عندما دخل السوري عماد شيحا السجن قبل 29 سنة، كانت سوريا دولة حليفة للاتحاد السوفياتي. وكان الحصول على الخبز والملح وأوراق التواليت صعباً.
وكان على المطاعم أن تحمل أسماء عربية. وكان تلاميذ المدارس يرتدون زياً كاكياً، وكان على أعضاء الحزب أن يتخاطبوا بلقب “رفيق”.
ولكن لدى إطلاقه في الثاني من آب/اغسطس، رأى عماد شيحا وقد بات عمره 51 سنة، المتاجر تمتلىء بالمواد وبعض المطاعم يحمل أسماء فرنسية مثل “أوبالين” و”لا نوازيت” والتلاميذ يرتدون زياً زهرياً زاهياً أو أزرق، بينما زالت لفظة “رفيق” من الخطاب الرسمي. و”اكتشف” شيحا وجود قنوات تلفزيونية فضائية وهواتف خليوية وشيئاً يدعى الانترنت.
وكان الرجل سجن لمشاركته في تفجير مكتب شركة أميركية قتل فيه بائع خضر. وهو لا يزال يحاول استيعاب التغيير ويسأل نفسه تكراراً :”ما هو عمقه وجديته؟ وما الأثر الذي سيتركه على السكان؟”.
وهذه التساؤلات يطرحها كثير من السوريين. فبعد أربع سنوات من حكم الرئيس بشار الأسد، تبدو الإشارات الصادرة عن النظام بالنسبة إلى الحريات المدنية ملتبسة. إذ يتحدث المسؤولون الحكوميون عن الحاجة إلى التغيير، بينما تنتهي التظاهرات باعتقالات وتوجه إنذارات وتهديدات إلى الناشطين الراغبين في دفع الإصلاحات.
ويبدو أن بشار الأسد يسعى إلى قطف الثمار الاقتصادية للعولمة من دون تخفيف قبضته على السلطة خشية أن يخسرها.
ومستقبل سوريا مهم جداً بالنسبة إلى بلدان الشرق الأوسط. فموقعها بين العراق واسرائيل يعزز دورها في مكافحة الإرهاب وتسوية النزاع العربي-الاسرائيلي.
ونسبت وكالة “الأسوشيتد برس” إلى محللين أن الضغط السوري لتعديل الدستور للتمديد للرئيس اللبناني إميل لحود والذي عارضه بعض أقرب حلفاء دمشق في بيروت، يشكل دليلاً على أن الإصلاح السياسي الحقيقي ليس في العقل الرسمي السوري. وجاء في تقرير لوزارة الخارجية الأميركية أن “الرئيس (السوري) ومعاونيه الكبار، وخصوصاً الذين في الأجهزة العسكرية والأمنية، يتخذون في النهاية القرارات الأساسية في الحياة السياسية والاقتصادية، مع درجة محدودة من المحاسبة العامة”.
وطبعاً يرفض المسؤولون الحكوميون السوريون هذه الآراء. وقال رئيس تحرير صحيفة “الثورة” فايز الصايغ إن “حقوق الإنسان، في نظرنا، مؤمنة”. غير أن الناشط السوري أنور البني اعتبر نهج الحكومة السورية “تغييراً في طريقة السيطرة على المجتمع، لا محاولة لتحريره... إنهم يرسمون النوافذ على الجدران ويقولون إن هذه نوافذ حقيقية”. ورداً على سؤال عن شعور المرء حين يكون ناشطاً في الدفاع عن حقوق الإنسان في سوريا هذه الأيام، قال : “اعتدت الذهاب إلى فروع الأمن والعودة منها، هذا جزء من الحياة”.
يريد البني وسواه من الناشطين صحافة حرة وقضاء مستقلاً وأحزاباً سياسية مستقلة، وهذه تغييرات يقول إنها ممكنة التحقيق “في يوم واحد... لكنهم يدركون أنهم إذا فتحوا نافذة صغيرة للإصلاح الحقيقي، فإن تياراً سيدخل ولن يكون في وسعهم السيطرة عليه. إنهم يدركون أن الإصلاح الحقيقي يعني نهاية لنظامهم”.
وأقر المستشار السابق في وزارة الإعلام أحمد الحاج علي بأن الإعلام السوري يفتقر إلى “التألق والحركة” وهو شبه آلي في تغطية المواقف الرسمية، الأمر الذي يؤدي إلى “تكرار في الصحف والتلفزيون والإذاعة”. وأضاف، وهو البعثي، أن الحكومة تنوء بمسؤولين في الحزب كفايتهم الوحيدة هي عضويتهم الحزبية.
ولعله لم يكن ممكناً قبل الآن أن يستقبل عماد شيحا، الذي كان الى وقت قريب أقدم السجناء السوريين، صحافياً أجنبياً وأن يتحدث عن الحاجة الى التغيير. وقد تضطلع الوقائع الديموغرافية بدور في هذا التحول، ذلك أن 60 في المئة من السكان هم دون سن الـ20، أي أنهم لا يذكرون زمن وجود الاتحاد السوفياتي وارتباط بلادهم به.
وفي شوارع دمشق اليوم، تباع صحف دولية وتنتشر إعلانات الشركتين المتنافستين على سوق الهواتف المحمولة في البلاد، وهذا تحول كبير عن السنوات السابقة حين كانت هذه الهواتف تصادر على الحدود.
وهناك تغيير آخر، الرئيس السوري نفسه يختلف عن والده الرجل العسكري. وتمكن مشاهدة الرئيس الشاب مع زوجته في أحد المطاعم. وهناك صور له يركب الدراجة في بدلة رياضية مع ابنه حافظ في حديقة قصر الرئاسة.
وكان صحافيون أميركيون سألوا بشار الأسد في أيار عما إذا كان إجراء انتخابات حرة ممكناً في سوريا يوماً ما، فأجاب :”بلا ريب، بلا ريب، سنتغير. لم نحقق تقدماً كبيراً. أعتقد أن الطريق لا تزال طويلة أمامنا”.