شهد التاريخ الف واقعة وواقعة كان فيها وراء كل عظيم امرأة. لكن لا زلنا ننتظر أن يكون أول رجل يقف إلى جانب امرأة تصبح عظيمة إلى جانبه. طوال حياتنا نرى نساء يصنعن رجالا قيل أنهم عظام. المرأة تصنع الرجل والرجل يحارب المرأة. ولم نر بعد رجلا يصنع امرأة. لماذا؟
هذا الموضوع بمناسبة إحصائية للشرطة الفلسطينية عن زيادة عدد المنتحرين وارتفاع نسبة المنتحرات بينهم في العام الحالي. لماذا يهجر الأمل قلب المرأة في أوقات؟ لأن المجتمع لا يرحمها ويقسوا في محاسبتها بغلواء لا يعرفها في محاسبة الرجل. ما سبب اندفاع المرأة للإنتحار؟ الموضوع كله يتعلق بحرمانها من حق تقرير المصير. وهذا يتألف من حقها في الإختيار. إختيار طريقها الخاص بالحياة سواء اختيار الشريك أو التخصص الدراسي أو إكمال الدراسة واختيار مكان العمل. مشاعر المرأة في ثقافتنا - ضعيفة الصريمة- مشروع ذنوب وخطايا تهدد الهيكلية الإجتماعية التي يفرضها المهيمنون. ثمة أعداء لحرية المرأة وهي حرية ,حسب مفهومهم موهون الشكيمة, تهدد تركيبة اجتماعية أساسها الهيمنة والظلم. قمع المرأة يعني تثبيت الأمر الواقع في أي بلد لصالح الجهات المتنفذه فيه. الفقر أفضل وسيلة لإبقاء المرأة في قمقم. المجتمعات الميسورة توفر فرصة العمل. العلمل يجلب الحرية. ولهذا فإن الأحزاب الظلامية تبادر إلى حرمان المرأة من التلعليم والعمل وحشوها في ألبسة تجردها من أنوثتها لتحييدها اجتماعيا وسياسيا وإبقائها صفرا على ذات الشمال. العقلية المحافظة هي عدو التغيير. والتغيير هو فرصة المرأة للإنفلات من القيود. المناخ الثاقفي المعادي للحب هو السائد في فلسطين. الحرية هي الغائب الأكبر عن الفكر. الحرية تنطلق كلما تيسر حال الناس. وكلما تفتحت مدراك الناس لحريتهم الذاتية ازداد معه جموحهم للتصدي للقامعين. (هل فرض الحجاب في غزة بضوء هذا من فراغ؟؟). والقمع يزداد كلما ازداد الفقر.
نحمل مشؤلية انتحار الأنوثة في مجتمعنا لقوى الظلام المقنعة بالإحتشام الزائف. لدينا مشكلة جرائم الشرف غير المشرفة ومشكلة انتحار المرأة استباقا لجريمة شرف قد تجيئ. نحمل مسؤلية هذا لأعداء الحرية الفردية في الإختيار والتعبير. وهم يعرفون انفسهم وعيلهم بلع الحبة المرة الالية.
النص التالي هو قماشة حمراء لثور المحافظين وازواج الأربعات من أولئك الذين تمثلوا ثقافة الأسطة البلطجي تقمصها الممثل القدير توفيق الذقن في أدوار الشر وصافع الولايا الرهيب.
الأنثى هذا الكيان المحظور وطنيا!
هوية منتحرة.
ملاك الوداعة والحب ينتحر أمام ناظرينا. حواء بعينيها ألوان ثلاثة: بؤبؤ أسود, شبكيه زرقاء يتخللها خيوط أفقية داكنة. أنف دقيق يعتلي كصقر ساهر شفتين زهريتين- فيهما من التوت الأرضي شيئان يتسابقان على فتح الشهية: لونهما وماؤهما. شعر خروبي على بشرة بيضاء كمنديل العروس. نهدان يتقافزان من لبساها الفلسطيني كحصانين جموحين. نعم قلت "نهدان".إثنان. مستديران. جدا. أغلب الأيام. (تأسف أنت أولا!). وعجيزة تروح وتجيئ من تحت الجلباب أو الجينز. كل أصناف القماش التي أخترعناها لاجل احتواء مفاتن المرأة وقمع جمالها السلطوي - الذي حولته ثقافتنا الكسيحة إلى عار – لم تعد تكفي. جمال المرأة عورة! أم عورة المرأة جمال؟ عيوب ثقافية -أخطر من الفتحات في جدار سفينة عتيقة- تحكم نظرتنا للمرأة. مفاتنها جمالها وجمالها مفاتنها. والفتنة أشد من القتل. وهكذا الجمال جريمة أو مقدمة للجريمة لأنه "فاتن" يدخل بين المرئ وإيمانه حسب الإدعاء- والفتنة من املراة أو من الشيطان وكلاهما في الفتن سيان! العاشق (المذكر) يأخذ جائزة يزهو والعاشقة تضرب بالفأس على رأسها تموت. كيان مذنب قبل أن ينهض من سريره في الصباح. ممثل الشر أنثى مشجوب كيانها حتى قبل أن يعتلي منصة ال أكشن! القماش لا يكفي. قماش على رأسها وقماش على وجهها وقماش في فمها وقماش على جسمها حتى أصبحت كالخيمة تسير بلا بوصلة إلا بوصلة تعريفنا الدنيئ الأناني "للعيب" والمحرمات البشرية التي اباحها الدين نفسه! لم يعد يكفي القماش. نحتاج للكاوتشوك نخفيها فيه عن الشبقين من أصدقائنا البريئين إلا ربع! ثمة من يعتبر أن صوت المرأة عورة. وإظهاره ذنب. كيان المرأة مذنب حتى لو جهر بصوته تسبيحا لله! كل القماش لا يكفي لإخفاء ما عند المرأة من مفاتن تثير غرائز الجحاش غير المنضبطين. وأغلب الشيوخ العلامة يحملون المرأة مسؤلية كل ما قد تتعرض له من معاكسات وتحرشات أو أعتداءات جسمية على اساس أنها (وهي البادئة بالشر أظلم) لم تكن "محتشمة". ويستطيع الرجل وفق الدين أن يأتي للعمل بصدر وأكتاف مكشوفة حتى ما فوق سرته بقليل وبنطلون ينزل إلى ما فوق ركبتيه بقليل ويحسبه بني جنسه محتشم مهيب. أما عند المرأة فلا يكفي القماش لاحتواء انفلات سطوة جمالها على رجل لا تكفي إنسانيته لدفعه للتحضر في حضرة الجمال.
مأساة حواء الفلسطينية بسطرين
ها هي حواء قد خرجت زاهية بنفسها تتطلع إلى الشمس في يوم ربيعي. رأت شابا يستوفي خصائص كل ما تتمنى وتريد. عريض المناكب بحبوح يحب شيرين وأصالة ووائل كفوري. وأنت المحافظ الغيور ذي الدقة القديمة تنقصك الثقة بنفسك متهالك على كلاكيعك منهار. أنت على عكس الشبيح المروم تحب عبد الحيلم وطوني حنا وأم كلثوم وعندك لحية ولا تحب القراءة وتكره العطور. هو ليس مثلك! آسف. أهدت هي قلبها لشاب غيرك أنت. وحلمت به هو لا بك أنت. قد تكون حلمت به أحلاما برئية ثم نصف بريئة ثم أحلاما لا يمكن التوسع بشرح تفاصيلها هنا. إحلامها المحرمة وطنيا نتاج مخيلتها الإنسانية وقلبها الإنساني ودمها وضغط دمها وبشرتها التواقة للمس. المرأة تشتهي وتحب هي أيضا. والرجال يعرفون ذلك ويحاولون تناسيه إن كانت هي ابنتهم أو أختهم. ولا يفطنون إليه إلا عندما تكون هي موضع اشتهائهم الذئبوي. نحن ننسى أن المرأة إنسانا. وأنها تحب وتهوى وتحلم وتشتاق وتريد وتتطلع وتتحرق وتتحرك وتتمنى وتتوق وتشرئب وترنو وتتلئب وتتوقد وتنتعف وتسمو وتنادي وتخطط ويجف ريقها ثم يبتل وهي تفكر وتخطط وكل هذا إن تم بالسر مباح. الممنوع هو التنفيذ! تعلقت حواء بالشاب وتعلق بها. أحبا بعضهما وتقابلا وتبادلا الرسائل وتواصلا بالسبل شبه المتاحة في فلسطين. حلما أن يلمسا يدي بعضهما البعض. أحلام برئية غالبا لكنه الممنوع. وطافا أركان المدينة ولكن لم يكن في المدينة مكان يسيران به يدا بيد. فالحب ممنوع بصفة رسمية في ديار الشرق القروي الأثيم. لم يبق إلا خيار الإستعجال. تقدم الشاب لخطبتها ولم تنم هي طوال الليل. تعاظمت الآمال حتى جاوزت عنان السماء وجاءت لحظة الحقيقة. وجلس الخطاب والمخطوب ود كريمتهم. وقال هؤلاء الخاطبون: لن نشرب قهوتكم حتى تلبوا طلبنا. وأجاب أولئك المخطوب ودهم: لا تشربوها إذا. إبنكم مرفوض. بقيت القهوة وذهب الخاطبون. الكلمة النهائية قيلت ولم يكن لأي من الحبيبين من دور فيها. حق تقرير المصير. حرية الختيار. القرار الشخصي. كلها شعارات تليق بورق التواليت! لم ير الحبيبان في الحياة لنفسيهما من طريق شرعي. فاختارا الطريق اللاشرعي. وكان القفز في الظلام. وحكمت إحداهما على نفسها بالإعدام. استحمت ووضعت وردة بيدها وذهبت للفراش ومعها معدات الإنتحار. لم تستيقظ في الصباح. خلاص. لا ضرورة لتوسيع الدراما أكثر من هذا. أنتحرت فتاة. وتم دفنها من غير شوشرة ولا تطبيل. هذه رواية ناعمة من روايات الإنتحار. وفي الاسبوع القادم أو الذي يليه ستسمعون خبرا بانتحار امرأة أو وفاة لفتاة بظروف غامضة! لن تنشر تفاصيل. لكنكم ستعون ما وراء الخبر. قتلوها أو انتحرت خوفا من القتل. الوأد في الألفية الثالية ضيف علينا إلى جانب الإحتلال وقمع الإنقلاب.
رقم (قليل الإيمان) في تقرير شرطي
في ركن عجيب من تقرير الشرطة حول تفسير ظاهرة زيادة نسبة المنتحرات سيقت فرضية "ضعف الإيمان" كتفسير لدوافع الناس للإنتحار. وهو تفسير قاصر لا يليق ويحمل الضحية جرما إضافيا كأنه تكفير. فمحاولات الإنتحار ناتجة عن فقدان الأمل لا عن ضعف الإيمان كما شرح التقرير. وأشجب هذا التفسير وأعتبر أن ضعف الإيمان هو السمة المميزة للمحيط الإجتماعي الأقرب للشخص الذي أقفلت بوجهه كل طرق الأمل ومخارج الأزمة حتى وجد في القبر أوسع حيز لأحلامه وطموحاته مما أتيح له في الحياة. كل صديق وكل زميل وكل قريب من شخص حاول الإنتحار يتحمل مسؤلية معنوية أو مباشرة عن إفقاد المنتحر أمل الوصول لغد أفضل. وما يحز في النفس هو أن أغلب من حاولوا الإنتحار هم من الإناث. الدنيا مغلقة أيما إنغلاق في وجه المرأة في فلسطين. مرة أخري يلفظ مجتمعنا ضلعه الأضعف. المرأة تدفع ثمن كل أزمة, وتفاهة المعقدين نفسيا من رجال يقعون فريسة مركبات نقص لا شفاء لها إلا بالإنتقام من الأنثى رمز المحبة والحنان. لا مكان للأنثى في بلادنا ولا مجال للحب نفسه إذا كان الحب هو أختيارها هي.
وهذا النص الناقد لتسلط الجناح الذكوري وعقلية الجهل صير هنا دزينة مسامير مغموسة بالهريسة التونسية. أهديها لما تحت جلد الأسطوات من أشباه توفيق الذقن. علافناه في أدوار الشر ومحتقر النساء الذي ما فتئ يطعج فمه وينظر بنصف عين للمستضعفة وهو يقول مهددا بصفعة ما هي في الطريق: "يا وليه اتقي الله"! "إتقي الله يا وليه"!
لا يتشبه الرجل العربي باي من صفات الرحمن الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز. بل يريد أن يبقى القلق المتزندق المهووس المدان المذنب المدمن الغرير الغدار المتبجح المتوهم الأخرق المتوهم القانت الوائد ولقامع كله في آن؟
أمتحامل كل هذا؟ لم لا؟ التحامل على الظلم عدل.
سياسيا لا بد من المنادة بسياسة تضمن عنصرين: الأول هو إنصافها إجتماعيا. والثاني هو نصرتها سياسيا. وهناك مستلزمات حيوية للوصول إلى هذا:
1. إنشاء ملاجئ لحماية المرأة من العنف في كل محافظة. لا تشبه السجون وتختلف عن الهوتيلات.
2. إنشاء مؤسسات لمساعدة المرأة وتوعيتها حقوقيا وتشجيعها على طلب الخلاص في حالات وقوعها في الأسر العائلي. (مؤخرا تطوعت قوات خاصة إسرائلية بتحرير امرأة فلسطينية خطفها زوجها ونالت القوات الإسرائيلية استحسانا في الراي العام على جهودها المظفرة في مجال الدفاع عن المرأة وهي التي قتلت من النساء في الأعوام الماضية اكثر من أي جيش في العالم , ولكن ابو عرب الفلسطيني منح العدو فرصة نصر خلقي ثمين علينا مشكور).
3. تجريم اضطهاد المرأة بأي صورة من الصور وخصوصا في الإطار العائلي- عن طريق تمدين حق المرأة بدل إخضاعه لنصوص غير مواتية للماسواة في الحرية الفردية.
4. تجريم الأطباء الذين يبيحون أسرار مرضاهم وخصوصا الإنثويين.
5. منع الأجهزة الأمنية من التدخل في الحريات الفردية تحت أي تبرير.
6. تأصيل منهج الكوتة في الوظيفة العمومية بالقطاع العام والمنح الدراسية في القطاع الخاص والعام.
7. تكريس مبدأ الكوتة في العمل السياسي.
8. التشدد في محاسبة كافة أشكال التحرش والإبتزاز في مكان العمل وخارجه.
9. دراسة إمكانيات الحد من قبضة التعسف العائلي بصوره الناعمة والصامتة أو تلك الدامية – والصامتة أيضا.
المرأة كيان في خطر. محتجز في قفص. لا صديق لها ولا نصير. المحتجزة لن تربي أحرارا طلقاء أصحاء. ولذلك يجب الوقوف معها وحمايتها عن طريق التعليم وفرص العمل وتوفير الملجأ والحماية من المعقدين نفسيا والزعلانيين من المتر والمسطرة والمرآة والميزان لأن هذه الأدوات لا تحب الكذب.