المعاناة والألم واللجوء أصبحت صفات تلازم الفلسطيني في ايامه ولياليه , ورغم هذا كله الا انه لم يتخلى يوما عن الامل وعن تمسكه بحقه في الحياة بكرامة فوق ارضه ووطنه الحر المستقل , هي المأساة زادهم اليومي والملاحقة والخوف والحصار والخوف على المصير وعلى العائلة تقض مضاجعهم شبان ورجال لبوا نداء الواجب والدفاع عن الوطن والامة , حملتهم النخوة والايمان بعدالة قضيتهم الى مشارق الأرض ومغاربها , اقتلعهم المحتل الاسرائلي من وطنهم عنوة وأغلقت بوابات الوطن في وجهوهم لكنهم حاولوا الدخول الى عمق التاريخ والوطن نجح الكثير منهم وطارد العدو هناك فوق جبال القدس ورام الله والخليل واللد وعيلبون وكل شبر من ارض فلسطين, منهم من استشهد وآخرون اعتقلوا ثم طردوا ثانية خارج الوطن , هم في الوطن والوطن فيهم لم يغادرهم يوما تجلس معهم يحدثونك عن بيارات حيفا ويافا واريحا وعنب الخليل والمسجد الاقصى والقدس الشريف, هاماتهم مرفوعة , اثقل ظهورهم هموم حياتهم وصعبوتهم وضبابية مستقبل الاولاد وضياعهم ونحن لا يسعنا الا نصغي وباهتمام الى ما يقوله خليل حسين احد هذه الحالات .
اسمي خليل محمد حسين لاجئ فلسطيني من مدينة يافا لجأت في العام 1948 الى مخيم الفارعة بالقرب من مدينةنابلس , وفي العام 1967 نزحت مع أهلي واقاربي الى الاردن نتيجة الاحتلال الاسرائلي الصهيوني ومجازره للضفة الغربية , لكن رحلة النزوح واللجوء والتشرد لم تكمل دورتها معي , ارادت أن تلطمني بامواجها العاتية لترميني بعيدا في منافي جديدة وهذا ما كان ففي العام 1970 وعلى اثر مجازر ايلول الاسود غادرت الاردن الى لبنان مرورا بسوريا وانا الشبل في حركة التحرير الوطني الفلسطيني " فتح " حيث تعرفت على بعض الحركات الرياضية والتدريبات البسيطة وعلى بندقية " السيمنوف " في معسكر " شلنر " للاشبال .
وفي لبنان استقر بي وبعائلتي المقام في مخيم شاتيلا للاجئيين الفلسطينين , وانا اكبر ويكبر معي حلم فلسطين والعودة والتحرير ولكنها مشيئة الله أن ابقى لاجئا بعيدا عن ارضي ووطني .
في السبعينيات كان يكفي ان تحمل بطاقة منظمة التحرير الفلسطينية " بطاقة الثورة الفلسطينية " لكي تتنقل في ارجاء لبنان , ولكن كان الافضل لك ان تتحاشى المرور على حاجز القاسمية للجيش اللبناني , لانه قد ينتهي بك المطاف الى التوقيف والسجن , ومضت السنيين واصبحت شابا يافعا في سن الزواج وحلم تكوين العائلة والاسرة وبالفعل تزوجت من فتاة فلسطينية من مخيمات شعبنا في لبنان , وتمت الامور على ما يرام فقد كان في تلك الفترة الزمنية يكفي ان تملك بطاقة من منظمة التحرير الفلسطينية لتنجز على ضوئها معاملاتك في المحاكم الشرعية وبعض الدوائر الرسمية اللبنانية وهذا من ميزات اتفاقية القاهرة التي ابرمت في اواخر الستينيات بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة اللبنانية , ونظم بموجبها الوجود الفلسطيني في لبنان .
وبالفعل عقدت قراني على من اخترتها شريكة لحياتي , ينظر الي خليل محملقا وهو يشعل سيكارة من النوع الردئ ويتابع القول في العام 1984 صادفتني اول مشكلة وذلك حينما انجبت زوجني طفلنا الاول , ولم استطيع استخراج وثيقة ميلاد رسمية له مسجلة في الدوائر الرسمية اللبنانية ومصادق عليها من قبل دائرة النفوس او شؤون اللاجئيين الفلسطينيين في لبنان , واليوم وبفضل من الله عندي اربعة ابناء ابنتين وابنيين وقد أصبحوا شبانا وصبايا , ولا يملكون اية اوراق ثبوتية او بطاقات هوية تدلل وتثبت شخصيتهم , فهم لايستطيعون مغادرة المخيم الذي اسكنه اليوم " مخيم عين الحلوة " وبذلك حرموا من اكمال دراستهم الجامعية ولايستطيعون العمل خارج المخيم وذلك بسبب فقدانهم الاوراق الثبوتية او ما يعرف عليهم من اوراق رسمية , وقد زاد من معاناتي ومعناة اولادي القرارات الاخيرة التي اتخذتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئيين الفلسطينين الانروا بحرماننا من الاستفادة من خدماتها الصحية والاستشفائية بعياداتها ومراكزها الطبية او اي نوع اخر من الخدمات تحت مبرر اننا لانملك بطاقة لاجئيين فلسطينين في لبنان .
يتنهد خليل ويقول يلعن ابو الغربة وعيشتها لو مت في بلدي" مش كان احسنلي من هاي البهدلة " ويتابع حديثه عندما اصبت بمرض السكري وقد نقلت الى احدى العيادات للعلاج وانا في حالة مرضية شديدة رفض المشرفون عليها تقديم اي نوع من العلاج او اعطائي تحويل منها الى اي من المتشفيات المتعاقدة معها " الانروا " , ولولا العناية الالهية وتدخل منظمة التحرير الفلسطينية وتغطية علاجي على نفقتها لربما ما كنت اليوم اتحدث معك بهذه الكلمات , وانا اليوم كالكثيرين من زملائي الذين وضعهم وحالتهم مشابهة لحالتي" يارجل شو هاي العيشة والذين وحسب اعتقادي يبلغ تعدادهم " 25" الف نسمة موزعين في كافة المخيمات الفلسطينية في لبنان , لااستطيع الخروج من المخيم او العمل بسبب مرضي وعدم توفر الاوراق الثبوتية لدي , واولادي اصبحوا شبانا وصبايا ولا يستطيعون اكمال تعليمهم في المعاهد " كمعهد سبلبين" او الجامعا ت لعدم توفرالاوراق الثبوتية مما جعلهم وتحت ضغط الحاجة والعوز الى العمل
بأعمال شاقة لاتتناسب معهم من الناحية الجسدية والمعنوية" اعمال العتالة والباطون " داخل المخيم من اجل اعالة انفسهم .
وينظر خليل مليا في دخان سيكارته المتصاعد ثم يتابع انا في حيرة امام تساؤلات اولادي وبشكل ابنتي التي انفصلت عن خطيبها حين وقفت الاوراق عائقا امام اكمال مراسيم الزاج الرسمية " عقد القران " وابني الكبير الذي اصيب بصدمة نفسية حينما اضطر للانفصال عن الفتاة التي اختارها ان تكون شريكة لحياته وكل ذلك بسبب عدم توفر الثبوتيات الشخصية لدينا , اما ابنتي الصغرى فقد تراجعت كثيرا في دراستها من جراء ما تسمعه منا جراء معاناتنا وازماتنا والمشكلات التي تنتج عن عدم امتلاك الاوراق الثبوتية , فهي في تساؤل دائم لنا لماذا أنا دون اقراني في المدرسة لايوجد لدي بطاقة هويةاو شهادة ولادة رسمية مثلهم , وتزداد حيرتها وتصاب بنوبات بكاء هستيرية عندما يسافر اقرانها من فرقة الدبكة للفنون الشعبية الى بلدان عربية واوربية وهي لاتستطيع ذلك لا لسبب له علاقة بمهارتها في اداء الرقصات والدبكات بل كونها لاتملك اية اوراق ثبوتية تمكنها من السفر ,ويتحدث خليل بنبرة غاضبة ويقول لي ضع نفسك مكاني وتحمل سيل الاسئلة التي تمطرني بها ابنتي اقلها لماذا يا ابي لاتخرج معي ومع امي الى المدينة او الى الكورنيش البحري او الى اي مكان للتنزه و, فتكون اجابتي لا استطيع الخروج من المخيم لان حاجز الجيش الموجود على مداخل المخيم يضعوني في السجن لعدم وجود اثباتات شخصية معي .
واطرق مليا وقال : هناك سؤال اطرحه ويطرحه كل من هم في مثل حالتي , الى متى نبقى لاجئيين بين اللاجئين , ولا نملك اية اوراق ثبوتية , وقد أصبح لدينا سلطو وطنية فلسطينية في ارض الوطن ولها مؤسساتها ووزاراتها وجواز سفر ؟ والى متى نبقى واولادنا في مهب الريح العاتية ؟ فاذا كانت السلطة الوطنية الفلسطينية ولعوامل وظروف محيطة بها غير قادرة على تأمين " جوازات سفر " لنا , واذا كانت " الانروا " والتي انشأت اساسا من اجل غوث وتشغيل اللاجئيين الفلسطينين هي ايضا تخلت عنا , اذا من المسؤول عن اطفالنا ومستقبلهم وتوفير الحياة الكريمة لهم , ويتسائل خليل حسين هل سنترك نواجه مصيرنا هكذا ونموت على قارعة الطريق كما اصاب خضر عمر علي موسى " ابو محمد " الذي سقط ميتا على قارعة الطريق في ازقة مخيم عين الحلوة وهم يحمل " بكرج " القهوة الذي يحمله من الصباح حتى ساعة متأخرة من الليل لاهثا خلف قوته وقوت اطفاله , ومنذ فترة غادرنا ابو محمد وسبقه حامد وابو خالد والعشرات غيرهم وتركوا خلفهم اطفالا لايملكون اوراقا ثبوتية او اي مستند يعرف على شخصيتهم , فالى متى سيستمر هذا الحال ونحن في عصر حقوق الانسان والديمقراطية ام كل الذي تدعيه الدول النتحضرة هراء بهراء