فيما واصلت وحدات من الجيش السوري عملية إعادة الانتشار في لبنان تصاعدت الحرب الكلامية بين اقطاب الحكم والموالين لسوريا من جهة وبين المعارضة من جهة اخرى دفعت ببعض المحللين الى الاعتقاد بان الوضع يذكر بأجواء عشية الحرب الأهلية.
الجيش السوري يواصل عملية إعادة الانتشار
انسحبت بضع وحدات عسكرية سورية من لبنان في الساعات الاولى من صباح يوم الخميس في إطار عملية إعادة انتشار أوسع للقوات السورية أشادت بها الولايات المتحدة.
وقال شهود ان قافلة عسكرية سورية من حوالي 65 مركبة مدرعة وشاحنات محملة بالمعدات وحافلات تقل جنودا عبرت الحدود الشرقية الى سوريا بعد منتصف الليل على الطريق الرئيسي بين دمشق وبيروت.
وأعلن مسؤولون لبنانيون الثلاثاء ان بعضا من الجنود السوريين في لبنان البالغ عددهم حوالي 17 ألف جندي سيغادروا مواقع قرب العاصمة اللبنانية على مدى الأيام القادمة وسيعاد انتشارهم في سهل البقاع أو يعودون الى سوريا.
وتشمل عملية إعادة الانتشار التي يبدو انها محاولة لتخفيف ضغوط تقودها الولايات المتحدة بشأن النفوذ السوري في لبنان حوالي ثلاثة جندي.
غير ان سورياً المحت بوضوح الى احتمال العودة عن عملية اعادة الانتشار اذا اقتضت الضرورة ذلك في المستقبل وان هذه العملية "لم تأت ارضاء لاي ارادات خارجية"، على ما كتبت صحيفة "البعث" الناطقة باسم حزب البعث الحاكم في سوريا.
وقالت: “ان المعيار الحقيقي، الوحيد، لاي تحرك في مجال العلاقات السورية - اللبنانية، هو الارادة المشتركة لدولتين مستقلتين” و”لا يمكن ان يكون هناك معيار آخر يتعلق بأية علاقة خارج خط بيروت – دمشق السالك أبداً “او لارضاء اية ارادات خارجية". وأضافت ان قرار اعادة الانتشار “جاء ثمرة لشعور لبناني – سوري مشترك بأن عملية استقرار لبنان قطعت اشواطاً جيدة نسبياً”. و”لا بد من التذكير هنا بما قاله وزير الاعلام اللبناني ميشال سماحة من ان اي خطر على استقرار لبنان سيؤدي الى اعادة انتشار واسعة، ولكن في الاتجاه المعاكس(...) وما زال ماثلاً امام لبنان الخطر الكبير الذي سيواجهه هذا البلد، مع سوريا، في المستقبل، خطر التوطين وانتقاص حق العودة للفلسطينيين الى ديارهم. هذه “القنبلة الموقوتة" الاسرائيلية، المدعومة من الكونغرس الاميركي، تمثل عدوانا سكانياً على لبنان وسوريا والفلسطينيين”.
تصاعد الحرب الكلامية بين الموالين والمعارضة
سياسيا، تصاعدت الحرب الكلامية بين مؤيدي التمديد للرئيس اللبناني اميل لحود الموالين لسوريا من جهة وبين المعارضة اللبنانية وكان أبرزها ما وصفته بعض وسائل الاعلام اللبنانية بالحملة المبرمجة على النائب وليد جنبلاط زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي التي وصلت الى حد "تخوينه" واتهامه بالفساد وهدر المال العام. هذه الحملة التي جاءت على خلفية موقف جنبلاط الذي اعتبر فيه عملية التمديد غير شرعية داعيا الرئيس لحود الى الاستقالة إنقاذا للوضع الداخلي اللبناني.
تخوين جنبلاط
وكان ابرز مهاجمي النائب جنبلاط الوزير عاصم قانصوه (بعث سوري) فقد قال في مؤتمر صحفي عقده في مجلس النواب امس الاربعاء إن ما يقوم به جنبلاط من محاولات للتقرب من شعارات المعارضة والعزف على الاوتار المذهبية والطائفية والاقلوية بات امرا مكشوفا ووسيلة تضليلية رخيصة لم تعد تنطلي على احد "فلماذا يشكك جنبلاط في خطوة اعادة الانتشار في الوقت الذي رحب العالم بها، وهل هي خدمة للداخل ام خدمة لمعلميه الانكليز"؟
وقد انضم الى الوزير قانصوه في الهجمة على جنبلاط عشرات الشخصيات النيابية بينها بيان "اللقاء الوطني"، رد الرئيس لحود بطريقة غير مباشرة على جنبلاط بقوله امس، ان ما يردده البعض من مواقف ترتكز على حسابات شخصية لن يجعله يتراجع عن دعوته الجميع للحوار والمشاركة في صنع مستقبل لبنان، "لأن اللبنانيين باتوا يرفضون ان يكونوا وقودا لمعارك وهمية ولرهانات اثبتت الاحداث انها لم تكن لمصلحتهم ولا لمصلحة وحدة وطنهم، وقدرته على مواجهة التحديات الماثلة أمامنا".
وفي موازاة الحملة المبرمجة على جنبلاط دعت امس “الاحزاب والقوى الوطنية"، الموالية لسوريا، التي تضم أحزاب السوري القومي الاجتماعي والبعث والكتائب والطاشناق و”حزب الله” و”امل” و”التنظيم الشعبي الناصري” و”الاتحاد” و”اللجان والروابط” اضافة الى رئيس “اللقاء التشاوري” النائب قبلان عيسى الخوري ورئيس الاتحاد العمالي العام غسان غصن الى ما سمي “اللقاء التضامني دفاعا عن الحريات وسيادة لبنان في مواجهة التدخلات الخارجية”، اليوم في فندق "الكومودور – ميريديان" في الحمراء ببيروت.
مواقف المعارضة
اما المعارضة فقد عقدت شخصيتها وقواها اجتماعا في فندق "بريستول" ببيروت، تحت عنوان "استعادة الجمهورية والنظام الديموقراطي من الدولة الامنية ونظامها"، وتصحيح العلاقات اللبنانية – السورية على أساس تنفيذ اتفاق الطائف.
موقف البطريرك صفير
وفي مواقف المعارضة اكد البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية، الاربعاء، ان "الاوان قد آن ليتمكن لبنان من التصرف كبلد سيد ويدير شؤونه الخاصة بنفسه" من دون التدخل السوري.
وطالب صفير باقامة علاقات ديبلوماسية بين لبنان وسوريا قائلا "ان ما ينقص هو ان يتعامل البلدان كدولتين سيدتين ومتساويتين بتبادل البعثات الديبلوماسية كما هي الحال بين الدول المستقلة وبين لبنان وجميع الدول العربية". واعرب عن "ارتياحه” الى اعادة الانتشار السوري "اياً تكن دوافع سوريا". وقال: “لكننا ما زلنا ننتظر، لان المهم هو ان يتحرر لبنان من كل القوات الاجنبية” طبقاً للقرار 1559”، مضيفاً: “ننتظر حكم (الامين العام للامم المتحدة كوفي) عنان لنعرف ما اذا كنا داخل الشرعية او خارجها”.
واذ ايد “حكومة وحدة وطنية”، قال “حان الوقت لمصالحة وطنية ومشاركة كل الاحزاب في هذا البلد في بناء حكومة جديدة”، آملا في “أن نقلب صفحة ونفتح صفحة اخرى”.
رد جنبلاط
النائب وليد جنبلاط وعد في اجتماع "البريستول" بالرد اليوم على مهاجميه عبر برنامج “كلام الناس” من “المؤسسة اللبنانية للارسال”. وابلغ "هيئة الاذاعة البريطانية" الـ"بي بي سي" ان دعوته الى استقالة الرئيس اميل لحود تعود الى اعتقاده انه "افضل حل لتنقية العلاقات اللبنانية الداخلية للوصول الى مصالحة وطنية حقيقية ولنزع الفتيل الدولي الذي نشأ بعد ما يسمى القرار 1559 من اجل تنقية العلاقات اللبنانية – السورية"”. وقال "لسنا في حاجة الى 1559 لارساء علاقات جدية صحية مع سوريا، وندين هذا القرار لكن طبعا لحود ومن يحيطه اوقعونا في هذا الفخ التافه". وابدى اعتقاده انه “عندما تبرز سوريا انها راعت النظام الديموقراطي وحافظت عليه من طريق العودة عن التمديد فهي تزيل بالتالي الحجج الدولية الواهية من تدخل اميركي وغير اميركي".
وعن اعادة الانتشار السوري قال: "الامر ممتاز اذا كان وفق الطائف، ولكن نحن نريد ان تكون بيننا وبين سوريا علاقات سياسية وثقافية بين دولتين. لا نريد ان تحصر العلاقة بمنظار محض امني".
اجتماع الشرع مع باول
وفي سياق تطورات الوضع اللبناني- السوري عقد في نيويورك امس اجتماعا بين وزير الخارجية الاميركي كولن باول ونظيره السوري فاروق الشرع.
وقد امتد اللقاء اكثر من الوقت المحدد له، وقال المندوب السوري فيصل المقداد "ان الحوار سيستمر". ووصف الشرع اللقاء مع باول بانه "بناء". وعندما سئل عما اذا كان الحوار متفجرا رد وزير الخارجية السوري قائلا "كلا، كان ايجابيا".
ومن جهته، قال مساعد وزير الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الاوسط وليام بيرنز الذي حضر اللقاء ان المحادثات تناولت القرار 1559 الى جانب العراق وقضايا اخرى. وعندما سئل عما اذا كان الحوار سيستكمل قال "نعم"، لكنه لم يحدد موعدا.
ووصف باول محادثاته مع الشرع في اللقاء الاول بين الوزيرين منذ ايار/مايو العام 2003، بانها "ايجابية".
وقال الوزير الاميركي حول عملية اعادة انتشار القوات السورية في لبنان "لاحظنا اعادة نشر بعض القوات السورية.. هذه خطوة ايجابية". لكنه اشار الى انها غير كافية لتلبية طلب مجلس الامن الدولي في القرار 1559، مشيرا الى ان "القرار يطلب من السوريين ان يفعلوا اكثر من ذلك".
الموقف اللبناني الرسمي
من جهته، حدد نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني عصام فارس، في خطابه امام الجمعية العمومية للامم المتحدة مساء امس، موقف لبنان من القرار 1559 فاعلن ان "لبنان لا يريد ان يبقى ولو جندي واحد غير لبناني على ارضه"، لكنه اشار الى انه "اذا كان هناك اختلاف بيننا وبينكم فهو في مسألة توقيت هذا الانسحاب لا في مبدأ الانسحاب"، مشيرا بذلك الى أن القوات السورية موجودة بموافقة لبنان. كما اعتبر الوجه المتعلق بتعديل الدستور “تدخلا في شؤوننا الداخلية لا نرضاه". لكنه شدد على "التزام لبنان القانون الدولي". –(البوابة)—(مصادر متعددة)
