خطف المستشار فخر الدين العريان الأضواء في المشهدين القضائي والسياسي السوري، بعد اعتلائه منصة الحكم في افتتاح أولى جلسات "العدالة الانتقالية" بالعاصمة دمشق.
ولم تتوقف إثارة هذه المحاكمة التاريخية عند ملاحقة أقطاب النظام السابق، حيث مثل المسؤول الأمني عاطف نجيب حضورياً خلف القضبان، بينما لوحق الرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر غيابياً، بل امتدت لتشمل المفارقة في شخص القاضي ذاته؛ فالرجل الذي يقرر مصيرهم اليوم هو نفسه القاضي المنشق الذي واجه سابقاً أحكاماً غيابية بالإعدام وصودرت كافة أملاكه من قبل من يحاكمهم الآن.
وتعود جذور العريان إلى بلدة سلقين بريف إدلب، وهو خريج حقوق من جامعة حلب عام 1988، وتدرج في السلك القضائي السوري حتى نال درجة مستشار في محكمة الاستئناف المدنية بإدلب. ومع تفاقم آلة القمع والحل الأمني ضد الثورة السورية، اختار العريان الانحياز لمبادئه في وقت مبكر، معلناً في مارس 2013 انشقاقه الكامل عن وزارة العدل وانضمامه لمجلس القضاء المستقل، واصفاً خطوته بأنها وفاء للقسم والوطن أمام المجازر التي ارتكبها النظام بحق المدنيين.
وعقب خروجه، ساهم العريان في بناء المنظومة القضائية البديلة ضمن وزارة العدل في الحكومة المؤقتة، حيث أشرف على تأسيس محاكم في مناطق المعارضة وتوثيق جرائم النظام المخلوع، وهو ما دفع الأخير للانتقام منه بإصدار حكم بالإعدام وتجريده من ممتلكاته وبيعها في المزاد العلني.
وبعد سقوط النظام وتحول موازين القوى، طوى المرسوم الرئاسي "رقم 70" الصادر في يونيو 2025 صفحة الملاحقات بحق القضاة المنشقين، ليعود العريان إلى دمشق ويُعين رئيساً لمحكمة الجنايات الرابعة، حيث افتتح الجلسة بكلمات حازمة أكد فيها انطلاق قطار العدالة الانتقالية لمحاسبة المتهمين، سواء من هم داخل قفص الاتهام أو الفارين من وجه العدالة.
ووجه رئيس المحكمة رسالة مؤثرة عبر "فيسبوك" إلى ذوي الشهداء والمعتقلين والمهجرين وسكان المخيمات، شدد فيها على أن أصوات المظلومين حاضرة اليوم بقوة في قاعات المحاكم، وأن حقوق كل من فقد بيته أو حلمه أو دمرت مدرسته لن تضيع سدى أمام عدالة القضاء الجديد الذي يسعى لاقتلاع إرث القهر من جذوره.