* تقرير عاطف أبو الرب- جنين
جلبون تقع في أقصى شمال شرق محافظة جنين، يجاورها قرية فقوعة التي تشترك معها في مواجهة الكثير من مشاكل الاحتلال ومستوطنيه. كانت حتى وقت قريب من أكبر قرى المحافظة مساحة، حتى حلت النكبة بفلسطين. سيطر الاحتلال على معظم أراضي القرية، وترك أهلها يواجهون قدرهم بين مجموعة جبال سيطر عليها.
في حالة جلبون فإن الزوال والاندثار أمر أكثر احتمالاً، لكن القرية التي أصر أهلها على البقاء تمكنت من ذلك. فصارت تحبو تارة، وتزحف تارة أخرى بعد أن قطع الاحتلال أطرافها، وتركها بدون أراضيها. وخلال مسيرتها تدحرجت كثيراً، ولكن مع مرور الزمن تمكنت من بناء جذور لها في أعماق الوادي، واليوم أصبحت كما لو أنها خنجر في خاصرة الاحتلال.
ومن نافل القول أن جلبون تعاني من الاحتلال، فالاحتلال والمعاناة متلازمان، وجميع الفلسطينيين في القرى والمدن وفي الشتات عانوا ولا زالوا بفعل هذا الاحتلال ولكن عندما نتحدث عن معاناة قرية دون غيرها، فلأن لهذه القرية قصص مختلفة عن غيرها من القرى. وكما أسلفت فإن المعاناة بدأت مع النكبة، ولا زالت حتى يومنا هذا. وزادت وتيرة هذه المعاناة في الأعوام القليلة الماضية، ترى ما هي طبيعة هذه المعاناة؟
ولن نعود للوراء كثيراً، فلو حاولنا أن نحصي هذه المعاناة منذ بدايات الاحتلال، لما كفانا كتاب بكامله. ولكنني سأنتقل إلى العهد القريب، وقد تمكن الاحتلال من الثورة، وخمد صوتها حتى صار دبيب النمل يسمع أكثر م نصوت الفلسطينيين. ولأن الاحتلال يستغل الظروف ويجيرها لصالح مشروعه الاستيطاني، استأسد ، عفواً استكلب، المستوطنون وأخذوا يزيدون من مضايقاتهم لأهالي القرية.
جغرافيا القرية في عهد الاحتلال:
كما أسلفت فإن القرية زرعت بين مجموعة جبال، ولأن الاحتلال بدرك أهمية القمم والجبال فقد أقام ثلاث مستوطنات علها تتمكن من القرية وتجبر أهلها على هجرتها. فشمال القرية وعلى أراضيها، وأراضي قرية فقوعه أقيمت مستعمرة معالي جلبوع، وذلك مع بدايات الاحتلال. وبعد سنوات وفي سبعينات القرن الماضي، أقام الاحتلال على قمة جبل جنوب القرية مستعمرة ملك يشوع، هذا وفي نهايات القرن الماضي أضاف الاحتلال مستعمرة ميراف شرق القرية. وجميع هذه المستعمرات أقيمت على أراضي المواطنين. هكذا فقد صارت المستعمرات تحيط بالقرية من ثلاث جهات، ولم يبقى سوى الغرب مفتوحاً أمام القرية وأهلها.
جدار الفصل العنصري يلتف حول القرية ويسلب ما تبقى من أرض:
في الوقت الذي نهب الاحتلال معظم أراضي جلبون، التي تمتد حتى الحدود الأردنية، فإن الجدار أكمل خطط الاحتلال بمصادرة ما بقي للقرية من أراضي تقع في الجزء الجنوبي. حيث التف الجدار حول القرية كما الأفعى، وأخذ بمساره الاستعماري ما يزيد على ألفي دونم من أراضي القرية. واليوم يمكن القول أن جلبون لم تعد تملك من الأرض سوى الذي لم يبتلعه الاحتلال، وأخشى أن يأتي يوماً لا يبقى للقرية أي حقول تزرعها.
المستعمرات جيرة قبيحة للقرية:
ولأن المستعمرات إفراز من إفرازات الاحتلال، فغني عن القول بأنها ستكون منغصات على العباد. فلا يمكن للاحتلال إلا أن يأتي بالمعاناة. ومع أن القرية تمكنت من البقاء، ومع أن الأهالي سلموا أمرهم لله، وقال البعض فيهم لنعش ونثبت في أرضنا، ولنترك الأمر لأولي الأمر، فإنهم لم يسلموا من بطش الاحتلال ومستوطنيه. وحيث أن جيران القرية من المستعمرين، فإنهم حتماً سيؤثرون على القرية وسكانها. ولأن المستعمرين هم أصلاً من أصول البلاء، فقد كانت ممارساتهم بحق القرية تأكيداً على هذه الحقيقة.
رائحة البقر وعدمه:
لدى الفلسطينيين مثلاً يقول رائحة الزوج أفضل من عدمه، وفي جلبون رائحة البقر وعدمه سيد الموقف، فالقرية التي تقع في وادي للغرب من مستوطنة ميراف تحولت لمجرى المياه العادمة من مخلفات أبقار هذه المستعمرة. حيث أنه ومنذ سنوات بدأ المستوطنون يحولون المياه الملوثة باتجاه القرية، فصارت تجلب معها كل المكاره الصحية، وصارت رائحة عفن البقر تعبق في سماء القرية، وصارت الأهالي يتفكهون بمقولة رائحة البقر وعدمه، وبذلك حولوا المثل الشعبي المعروف للجميع والذي يقول " رائحة الزوج أفضل من عدمه" .
المجاري تسبب صداع الرأس:
قد يعجز مثلي عن وصف طبيعة الروائح المنبعثة من هذه المجاري التي تخترق القرية من شرقها لغربها، ولكن حتماً من يعانون بفعل هذه المياه هم أقدر على التعبير عما يعانون. فها هي زوجة المواطن أبو غازي تقول وهي تتحرك على غير هدى أمام منزلها: والله الواحد رأسه بدو يتفجر من الريحة، بطلنا نقدر نعيش في البيت، الرائحة تخنقنا، فنخرج من البيت، فنجد الرائحة أقوى من الداخل، ونبقى نخرج وندخل دون أن يتوقف الصداع، فيبدو أن الصداع استوطن رؤوسنا كما استوطنوا أرضنا.
أبو غازي المسن المقعد، يستعين بزوجته فتنقله من مكان لآخر أملاً في التخلص من الرائحة فلا يجد لذلك سبيلاً. يناديها تبعده من مكانه، بعد أن شعر أن البعوض والذباب ينقض عليه، ويقول لها تعالي رشي الذباب، لكنه سرعان ما يدرك أن السبب هو هذه السيل من المجاري، حيث أنه مناخ مناسب للبعوض والحشرات. فيسلم أمره لله، وينادي على زوجته لتساعده على دخول المنزل، والهرب من البعوض والذباب. يقول فيما مضى كنت أجلس أمام المنزل أتنفس الهواء النقي وأرى الطبيعة، وأتحدث مع الناس، ولكن منذ أيام أنا محبس في غرفتي غير قادر على الخروج.
بلال خالد يحبس أولاده منذ عشرة أيام :
أما بلال فهو أب لأطفال صغار اعتادوا اللعب في الشوارع والساحات، كما في كل القرى الفلسطينية. بلال اضطر لإجراء قاس بحق أطفاله، حيث اتفق مع زوجته على أن يحبسوا الأولاد طالما بقيت المياه تتدفق من أمام منزلهم. ويقول لست مختاراً، ولكنني أشعر أن خروج أولادي للشارع قد يؤذيهم ويسبب لهم الأمراض، لذلك ليس أمامنا إلا أن نبقيهم في البيت، مع ما يسببه لهم من توتر. ويقول لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إننا نعيش هذه الأيام حالة من التوتر بفعل هذه الروائح، ويسيطر علينا الخوف من البعوض الذي يدمي الجلود، حيث أن هذه الحشرات قد تحمل معها الأمراض، ونأمل أن ينتهي هذا الوضع وتتوقف معاناتنا.
رئيس مجلس القرية: تحويل المياه للقرية مقصود
رئيس مجلس قروي جلبون سمير أبو الرب يرى أن تحويل المجاري للقرية مقصود من قبل المستعمرة. ويوضح بأن هذه الحظائر التي يتم تحويل مياهها إلى القرية تقع في مناطق جبلية واسعة جداً، وهي مناطق خالية من أي حياة. ويقول للخلف من الحظائر جبال ووديان تخلو من أي حياة، فلا تجمعات سكانية في الطرف الثاني، وهي أراضي تخلو من أي مزارع، ويمكن أن تستوعب كميات كبيرة من المياه دون المساس بأحد. ويضيف أمام إصرار الإسرائيليين على تحويل المياه باتجاه القرية إنما يشير إلى نية سيئة يظهرونها تجاهنا.
وحول ما يقوم به المجلس لمواجهة هذه المشاكل، يقول أبو الرب: ليس أمامنا سوى تقديم مذكرات الاحتجاج، وفي كل مرة تتعرض القرية لهذا الانتهاك نتقدم بمذكرات احتجاج للجهات المختصة، سواء كانت فلسطينية، أو مؤسسات دولية. وبكل أسف يضيف فإن الأمر يبقى على حاله حتى يتخلص المستعمرون من المياه العادمة، وذلك بضخها بشكل كامل في القرية. ويؤكد بأنه وفي كل مرة يحدث ذلك يحضر للقرية ممثلو بعض المؤسسات برفقة الإسرائيليين وذلك أن يتخذوا أي إجراء لوقف هذه الممارسات.
أبو خالد المجاري تحرق المزروعات:
وعن تأثير المياه الملوثة على مناحي الحياة المختلفة، يقول المواطن أبو خالد بأن هذه المياه مشبعة بالكيماويات، هذه المواد تسبب إتلاف وحرق المزروعات، فبعد أيام من جريان المياه في الحقول تجف وتحترق هذه المزروعات. وقد احترقت عدة أشجار في الأعوام الماضية بفعل هذه المياه. ويشير أبو لما يمكن أن تسببه هذه المياه، حيث أن التربة في المواقع الذي تجري فيه المياه تتأثر بشكل واضح، ويتحول لونها ليصبح أسمر، ولا تعد تصلح للزراعة.
ومهما يكن فإن القرية تصر على البقاء ترسم صورة يسمعها البشر، ولسان حال العباد يقول إنا هنا باقون رغم القيد ورغم القهر نصر على الصمود في أرضنا جذورنا تمتد في الأعماق، لا يضيرنا كل ما يقومون به من اعتداءات.
* عاطف أبو الرب كاتب وصحفي فلسطيني يقيم في جنين .