وتأتي إعادة التقييم فيما تتزايد الضغوط من الكونغرس ومن حلفاء الولايات المتحدة كي تعيد إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما النظر في تقييم عام 2007 بعد أن كُشف النّقاب عن أنشطة نووية جديدة تقوم بها إيران. فقد شكّكت أجهزة المخابرات الألمانية والفرنسية والبريطانية جميعها في الأشهر الأخيرة في النتائج التي توصّل إليها تقدير المخابرات القومية الأميركية عام 2007، بحسب آراء مسؤولين أوروبيين اطّلعوا على تبادل الآراء حول التقييم.
وكانت التقارير حول وضع إمكانيات إيران النووية مشحونة سياسياً طوال سنوات داخل واشنطن وفي صفوف حلفاء الولايات المتحدة والمؤسسات الدولية كالوكالة الدولية للطاقة الذرية.
تشكل إعادة تحديث تقدير للمخابرات القومية مهمّة بالغة الأهمية لأنها أكثر التقارير الإستخباراتية الأميركية شمولية وتعكس رأي أجهزة المخابرات الأميركية الستة عشر كافة. وقد سبّب التقرير الذي صدر في العام 2007 معضلة سياسية لإدارة بوش عندما انتقد الجمهوريون وبعض الحكومات الحليفة للإدارة الأميركية كإسرائيل الاستنتاج العام الواسع بأن إيران قد عدلت عن مطامحها النووية.
والجدير بالذكر أن التقرير الأميركي المذكور قد تراجع عن استنتاجات سابقة أفادت بأن ايران تباشر برنامجاً لإنتاج أسلحة نووية. وقال التقرير إنه توصّل "بدرجة كبيرة من الثقة" إلى أن إيران أوقفت برنامجها لإنتاج الأسلحة النووية في العام 2003 وخلص "بقدر معتدل من الثقة" الى أن إيران لم تستأنف البرنامج حتى منتصف عام 2007.
مسؤول كبير في الاستخبارات الأميركية قال إن مسؤولي الاستخبارات "غير مستعدّين للإعلان أنه اصبح بحكم الملغى" حتى الآن، مؤكّداً أن التقييم يغطّي الفترة من العام 2003 حتى العام 2007 . وأشار المسؤول نفسه الى أن ذلك يترك مجالاّ لإعادة تقييم للفترة التي أعقبت استكمال التقرير في كانون الاول 2007 ، مضيفًا أن أجهزة المخابرات "لديها قدر من المعلومات أكبر بكثير منذ أن أجرينا تقدير الاستخبارات القومية". وتابع قائلاّ إن بعض المعلومات "تتّفق بدقّة مع ما كان لدينا من قبل بينما تدفعنا معلومات أخرى إلى إعادة تقييم ما رأيناه من قبل".
في حال تم إجراء إعادة تقييم، فيُرجّح ألاّ يكون تقدير الإستخبارات القومية الجديد متاحاً قبل أشهر. لقد حدّدت الولايات المتحدة وحلفاؤها مهلة زمنية غير رسمية حتى كانون الأول كي تتقيد إيران بالمطالب الغربية التي تدعوها إلى توقيف تخصيب الأورانيوم تحت طائلة مواجهة عقوبات اقتصادية جديدة.
وأي تغيير يطرأ على الموقف الرسمي لأجهزة المخابرات الأميركية، مفاده أن إيران قد استأنفت نشاطها النووي أو أن مطامحها قد ازدادت، قد يؤثر بشكل بالغ على جهود الرئيس أوباما لاستخدام الديبلوماسية لكبح إمكانيات طهران.
من المُحتمل اختصار أي مدة زمنية محددة للمفاوضات في حال خلص أي تقدير جديد للاستخبارات القومية إلى أن طهران قد استأنفت مساعيها لإنتاج أسلحة نووية، على حدّ قول بعض المسؤولين المعنيين بالنشاط الديبلوماسي. ويمكن للبيت الأبيض أن يستخدم التقرير الجديد لحشد تأييد دولي أوسع لفرض عقوبات على طهران.
وفي هذا الإطار، قال مسؤول أوروبي معني بالملف الإيراني "إن البلدان باتت غير قادرة على الاختباء خلف تقدير الاستخبارات القومية".
هذا وقال مسؤول كبير آخر في الاستخبارات الأميركية إن مسؤولي المخابرات يناقشون ما إذا كانوا سيجرون تحديثًا لتقرير العام 2007 حول إمكانيات إيران النووية، ولكن لم يُتّخذ بعد أي قرار حول بدء عملية إعادة التقييم.
وفي معرض إشارته إلى ما كشف عنه أوباما مؤخّراً حول قيام طهران ببناء منشأة لتخصيب الأورانيوم بالسرّ في قاعدة عسكرية خارج مدينة قم المقدسة أضاف هذا المسؤول: "في المستقبل القريب، سترغب جماعة المحلّلين لدينا بإعادة النظر في آرائنا حول نوايا إيرن وتسلّحها، في ضوء ما تم كشفه في قم ووفق المعلومات الأخرى التي تردنا".
وكان محلّلو الاستخبارات يزوّدون البيت الأبيض باستمرار بتحاليل أقصر مؤلّفة من صفحتين أو ثلاث صفحات عن إيران، "وقد أعرب مكتب نائب الرئيس الأميركي جو بايدن ومسؤولون في مجلس الأمن القومي عن اهتمامهم في إجراء تقدير جديد"، على حدّ تعبير أحد الأشخاص المطّلعين على الموضوع.
ورفض ممثّلو مدير المخابرات القومية ونائب الرئيس ومجلس الأمن القومي التعليق على ذلك.
بالإضافة إلى عملية الكشف عن منشأة قم، لقد جمعت أجهزة المخابرات الأوروبية ومفتّشو الأمم المتحدة معلومات جديدة تفيد بأن إيران قد استنأفت نشاط إنتاج الأسلحة.
في السياق ذاته، شكّكت أجهزة المخابرات الألمانية، BND، بمصداقية تقدير الاستخبارات القومية الأميركية علناً، من خلال إفصاحها عن معلومات، أثناء دعوى قضائية أُقيمت هذا العام، تشير إلى استمرار نشاط إيران لإنتاج الأسلحة النووية. وقدّمت هذه الأجهزة تفاصيل عن قيام إيران بعمليات شراء لكاميرات عالية السرعة وكاشفات إشعاع يمكن استخدامها لاختبار التفجيرات الذرية.
في هذه الأثناء، قدّمت الوكالة الدولية للطاقة الذرية ورقة عمل بيّنت بالتفصيل أدلّة تفيد بأن إيران لا تزال تختبر تصاميم رؤوس حربية نووية، بحسب أشخاص قد اطّلعوا عليها.
دايفد أولبرايت، مفتّش الأسلحة السابق في الأمم المتحدة ورئيس معهد واشنطن للعلوم والأمن الدولي، الذي كان قد اطّلع على أجزاء من الورقة التي أعدتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية قال: "إن مصداقية الولايات المتحدة تتعرّض للتشكيك بشكل مباشر من جانب أقرب الحلفاء لها".
هذا في حين يدعو المشرّعون من الحزبين (الديمقراطي والجمهوري) في الولايات المتحدة إلى إجراء تقييمات جديدة، وقالت جاين هيرمن، النائبة الجمهورية عن كاليفورنيا ورئيسة لجنة الاستخبارات الفرعية التابعة للجنة الأمن الداخلي لمجلس النواب والتي كانت مسؤولة رئيسية في لجنة استخبارات مجلس النواب: "نحتاج إلى وصف إستخباراتي أفضل لِوضع إيران". وأضافت أنه يجب على مسؤولي المخابرات أن يفترضوا أن الكشف الحديث عن منشأة سرية لتخصيب الأورانيوم قد لا يكون الوحيد، إلى أن يثبتوا عدم صحّة ذلك الافتراض.
