واشنطن بوست: زعيم طالبان زار دبي 13 مرة للتسوق

منشور 26 آذار / مارس 2018 - 02:46
واشنطن بوست: زعيم طالبان زار دبي 13 مرة للتسوق وجمع التبرعات
واشنطن بوست: زعيم طالبان زار دبي 13 مرة للتسوق وجمع التبرعات

في ربيع عام 2016 علم المسؤولون الأمريكيون في البيت الأبيض أن زعيم حركة طالبان وصل إلى إمارة دبي لقضاء أيام يتسوق فيها ويجمع التبرعات. ومثل وجود الملا أختر منصور وتجوله بحرية في شوارع المدينة التجارية فرصة لا تعوض للقبض على خصم، إلا أن العملية كانت محفوفة بالكثير من المخاطر السياسية والدبلوماسية.

وكان وجود الملا أختر منصور في دبي بعد فترة قصيرة من مشاركة مسؤولين في حركة طالبان بمفاوضات سرية مع المسؤولين الأمريكيين والحكومة الأفغانية وهو اللقاء الوحيد الذي تم خلال الحرب الطويلة التي تخوضها الولايات المتحدة منذ أكثر من ستة عشر عاما. وكان قرار الملا أختر منصور السماح لمسؤولين في حركته المشاركة في هذه اللقاءات مهما في الطريقة التي تعامل فيها مسؤولو إدارة باراك أوباما مع الفرصة في دبي.

وبحسب تحليل صحيفة “واشنطن بوست” الذي أعده ميسي رايان وكريغ جيف فإن سلسلة من سوء الحسابات واحتمال حصول خيانة سمحت لزعيم طالبان بمغادرة دبي بدون ان يتعرض له أحد بسوء حيث سافر إلى إيران أولا ومن ثم إلى الباكستان حيث تم استهداف سيارته التي كان يسافر عليها بصاروخ “هيلفاير” من طائرة بدون طيار.

لماذا قتل؟
وتقول الصحيفة إن سماح الولايات المتحدة باغتيال رجل كان مستعدا لجلب حركته إلى طاولة المفاوضات يكشف عن تساؤلات لا تزال تخيم على الحرب منذ بدايتها ولا تزال تقسم إدارة دونالد ترامب ومستشاريه لشؤون السياسة الخارجية. فمتى يكون زعيم طالباني هدفا؟ ومتى يتحول إلى شريك في المفاوضات؟ وكيف ننهي الحرب التي مضى عليها 17 عاما؟

وتعلق الصحيفة أن جهود الولايات المتحدة للحديث مع قادة حركة طالبان في الأيام الأولى للحرب شابها التردد وسوء التواصل والخطوات المتعثرة.

فبعد انهيار حركة طالبان في عام 2001 بفترة قصيرة أمر حامد كرزاي، الذي كان يقود الحكومة الانتقالية وسيطا له للتحادث مع القادة الذين نجوا من الهجوم الأمريكي وذلك حسبما كشف ستيف كول في كتابه “مديرية أس″ والذي حلل فيه التاريخ السري لدور الوكالة المركزية للمخابرات الأمريكية (سي آي إيه). ورفض وزير الدفاع في حينه دونالد رامسفيلد المحادثات وقال إنها “غير مقبولة” فيما تم اعتقال بعض قادة طالبان الذين حاولوا الاستسلام وتم نقلهم إلى معسكر غوانتانامو في كوبا.

وبعد عشرة أعوام من القتال ووفاة عشرات الأولوف من الأفغان وعودة ظهور حركة طالبان بدأت الحكومة الأمريكية سلسلة من محادثات سلام غير منهجية والتي انتهت عام 2012. وتوقفت المحادثات بشكل كامل حتى بداية عام 2016 أي بعد سبعة أشهر من تسمية الملا منصور أختر زعيما للحركة بعد تأكيد وفاة الزعيم السابق الملا محمد عمر والذي كان زعيم الحركة ومؤسسها ولم يغادر جنوبي أفغانستان إلا نادرا ولم يقابل أي مسؤول من الخارج أثناء حكم حركته لأفغانستان وظل شخصية غير ظاهرة. وتوفي الملا عمر قبل عامين من اعتراف الحركة بوفاته رسميا عام 2015. وبخلافه فقد كان الملا منصور وزيرا للملاحة الجوية وهو منصب سمح له بتحصيل عمولات من الأُثرياء العرب الذين كانوا في زيارة لأفغانستان في رحلات صيد بالصقور.

وبحسب موقع تابع لحركة طالبان فقد ولد منصور اختر عام 1968 وسافر إلى ألمانيا في التسعينات من القرن الماضي من أجل شراء آليات لشركة الطيران الأفغاني. وقال مسؤول أمريكي له علاقة بالسياسة الأفغانية “كان يمكنه رشوة الناس ولديه ميول للتحايل على الحسابات”. وأضاف أن الملا اختر “كان صانع صفقات”. وعلى ما يبدو كانت نزعة المغامرة هي التي جعلته يوافق على محادثات مع الولايات المتحدة في شباط (فبراير) 2016 حيث وعد كل الأطراف إنكار حدوث اللقاء حالة الكشف عنه.

 

هل تغيرت

ولكن السؤال الذي قسم المسؤولين الأمريكيين وهم يحضرون للقاء السري فيما إن كانت طالبان قد تغيرت خلال سنوات المنفى والتمرد أم لا؟ وهناك من اعتقد في عبارات دبلوماسي أمريكي أن هذه السنوات من القتال حولت طالبان إلى حركة “شرسة وسادية وذكية”. وأشار المسؤولون إلى سلسلة من العمليات الانتحارية التي لا تميز وصادق على معظمها الملا أختر منصور وأدت لمقتل ألاف من الأفغان.

وهناك من اعتقد من المسؤولين الأمريكيين أن تفاعل طالبان مع العالم الخارجي أثر على مواقف قادتها وجعلتهم أكثر اعتدالا. واعترف قادة الحركة في لقاءاتهم مع الوفود الأجنبية أنهم ارتكبوا أخطاء عندما كانوا في السلطة وعبروا عن دعمهم لتعليم الفتيات وأكدوا على أنهم لا يريدون البقاء كمنبوذين دوليين. وحصل المسؤولون الأمريكيون على فكرة عن طالبان وما آلت إليه عندما التقوا معها بحضور وفد أفغاني في قطر، التي كانت المكان المختار للقاء شباط /فبراير 2016. وللمصادفة فقد أرسل الأمريكيون وفدا مكونا من نساء حيث عبر عدد من المسؤولين في واشنطن عن قلقهم من عدم تقبل الوفد الطالباني له. ولكن ممثلي الحركة لم يعيروا الأمر اهتماما وافتتحوا اللقاء في مكتبهم بالدوحة بإعطاء مسؤولة الوفد الأمريكي مزهرية من اللازورد حسب بعض المسؤولين المطلعين على مجريات اللقاء. وعندما علق الوفد الأمريكي عن عدم تقديم هدية للوفد الأفغاني اعترفوا بالخطأ وأرسلوا مسؤولا لشراء هدية من محل تجميل قريب وهي حقيبة من عطر الكولون.

 

بدون انتصار

وتقول الصحيفة أن الولايات المتحدة حاولت طوال سنوات الحرب استخدام القوة لسحق طالبان إلا أنها وبحلول عام 2016 اكتشفت أن استراتيجيتها ليست ناجحة حيث تم تخفيض القوات الأمريكية من 100.000 إلى 10.000 جندي. وعندها بدأ فريق من الخارجية والبيت الأبيض يركزون على العملية السلمية والبحث عن طرق غير تقليدية لتسريع المحادثات.

وكان المسؤولون الأمريكيون يعرف أن الملا اختر منصور وعدد من قادة طالبان يزورون دبي بشكل منتظم وحاولوا تحويل الرحلات إلى صالح واشنطن. ومن هنا اقترحوا استخدام الملا منصور كورقة مقايضة مقابل تقديم تنازلات من طالبان والراعين لها. وتبنى عدد من المسؤولين الامريكيين مدخلا أكثر خطورة وهو القبض على الملا منصور والضغط عليه للموافقة على المحادثات وبعد ذلك الإفراج عنه. ولم تتقدم الخطط أبعد من الفرضيات عندما اكتشفت المخابرات الأمريكية وجود الملا منصور في دبي. فقد كانت هي المرة الأولى التي يحصل فيها المسؤولون الأمنيون الأمريكيون على معلومات حقيقية عن تحركاته في المدينة. ولو استطاعوا القبض عليه، فستكون أول مرة يتحدثون فيها مع زعيم طالباني من وصول الحركة إلى السلطة عام 1996. وتمحورت المحادثات الأولية داخل البيت الأبيض على الاتصال مع حكومة الإمارات العربية المتحدة والقبض عليه بدون أن يشعروا المسؤولين المحليين في دبي حتى لا يسمحوا له بالهرب. وخرب على المحادثات، معلومات أمنية تشير إلى أن الملا منصور سيغادر دبي سريعا. واستدعت مستشارة الأمن القومي سوزان رايس السفير الإماراتي في واشنطن حيث وعد باستخدام قوات بلاده الأمنية. وبعد دقائق تلقت رايس معلومات أن الملا منصور ركب طائرة متجهة لإيران حيث زادت من سرعتها على المدرج للإقلاع، أو في مرحلة الإقلاع. وطلبت رايس إعادة الطائرة إلا أن الإماراتيين قالوا إن الطلب جاء متأخرا. ولام بعض المسؤولين إدارة اوباما لأنها ناقشت الموضوع طويلا فيما قال آخرون أن الإمارات اخترعت قصة عدم قدرتها على وقف الطائرة.

ويقول بروس ريدل، المحلل السابق في سي أي إيه والذي أشرف على سياسة أوباما في أفغانستان “أسوأ شيء كان سيحدث من وجهة نظرهم هو القبض على الملا منصور في دبي، وفضحهم علنا أنهم كانوا يدعمون الأشخاص الذين يقتلون الجنود الأمريكيين”.

ورفض المسؤولون الإماراتيون الذين قاتل جنودهم في أفغانستان التعليق على وجود الملا منصور في بلادهم أو فشلهم بالقبض عليه. مع أنهم اعترفوا بشكل خاص للأمريكيين بوجود الملا منصور في بلادهم. وبحسب مسؤول في البنتاغون: “قالوا إنهم لا يفهمون الأمر أو إنه معقد”.

ويقول المسؤولون الامريكيون إنهم لا يعرفون عن فترة الملا منصور في إيران ولكنه كان هناك للبحث عن داعم مالي يخفف من اعتماد حركته على الباكستان.

 

الاغتيال

في 20 أيار/ مايو تلقى البيت الأبيض معلومات استخباراتية عن مغادرة الملا منصور إيران والمكان الذي سيوجد فيه في الباكستان. وجاء فيها انه ذاهب للزواج بامرأة جديدة. وقال مسؤول مطلع: “كانت واحدة من الفرص” حيث تم تحريك طائرة بدون طيار ووضعها في مكان الضرب. واتخذ قرار الضربة باراك أوباما.

وتقول الصحيفة إن المسؤولين الامريكيين شكوا في التزام الملا منصور بمحادثات سرية خاصة أنه رفض خطة دولية للسلام وواصلت حركته العمليات الانتحارية في كابول وشن الحرب على القوات الأمريكية. وأثبتت هذه العوامل أن الملا منصور لم يكن مهمتا بالسلام حسب الجنرال جون نيكلسون، قائد القوات الأمريكية في أفغانستان. وكانت هناك حسابات داخلية، حيث خافت الإدارة من الكشف عن أن البيت الأبيض فوت فرصة اغيتال زعيم منظمة قتلت القوات الامريكية والأفغانية.

وهناك من المسؤولين الأمريكيين من يعارضون هذه الفكرة ويقولون إن الملا منصور خاطر وأغضب حركته عندما وافق على عقد محادثات سرية مع الأمريكيين والحكومة الأفغانية في الدوحة وهو ما لا يمكن لخليفته فعله. وقال مسؤول أمريكي له علاقة بالسياسة الأفغانية “لم يكن لقتله أي معنى إلا إذا فكرت أنه سيدمر الحركة” و”لا أعتقد أن أحدا كان يظن هذا”.

وبعد دخوله الحدود الباكستانية قامت طائرة بدون طيار بضرب صاروخ قتل سائق السيارة الأفغاني وزعيم وكشف عن جواز سفره وأنه زار دبي 13 مرة.

وفي رواية جديدة للمسؤولين الأمريكين فإن الملا منصور قتل لأنه عائق للسلام وهو ما أغضب المسؤولين الذين كانوا يعملون على المفاوضات.

 

لا نريد المحادثات

بعد أيام من فوز دونالد ترامب في الانتخابات في تشرين الثاني /نوفمبر 2016 أرسلت حركة طالبان رسالة عبر وسيط: إنهم يريدون معرفة إن كان الأمريكيون لا يزالون مهتمين بمحادثات السلام. ورد المسؤولون الأمريكيون أنهم بحاجة لسؤال الرئيس المقبل ومن ثم سيردون عليهم. وجاءت إجابة في الصيف الماضي عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن استراتيجيته الجديدة في أفغانستان وهي زيادة حجم القوات الأمريكية إلى 15.000 جندي وزيادة الغارات الأمريكية إلى 500 في الشهر. وقرر البيت الأبيض إغلاق مكتب في وزارة الخارجية يركز على الباكستان وأفغانستان وتسريح فريق صغير من الموظفين المدنيين الذين يعملون على محادثات السلام. ورغم الحد من اتصالات الأمريكيين مع مسؤولي طالبان إلا أنها لم تتوقف. فقد تم وضع خطة لإغلاق مكتب لحركة طالبان في الدوحة على الرف. وصادقت إدارة ترامب العام الماضي على زيارتين لمسؤولي الخارجية إلى مكتب قطر. وكانت الزيارة الأخيرة لأليس ويلز، المسؤولة في وزارة الخارجية عن جنوب ووسط آسيا. وقالت في خطاب ألقته هذا الشهر إن هدف الولايات المتحدة هو “دفع طالبان إلى طاولة المفاوضات”. وبدت في بعض الأحيان وكأنها تتحدث لقادة الحركة: “تقول طالبان أنها تطورت كحركة” “أثبتوا هذا، واظهروه بأفعالكم وأنكم جزء من أفغانستان الجديدة”.

 

مواضيع ممكن أن تعجبك