد تجاهل وجود شريك فلسطيني، والذي يعني تراجعاً ضمنياً من قبل الجانب الإسرائيلي عن الاعتراف بالطرف الفلسطيني.

ومع ازدياد العلاقة سوءاً بين الجانبين، ازداد ت التحليلات التي تحاول تفسير فشل اتفاقات أوسلو، فهنالك مجموعة من الأدبيات ترى أن سبب فشل الاتفاق جاء نتيجة لعدم التوازن من حيث القوة بين الطرفين؛ فبينما دخلت م.ت.ف. إلى المفاوضات وهي منهكة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً إثر حرب الخليج، دخلت إسرائيل لتفاوض من موقع قوة متمتعة بامتيازات سياسية وعسكرية تخولها لفرض شروطها على طاولة المفاوضات أولاً وعلى الأرض ثانياً ويدعمها في ذات الوقت الولايات المتحدة الأمريكية.

في حين ترى أدبيات أخرى أن السبب يعود إلى سياسة إسرائيل المتبعة تجاه الفلسطينيين وفي التعامل مع أوسلو، فبعد توقيع الاتفاق لم يأمل الفلسطينيون فقط باستعادة الأراضي التي احتلت عام 1967، بل وأيضاً السيطرة عليها وإدارتها، إلى جانب إدارة شؤونهم اليومية وإقامة دولتهم المستقلة. لكن الوضع على الأرض إثر التوقيع وطيلة الفترة الانتقالية أعطى صورة مخالفة لتلك التي توقعها الفلسطينيون. فحتى بعد إنشاء السلطة ال وطنية، واستعادة جزء من الأراضي الفلسطينية، بقيت إسرائيل تتحكم بمصير الفلسطينيين، منتهجة سياسة تخلق من ورائها حقائق جديدة على الأرض، تعزز وضعها وموقفها في أية مفاوضات مستقبلية.

من جهة ثا لثة، تطرح أدبيات أخرى أن الفشل كان نتيجة تأجيل مناقشة قضايا الصراع الأساسية والحساسة، والمتعلقة بالقدس واللاجئين والحدود والمستوطنات، إلى مرحلة لاحقة. ذلك أن إبقاء القضايا المركزية دون حل مبدئي، من شأنه أن يبقي الاتفاق مفتوحاً ورهينة بالتطورات الميدانية التي ستحصل على الأرض، خاصة وأنه لم يتم تقديم أي ضمانات بشأن صورة وشكل الحل الدائم .

إلاّ أنه وبعد استعراض بعض من أهم أسباب فشل اتفاق أوسلو، يبدو ضرورياً أن نؤكد على أن أسباب فشل الاتفاق هي أسباب مترابطة ومبنية على بعضها البعض، ولا يمكن فصلها أو تجزئتها بأن نعزو أسباب فشل الاتفاق إلى سب من الأسباب دون الآخر . غير أنه وبهدف الاستفادة العلمية، وتحقيق نقد ذاتي أفضل، فإنه من الضرورة بمكان تقديم تقييم لأحد تلك الأسباب وتوضيحها، بحيث سيتم إفراد السطور اللاحقة لواحد من أهم أسباب الفشل، ألا وهو نصوص الاتفاقيات. و حقيقة التركيز على هذا السبب دون غيره تكمن في عدة أمور يمكن تلخيصها في الآتي:

أولاً: إن نصوص الاتفاقيات التي يتم توقيعها بين الأطراف المتنازعة تكون ذات أهمية خاصة، لأنها توضح شكل العلاقة التي ستحكم الطرفين في وقت لاحق، وهي الانعكاس الحقيقي لرغبات ونوايا الطرف الأقوى والمسيطر.

ثانياً: إن نصوص الاتفاقيات التي تم التوقيع عليه ا بين الجانبين، يتنافى مع ما تم الإعلان عنه من أنه سيؤدي في نهاية المطاف إلى خلق جو من التعايش السلمي الآمن بينهما، فقد جاءت مواد الاتفاق وفحواه على شكل ألغام موقوتة تُسهم في لحظة تطبيقها بالحرفية التي وردت بها في تفجير الوضع على الأرض، وسيتم توضيح هذا الأمر لاحقاً.

ثالثاً: إن دراسة نصوص الاتفاق مثيرة للاهتمام، لأن الماكينة الإعلامية في الجانب الفلسطيني والتي سوقت له، أكدت على أنه سيؤدي في نهاية المطاف إلى قيام دولة فلسطينية. والمتلقي لهذه الادعاءات دون قراءة النصوص يفترض أن هذا ما سيقوده إليه تطبيق الاتفاق، لذلك كانت هنالك حاجة للتأكيد على أن النص لم يُورد في مواده ما يُشير إشارة واحدة أن نهاية الاتفاق ستؤدي إلى قيام دولة فلسطينية، وأنه وحتى وإن تم الاعتماد على بعض التصريحات في الجانب الإسرائيلي بأن قيام دولة فلسطينية سيأتي نتيجة تطبيق الاتفاق، فإن السؤال الحقيقي هنا يتعلق بشكل الدولة التي ستكون وليدة اتفاق مماثل.

لذلك، ولفهم مكامن الضعف في الاتفاق، فإنه لا بد من التطرق أولاً إلى شكله العام وتوضيح مكامن الخلل فيه، ومن ثم التطرق إلى خصائصه التفصيلية.

الشكل العام للاتفاق

يمكن تحديد طبيعة الشكل العام للاتفاق استناداً إلى القواعد الأساسية التي ارتكز عليها بشكل رئيس، واستناداً إلى طبيعة مواده وبنوده. إذ يرتكز الاتفاق على مجموعة من القواعد التي من المفترض أنها كانت تهدف إلى وضع حد للصراع بين الجانبين والتأسيس لبناء الثقة بينهما. ومن خلال النظر إلى طبيعة مواد وبنود تلك الأسس والشكل الذي جاءت عليه، يمكن معرفة مدى ثبات هذه الأسس في مواجهة العقبات التي وقفت أمام التوصل إلى حالة من إنهاء الصراع. و تتلخص هذه الأسس في الآتي:

1. الاعتراف المتبادل بالحقوق الشرعية والسياسية لكلا الجانبين؛ حكومة "دولة إسرائيل " ومنظمة التحرير الفلسطينية ( م.ت.ف).

2. تحقيق تسوية سلمية عادلة دائمة وشاملة تنهي المواجهة وتؤدي إلى الاعتراف المتبادل والعيش في ظل تعايش سلمي بكرامة وأمن متبادلين .

3. تقوم هذه التسوية على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338، وتؤدي إ لى تطبيق القرارين.

4. تطبيق بنود الاتفاقية بالتدريج وفقاً لسياسة الخطوة خطوة، وبالاستناد إلى فترة انتقالية لا تتجاوز الخمس سنوات.

بفحص القواعد والأسس التي قام عليها الاتفاق بنداً بنداً، والتي أشرنا إليها ضمن النقاط السابقة، فإننا نؤكد على الفرضية القائلة بعمومية وغموض ومرحلية الاتفاق. إذ أن البند الأول المتعلق بالاعتراف المتبادل بالحقوق الشرعية والسياسية يبقى فضفاضاً لجهة تعريف وتحديد هذه الحقوق فيما يخص الفلسطينيين ، إذ لا يورد الاتفاق تعريفاً واضحاً لما يعنيه مصطلح الحقوق الشرعية، بمعنى أن هذه الحقوق بقيت مفتوحة وخاضعة لقناعات كل جانب في هذا الشأن. والاتفاق يجمع في الحقوق بين الجانبين، فوثيقة إعلان المبادئ تنص على أن " حكومة دولة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.... يتفقان على أن الوقت قد حان لإنهاء عقود من المواجهة والنزاع والاعتراف بحقوقها الشرعية والسياسية".

ومن الضرورة بمكان هنا الإشارة إلى طبيعة الحقوق التي يتحدث عنها كل جانب بصفته الذاتية لحظة توقيعه على الاتفاق. فإسرائيل، وهي قوة إقليمية في المنطقة، قد وقعت على الاتفاق بصفتها وهيئتها كدولة، ترغب في تحقيق مكاسب سياسية وأمنية، في حين وقعت م.ت.ف على الاتفاق بصفتها حركة تحرر تمثل الشعب الفلسطيني، وتطمح في التحول من صفتها "التحررية" ل تأخذ صفة الدولانية وما يتمخض عنها من حقوق.

فبينما تشير وثائق م.ت.ف وتصريحات المسؤولين الفلسطينيين إ لى أن حقوق الشعب الفلسطيني تتضمن فيما تتضمن حق العودة وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، لا يرى الجانب الإسرائيلي أي إمكانية لتفسير هذه الحقوق على هذا النحو. وفي الوقت ذاته يتعامل الاتفاق مع هذه الحقوق بغموض مطلق دون أن يورد أي تفسير لها مع إحالة بعض منها إلى القضايا التي ستناقش ضمن مفاوضات الوضع النهائي. فقد تم التطرق إلى القضايا التي تهم نا ك فلسطينيين من خلال ثلاث عبارات شديدة الغموض، وتعتبر عبارة (الحقوق الشرعية والسياسية المتبادلة) إحداها. كما أن استخدام كلمة (المتبادلة)، في الإشارة إلى الحقوق الشرعية، إنما يضع الحقوق الفلسطينية في كفة واحدة وبالتساوي مع الحقوق الإسرائيلية ، وهي معادلة مغلوطة تجحف بحقوق الشعب الفلسطيني ، وتعطي حقاً لمن لا حق له.

و هذا الطرح يتناقض مع طرح آخر، مفاده أن أهمية الاتفاق تنبع من أنه يتضمن ولأول مرة اعترافاً رسمياً إسرائيلياً بالشعب الفلسطيني وبالحقوق الشرعية والسياسية لهذا الشعب، بحيث يتم التركيز هنا على أهمية الاعتراف المتبادل حتى وإن لم تتم الإشارة إ لى الحقوق الفلسطينية بشكل واضح وصريح. وذلك استناداً إلى فكرة أ ن الاعتراف المتبادل يعني إقرار اً متبادل اً بوجود الطرفين ويضع النواة لتجسيد الكيانية الفلسطينية.

وإذا ما نوقش هذا الطرح في ضوء التفسيرات الإسرائيلية للحقوق الفلسطينية ، فإنه يُ صبح من الصعوبة بمكان تجسيد الكينونة الفلسطينية القائمة على الاعتراف بهذه الحقوق، فإغفال الاتفاق لهذه الحقوق وعدم تسميتها لا يعكس الفرضية القائلة أن مجرد الإشارة لها يعني اعترافا ضمنياً بها. فللإبهام الوارد بشأن الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني مغزاه في إطار التصور المستقبلي الإسرائيلي لهذه الحقوق والذي يفصل ما بين هذه الحقوق وأرض فلسطين.

أما البند الثاني المتعلق بأن هدف الاتفاق هو تحقيق تسوية سلمية عادلة ودائمة وشاملة، في حمل الكثير من العبارات الفضفاضة. فما هو نوع هذه التسوية السلمية؟ وما هو مفهوم العدل؟ وكيف يمكن اللجوء الى إطلاق صفة (العدل) على الأفعال؟ ومن هو صاحب القرار في اعتبار هذه التسوية عادلة وشاملة؟ فالمفهوم الإسرائيلي للتسوية لا يعني بالضرورة تحقيق السلام العادل والكامل وفقاً للمفهوم الفلسطيني لهذا السلام ، إذ ذكر رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين في خطابه أمام الكنيست بتاريخ 30/8/1993 إن المقصود من السلام مع الفلسطينيين هو إنشاء تسوية مرحلية وليس سلاماً كاملاًُ. في حين كان يرى الجانب الفلسطيني أن المقصود من التسوية هو تحقيق سلام كامل يؤدي في نهاية المطاف إلى إقامة كيان فلسطيني ذي سيادة.

أمّا البند الثالث ، الذي أشار إلى أن التسوية تقوم على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338، فإنه لا يقل غموضاً عن سابقيه، إذ أن الاستناد إلى هذين القرارين، وتحديداً القرار 242، يزيد من حدة غموض مسألة التسوية، ذلك لأنه ، أصلاً، مثار خلاف وجدال قانوني مستمر بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإحالة الغامض على الغامض هو كمن ي ُعرِّ ف المجهول بالمجهول. فلم يؤكد إعلان المبادئ على كون القرارين منطلقاً للتفاوض في إطار المرجعية الدولية، بل جاءت هذه الإشارة لبيان أن تطبيقهم ا هو "هدف" عملية التفاوض، دون تقديم أي تفسير لهما يفصل بين تعارض التفسير العربي والتفسير الإسرائيلي، فضلاً عن أن الغموض الذي تعكسه نصوص الاتفاق بمجملها لا ت ُساعد على تجاوز ذلك التعارض. وينعكس هذا التعارض بين التفسيرين على نصوص الاتفاق التي لم ت ُشر إلى أن حدود 1967 هي حدود سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني، ما يعني أن تعريف حدود السلطة ضمن منطقة الضفة الغربية و قطاع غزة سيبقى خاضعاً للتعريف الإسرائيلي لهاتين المنطقتين في ضوء التفسير الإسرائيلي للقرار 242، وبحكم أن إسرائيل تملك جميع مقدرات التصرف الأحادي، وهو ما انعكس فعلاً في محاولة فك الارتباط عن قطاع غزة .

خصائص الاتفاق التفصيلية

أما خصائص الاتفاق التفصيلية، فتتمثل في اتسامه بالتدرج والمرحلية إلى جانب الغموض والعمومية، فبالتدقيق في التركيبة العامة للاتفاق نجد أن السياسة العامة التي بُني عليها تستند إلى ضرورة اتصافه بتلك الخاصيتين، فدونهما لكان من الصعب، حسب رواية موقعي الاتفاق، التوصل إلى ما تم التوصل إليه. إذ نجد أن خاصية ال غموض تلف معظم بنود الاتفاق ونصوصه، فليست هنالك تعريفات واضحة للعديد من المفاهيم الأساسية والرئيسة التي قد تشكل حلقة وصل بين حالات الأزمة والانفراج، فبقيت مواضيع عديدة مفتوحة للتفسيرات التي سيقدمها كل طرف للاتفاق.

أما المرحلية فيُقصد بها ، الاعتماد على منهج التدرّج من أجل التوصل إلى حل للصراع بين الطرفين. إذ لن يتم حل الصراع دفعة واحدة، بل سيكون على مراحل، بحيث تؤدي كل مرحلة منها إلى الأخرى وتُعتبر مقدمة لها؛ وتنقسم كل مرحلة إلى مجموعة من الإجراءات التي تقوم بالأساس على إتباع فلسفة التدرّج في تطبيقها. والمشكلة الكبرى التي خلقتها مرحلية الاتفاق تتمثل في أنه جعله مفتوحاً أمام مخاطر عدة، أهمها استغلال تلك الفترات لتقويض أسسه.

بالتالي، ساهمت سياسة التدرج بشكل كبير في إفشال عملية السلام، فكانت خطأً استراتيجياً في اتفاق أوسلو. إذ كان من الضروري التوصل إلى تسوية وحل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي دفعة واحدة ، ودون الدخول في متاهات الجداول والفترات الزمنية وترتيبات السياسة المرحلية. فهذه الترتيبات لم تعمل كممر يمهد الطريق للحل الدائم كما كان متوقعاً، بل تحولت إلى طريق نحو تجديد المواجهة والصراع. ولم يتم التعامل معها كمساحة زمنية من أجل الاستعداد للمفاوضات النهائية وإنما كوسيلة وأداة تعزز من فرص كل طرف ومن مقدرته على المساومة في مفاوضات الوضع الدائم.

وقفة نقدية

لا ريب أن توقعاتنا كفلسطينيين إثر توقيع اتفاق إعلان المبادئ، كانت تتمحور في أن تؤدي نهاية المرحلة الانتقالية إلى إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة وتتمتع بسيادة واستقلال ذاتي، وأن يحي الشعب الفلسطيني حراً مقرراً لمصيره. غير أن توقعات الفلسطينيين لم تتماشى وصورة الأوضاع على الأرض ، والتي كانت تنفي إمكانية الانتقال بتلك التوقعات من نطاق الآمال إلى نطاق الحقيقة.

ومن الواضح أن أهم إ خفاق في أوسلو قد تعلق بموضوع الدولة الفلسطينية. إذ ظهر مفهوم أساسي أمام إعاقة قيام ها وتعلق بالسيادة الفلسطينية والتطبيقات العملية لهذه السيادة، فقد حسمت نصوص الاتفاق موضوع السيطرة والسيادة الفعلية لصالح الطرف الإسرائيلي، وذلك بفعل الغموض المحيط بالعبارات المتعلقة بالسيادة.

فقد بقي الاحتلال موجودا وازدادت معدلات الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، وفي الوقت الذي توقع فيه الفلسطينيون من الإسرائيليين أن يتصرفوا كأن الاحتلال قد انتهى تقريبا، تصرف الإسرائيليون كأن الاحتلال مازال سيتعين عليه أن يبدأ بالانحسار. وبينما عني إعلان المبادئ، بالنسبة للفلسطينيين، انسحابا كاملا ً ونهائيا ً، ودولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، لم يمثل الاتفاق بالنسبة لإسرائيل قاعدة انطلاق لدولة فلسطينية أو للانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية، كما أنه لا يمثل أي تخفيف من السيطرة الإسرائيلية على أي جزء من القدس والمستوطنات في الأراضي المحتلة.

ورغم عدم وجود نوايا حسنة لدى الجانب الإسرائيلي في أن يطبق الاتفاق، فإن نصوص الاتفاق أيضاً قد سمحت له بالتنصل من تطبيقها نتيجة لعموميتها وغموض مفاهيمها ونهجها المتمرحل. لذلك، فإن هذا جميعه يقتضي منا، وقفة جدية نتحمل من خلالها مسؤولية حقيقية في توجيه النقد لأنفسنا، كي لا نكرر أخطائنا أولاً، وكي لا نسهم بأيدينا في عرقلة ما نريد الوصول إليه من أهداف ثانياً.

* باحثة في المجلس التشريعي الفلسطيني