عامان على الاجتياح وبوش يواصل التخبط بمجهول العراق

منشور 17 آذار / مارس 2005 - 08:53

بعد عامين على قرار غزو العراق لا يزال الرئيس الاميركي جورج بوش يواجه حربا مكلفة لا يعرف متى تنتهي، ولم يتمكن جيشه من حسمها مثبتا بذلك فشلا ذريعا لاستراتيجيته القائمة على كسب حروب سريعة على جبهات متعددة باستخدام جنود مزودين بتقنيات متقدمة.

باعلانه شن الحرب في 20 آذار/مارس 2003، قال الرئيس الاميركي انه يريد حرمان الرئيس العراقي السابق صدام حسين من اسلحة الدمار الشامل التي اتهمه بامتلاكها. واكد نائبه ريتشارد تشيني ان الشعب العراقي سيرحب بالاميركيين كمحررين.

وبعد سنتين على الحرب، بات صدام حسين معتقلا لكن الولايات المتحدة اوقفت بحثها عن اسلحة الدمار الشامل التي لم تعثر على اي منها ولا يزال 130 الف جندي اميركي منتشرين في العراق حيث قتل اكثر من 1500 منهم. ولا يزال العراق مسرحا لاعتداءات يومية وتكلف الحرب الاميركيين 4.7 مليارات شهريا.

وفي حين كان 70% من الاميركيين يعتبرون قبل سنتين ان الاجتياح مبرر تراجعت نسبتهم الان الى 45% على ما جاء في استطلاع للرأي نشرت نتائجه هذا الاسبوع.

لكن هذا لم يمنع اعادة انتخاب الجمهوري جورج بوش لولاية ثانية من اربع سنوات في تشرين الثاني/نوفمبر في مواجهة الديموقراطي جون كيري الذي يدين الحرب في العراق.

لكن خطاب بوش تبدل تدريجا: فلم يعد الامر يتعلق بالعثور على اسلحة دمار شامل بل احلال الديموقراطية في العراق وكل منطقة الشرق الاوسط.

وتوجه بوش الى اوروبا في شباط/فبراير لتحسين العلاقات مع دول مثل فرنسا والمانيا عارضت بقوة الحرب على العراق.

ويشدد دانيال برومبرغ الاستاذ في جامعة جورج تاون في واشنطن والخبير في شؤون الشرق الاوسط "لطالما كانت هذه الادارة تحالف اشخاص مختلفين لا يتقاسمون المصالح ذاتها".

ويعتبر ان "حجة اسلحة الدمار الشامل هي التي كانت تجمعهم". ويوضح ان مساعد وزير الدفاع بول وولفوفيتز من تيار المحافظين الجدد "كان جادا جدا عندما رأى في كل ذلك فرصة لتغيير المنطقة وربما لاطلاق عملية اصلاحات سياسية".

وحصلت هذه الاستراتيجية على دفع جديد مع حسن سير الانتخابات العراقية في 30 كانون الثاني/يناير.

ووصف الرئيس بوش الاجتماع الاول للجمعية الوطنية الانتقالية المنبثقة عن هذه الانتخابات الاربعاء بانه "لحظة مشرقة" على طريق الديموقراطية و"مرحلة في هذه العملية" ستشكل مثالا لهذه المنطقة برمتها.

واتى استئناف المفاوضات بين الاسرائيليين والفلسطينيين والتظاهرات في لبنان للمطالبة بانسحاب القوات السورية والخطوات نحو الديموقراطية في مصر والمملكة العربية السعودية ليعزز موقف الرئيس الاميركي.

ويشير الى ان قراره مهاجمة العراق يعود في الاصل الى هجمات الحادي عشر من ايلول/سبتمبر 2001 التي نفذها تنظيم القاعدة في الولايات رغم عدم اثبات وجود اي علاقة بين هذه الشبكة وصدام حسين.

وسمح له ذلك بتطبيق عقيدة "الحرب الوقائية" التي عرضت في العام 2002 ودعم تحذيراته الموجهة الى دول صنفها في العام ذاته في "محور شر" (العراق وايران وكوريا الشمالية).

لكن نتائج الانتخابات العراقية قد تخلف مشاكل اضافية لادارته. فقد شهدت فوز الشيعة المقربين من ايران والاكراد التي قد تثير مطالبهم في الاستقلال الذاتي استياء تركيا حليفة واشنطن.

ويعتبر دانيال برومبرغ "نتيجة كل هذه المبادرات اننا امام مصدر جديد للمشاكل وعلينا الان التحدث الى اسلاميين وبطريقة ما اضفاء شرعية عليهم. سيكون ذلك مثيرا جدا للاهتمام وقد يكون غير مريح على الارجح لعدد من اعضاء الادارة" الاميركية.

فشل للجيش الاميركي

ومع استمرار القتال ضد المتمردين بعد عامين من دخوله العراق يجد الجيش الاميركي نفسه مرغما على اعادة النظر في استراتيجيته القائمة على كسب حروب سريعة باستخدام جنود مزودين بتقنيات متقدمة، وذلك بعد فشل هذه الاستراتيجية في توقع استمرار النزاع لهذه الفترة الطويلة.

ووضع وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفلد هذا الشهر امام الجيش الاميركي اربع قضايا "اساسية" لمعالجتها اثناء اعادة النظر بشكل كبير في القدرات العسكرية. وقال مسؤولون في وزارة الدفاع انه على رأس تلك المسائل بناء "شراكات استراتيجية" مع دول اخرى.

وصرح مسؤول "نريد ان نتدخل قبل ان ينشب نوع من النزاع ومنع النزاعات من التطور لتصبح حروبا (...) هذه طريقة مختلفة للقتال وكسب حروب امتنا".

ويقول المحللون ان هذا التغيير جاء بحكم الضرورة لان اعدادا كبيرة من القوات البرية الاميركية تنتشر في العراق لدرجة يصعب فيها توفير اعداد كافية من الجنود لخوض حرب برية كبيرة ثانية كما تتطلب الاستراتيجية الحالية.

ويصر القادة العسكريون على ان الولايات المتحدة يمكنها ان ترد بسرعة على الحالات الطارئة في انحاء اخرى من العالم.

ويؤكدون على ان القوة الجوية والبحرية الاميركية، وليس القوات البرية، هي العوامل الرئيسية للردع في اماكن من بينها ايران وكوريا الشمالية وتايوان.

ولكن ومع اضطرار البنتاغون لوضع خطط طوارئ في "منطقة عدم الاستقرار" من شرق المتوسط الى منطقة الخليج الى شرق اسيا، تزيد احتمالات حاجة الولايات المتحدة الى حلفاء خلال الـ15 عاما القادمة اكثر من حاجتها لهم طوال الـ15 عاما السابقة، وفقا لاندرو كريبينيفتش.

واضاف كريبينيفتش، وهو رئيس مؤسسة فكرية في واشنطن متخصصة بالاستراتيجية العسكرية، "عندما تنظر الى الانتشار الحالي للجنود فسترى ان القوات الاميركية تعمل باقصى قدراتها في الوقت الحالي خاصة القوات البرية".

ويرى ان البنتاغون يعيد بناء التحالفات التي شكلها اثناء الحرب الباردة، ويمنح اولوية اكبر للعلاقات الامنية مع دول في مناطق خطرة لديها اعداد كبيرة من القوات العسكرية التي يمكن الاستعانة بها.

ومن بين تلك الدول التي تتزايد اهميتها استراليا واليابان وسنغافورة وربما الفيليبين والهند وتركيا واسرائيل، حسب كريبينيفتش الذي اضاف ان حلف شمال الاطلسي الذي كان اكبر حلفاء واشنطن العسكريين، سيكون اقل اهمية.

وكانت اخر مراجعة شاملة للاستراتيجية والتي جرت قبل اربع سنوات خلصت الى ان القوات الاميركية يجب ان تكون قادرة على ضرب الاعداء بسرعة في حربين كبيرتين متزامنتين على بلدين والتخلص من النظام في احد البلدين او كلاهما.

واعتبر الجيش قوة قادرة على القيام بمبادرة خلال عشرة ايام وتحقيق اهداف عسكرية محدودة خلال 30 يوما وقادر على ان يكون مستعدا للانتقال الى جزء اخر من العالم خلال 30 يوما اخرى.

وفي العراق جسد الجيش الاميركي ذلك الهدف بشكل رائع اذ تمكن من السيطرة على بغداد والاطاحة بالنظام العراقي في اقل من شهر.

الا ان ذلك كان الجزء الاسهل من النزاع الذي اسفر حتى الان عن مقتل 1500 جندي اميركي.

اما في مراجعة الاستراتيجية لهذا العام، فقد تخلى رامسفلد عن سيناريو شن حربين في وقت متزامن، طبقا لمسؤولي الدفاع.

وبدلا من ذلك فقد اوعز الى الجيش الاميركي بالاستعداد لحرب غير تقليدية وهجوم كارثي على الولايات المتحدة ولاختراقات تكنولوجية قد تقلب موازين القوى بشكل مفاجئ، اضافة الى الاستعداد للحروب التقليدية، حسب مسؤولي الدفاع.

وقال المسؤولون ان رامسفلد طلب من الجيش اضافة الى اقامة التحالفات والشراكات، التركيز على الدفاع عن الولايات المتحدة بطرق من بينها شن ضربات ضد "الارهابيين"، ومنع وصول اسلحة الدمار الشامل الى الدول العدائية او "الارهابيين"، والتاثير على خيارات المنافسين المحتملين الذي يقفون على "منعطفات استراتيجية".

وصرح مسؤول في الدفاع طلب عدم الكشف عن هويته ان "القتال لم يعد بين دول ولكن داخل دول (...) مما يدعو الى تغيير التركيز".

ويتطلب التركيز على بناء شراكات، ان يقوم الجيش بلعب دور في المساعدة على تقوية الجيوش المهددة بالتمرد، حسب المسؤول.

وقد بدأ البنتاغون ببناء قوات عمليات خاصة للعمل مع الجيوش في افريقيا وغيرها من المناطق التي توجد فيها مناطق كبيرة غير خاضعة للحكومات يمكن ان تكون ملجأ للجماعات المتطرفة.

غير ان ميشيل فلورنوي التي قامت بترأس عمليات مراجعة مشابهة للاستراتيجية، قالت ان رامسفلد يتجاهل السؤال الرئيسي الذي لا يمكن الاجابة عليه من خلال بناء التحالفات والشراكات وهو: هل حجم الجيش وقوات مشاة البحرية كاف لمواجهة التحديات المستقبلية؟"

وتضيف في مقابلة لها "تطرح مسالة بناء القوات وفيما اذا كنا بحاجة الى قوات برية اكبر للنقاش بسبب الضغوط التي وضعها العراق على القوات. ان عدم اتخاذ قرار بهذا الشأن هو في حد ذاته قرار".

وتقول "ان ما يقلق الان هو انه اذا لم يخف الطلب على تلك القوات فان ذلك سيحدث ضررا على قوات المتطوعين والاحتياط. ويستغرق اصلاح ذلك العديد والعديد من السنوات".


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك