بدء التحقيق في ”النووي” السوري ودمشق متفائلة

تاريخ النشر: 22 يونيو 2008 - 07:53 GMT

يصل خبراء من الوكالة الدولية للطاقة النووية الى سوريا اليوم الاحد للتحقيق في مشروع مفترض لبناء مفاعل نووي سري في الصحراء السورية.

وسيعاين الفريق الذي يقوده نائب المدير العام للوكالة اولي هاينونن عن قرب مبنى تؤكد الولايات المتحدة انه كان يخفي مفاعلا نوويا بني بمساعدة كوريا الشمالية قبل ان تدمره غارة اسرائيلية في ايلول/سبتمبر الماضي.

وستنشر نتائج مهمة البعثة في تقرير سيناقش في الاجتماع المقبل للوكالة في ايلول/سبتمبر في فيينا.

وكان المدير العام للوكالة محمد البرادعي اعلن عن هذه الزيارة التي تستمر حتى الثلاثاء خلال اجتماع مجلس حكام الوكالة مطلع الشهر الجاري.

وتأتي هذه المهمة اثر نشر الاميركيين وثائق سرية تشير الى ان اعمال بناء هذا المفاعل النووي كانت على وشك الانتهاء.

ورفضت الحكومة السورية المتحالفة مع ايران في مواجهة الولايات المتحدة المعلومات الاميركية مؤكدة ان المبنى الذي دمر كان مركزا عسكريا قديما.

وتبدو المهمة اصعب بعدما ذكرت معلومات ان سوريا قامت بعد الغارة الاسرائيلية التي وقعت في ايلول/سبتمبر الماضي بتنظيف الموقع من الركام في نهاية العام الماضي.

واكد الرئيس السوري بشار الاسد ورئيس الوكالة السورية للطاقة الذرية ابراهيم عثمان للوكالة تعاون سوريا في هذه المسألة.

وقال الرئيس السوري مؤخرا ان "سوريا هي التي دعت وفد" الوكالة الذرية آملا ان يتوجه هذا الوفد الى سوريا ويزور الموقع المفترض.

لكن دبلوماسيين قريبين من الوكالة الدولية في فيينا ذكروا ان دمشق ستسمح للبعثة بتفتيش موقع الكبار فقط وليس موقعين او ثلاثة مواقع اخرى تثير اهتمام الخبراء.

من جهته دعا البرادعي دمشق الى التعاون مع الوكالة الدولية لكنه قال في مقابلة مع قناة "العربية" الفضائية ان "الوكالة لا تملك ادلة على ان سوريا تملك الدراية الفنية او الوقود الذي يمكنها من تشغيل منشأة نووية على نطاق كبير".

واضاف ان الوكالة "لا تملك ادلة على ان سوريا تملك الموارد البشرية التي تسمح لها بتولي برنامج نووي كبير (...) ولم ترصد امتلاك سوريا للوقود النووي".

واخيرا ذكرت مجلة "دير شبيغل" الالمانية ان دمشق وبيونغ يانغ ساعدتا طهران على تطوير برنامجها النووي عبر بناء الموقع النووي المفترض في سوريا.

وتضيف المجلة في عددها الذي يصدر الاثنين انه كان يفترض ان يستخدم موقع الكبار في مشروع عسكري مشترك بين سوريا وكوريا الشمالية وايران موضحة انه كان مفاعلا نوويا لغايات عسكرية.

وتتابع المجلة نقلا عن مصادر في الاستخبارات الالمانية انه كان من المقرر ان تكون المنشأة موقعا مؤقتا لايران تطور فيه قنبلتها النووية بانتظار تمكنها من القيام بذلك على اراضيها.

وسوريا من الدول الموقعة لمعاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية التي ترفض اسرائيل توقيعها.

ومن الواضح أن السوريين لا يشعرون بالرضا تماما تجاه زيارة فريق الوكالة الا أن مزاجهم العام يتسم بالتفاؤل في الوقت الحالي.

وقال سمير التقي مدير مركز الشرق للدراسات بالهاتف من دمشق "يشعر السوريون بثقة كبيرة لان الامور على كل الجبهات تتقدم نحو نوع من المصالحة او التهدئة."

والى جانب محادثات سوريا مع اسرائيل التي تجري بوساطة تركية تحدث أيضا عن محاولات لرأب الصدع بين حركة فتح الفلسطينية وحركة المقاومة الاسلامية (حماس) المدعومة من دمشق فضلا عن التهدئة بين اسرائيل وحماس وهدوء الصراع في لبنان.

وأبدت سوريا التي انسحبت قواتها من لبنان عام 2005 سعادتها بالاتفاق الذي أبرم بين الفرقاء اللبنانيين بوساطة قطرية الشهر الماضي والذي ترجم انتصارا عسكريا حققه حزب الله وحلفاء سوريون اخرون على الفصائل التي تدعمها الولايات المتحدة الى مكاسب سياسية.

وقال جوشوا لانديس خبير الشؤون السورية في جامعة اوكلاهوما "شعر السوريون بالسعادة حين رأوهم يمحون مظاهر قوة الولايات المتحدة."

وأنهى اتفاق الدوحة الذي منح المعارضة بقيادة حزب الله حق النقض (الفتيو) في الحكومة اللبنانية القادمة جمود الموقف السياسي الذي دام 18 شهرا وسمح بانتخاب الرئيس ميشال سليمان.

ودفع هذا بدوره فرنسا الى مكافأة سوريا دبلوماسيا.

وكانت فرنسا جمدت الاتصالات رفيعة المستوى مع سوريا العام الماضي عقب اتهامها بتخريب جهود الوساطة الفرنسية في لبنان.

ووجه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي وصف الدور السوري في اتفاق الدوحة بالايجابي الدعوة لنظيره السوري بشار الاسد لزيارة العاصمة الفرنسية باريس وحضور القمة الاوروبية المتوسطية التي تعقد في 13 تموز/ يوليو والمقرر أن يحضرها ايضا رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت.

وأخمد الاسد التكهنات بأنه ربما يقابل اولمرت على هامش القمة قائلا ان عقد اجتماع لن يكون له معنى دون احراز تقدم في المفاوضات.

وتصر سوريا التي تطالب اسرائيل باعادة مرتفعات الجولان التي احتلتها عام 1967 بأكملها على أن محادثات السلام لن تنجح الا من خلال الانخراط الكامل للولايات المتحدة وهو أمر من غير المرجح أن يتحقق خلال فترة رئاسة الرئيس الامريكي جورج بوش الذي ينظر الى دمشق على أنها حليف "شرير" لايران وللجماعات المعادية للمصالح الامريكية الاسرائيلية.

اذن هل تجري الامور بالفعل كما تريد سوريا خاصة مع تولي رئيس جديد قيادة الولايات المتحدة في العام القادم؟

من يعتقدون أن سوريا جادة بشأن السلام مع اسرائيل ومستعدة لاجراء التعديلات الكبرى في السياسة الخارجية والداخلية التي يقتضيها هذا الامر يتمنون ذلك.

وقال التقي "الموقف ليس من نوعية لننتظر ونرى... يجب توليد الزخم اللازم بحيث تجد الادارة الامريكية الجديدة حين تأتي شيئا لتعمل عليه لا أن تعامل الشرق الاوسط مثلما عاملته ادارة بوش."

وواشنطن التي تعاني من مشاكل جمة في حرب العراق وانتكاسات أخرى "لجدول أعمال الحرية" الخاص ببوش شهدت تدخل تركيا وقطر ومصر ودول أخرى للوساطة في صراعات الشرق الاوسط لملء ما وصفه التقي "بالفراغ في الرؤية الامريكية."

وبعد تجاوزها محاولات قادتها الولايات المتحدة لعزلها وفرض عقوبات عليها خلال فترة رئاسة بوش قد تشعر سوريا أنها أثبتت أنها ما زالت قوة اقليمية يجب ايجاد مكان لها.

لكن ليس من المؤكد بأي حال من الاحوال أن الرئيس الاميركي القادم سيقبل بهذا أو يجري أي تغييرات كبرى في السياسة تجاه الشرق الاوسط.

وليس من الواضح أيضا ما اذا كانت اسرائيل مستعدة لمقايضة الجولان بالسلام ودون التأكد من هذا لن تخفف سوريا من علاقاتها مع حماس وحزب الله ناهيك عن تحالفها المتين مع ايران.

اما الفريق الذي يعتقد أن سوريا اكثر اهتماما باعادة تأكيد احكام قبضتها على لبنان عن استعادة الجولان ينظر الى المحادثات غير المباشرة مع اسرائيل على أنها سبيل للهروب من العزلة وكسب الوقت.

وقال نديم شحادة المحلل اللبناني في تشاتام هاوس وهي مؤسسة بحثية في لندن " الاستراتيجية السورية والايرانية واضحة... النجاة حتى نهاية العام. ثم سيكون امامهما عام تنظم خلاله الادارة الاميركية الجديدة أمورها لتعزيز المكاسب التي حققاها ايا كانت وربما اضافة مكاسب جديدة."

وتبدو المكاسب من عقد اتفاق مع اسرائيل واضحة اذ يعيد الاتفاق الارض المفقودة ويرد اعتبار سوريا ويفتح احتمالات حصول اقتصاد دمشق الذي يعاني على مساعدات واستثمارات غربية.

لكن بعض المحللين يتساءلون ما اذا كان حكام سوريا البعثيون الذين يغلب عليهم أعضاء الطائفة العلوية التي ينتمي اليها الاسد يمكن أن يستمروا دون الشرعية التي يستمدونها من معارضة اسرائيل.

وتساءل حازم صاغية وهو كاتب عامود في صحيفة الحياة اليومية بشأن الاساس الذي يمكن أن يستمر عليه النظام اذا حول نفسه الى نظام سلمي له طبيعة أقل عسكرية وما اذا كانت هناك ضمانات بأن الاغلبية السنية لن تحاول الاطاحة به.

وقد يكون لبحث الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن الوضوح بشأن النشاط النووي المزعوم لسوريا تداعيات واسعة النطاق لكن ربما لا يصل الى أي شيء.

وحث مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي دمشق على التعاون مع المفتشين فيما انتقد الولايات المتحدة بشدة لعدم اخطارها الوكالة بشكوكها قبل القصف الاسرائيلي.

وقال البرادعي "أشك في أننا سنعثر على أي شيء هناك الان هذا بافتراض أنه كان هناك أي شيء في المقام الاول."