مازالت سهى عبد الواحد، تقف في طابور المتقدمين لوظيفة حكومية عن طريق مكتب العمل في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ومازال مكتب العمل في موقعه المحاذي لمؤسسة لدفن الموتى، وسهى المعاندة تقول:" إنني على يقين من أنني لن أعثر على وظيفة فهناك آلاف المتقدمين الى وظائف، ولكنني وكوني عاطلة عن العمل، فليس لدي أي سبب يمنعني من إعادة المحاولة، فقد يبدد هذا الانتظار وقتي الممل.. أحيانا كثيرة آتي الى هنا لأتسلى مع عاطلين عن العمل مثلي".
9 " الحكومة عاجزة عن تشغيلنا، فقطاعات الدولة إما مفلسة، وإما فيها فائض عمالة، ولهذا فأنني أفضل البحث عن عمل ي القطاع الخاص،وكذلك أحلم بفرصة للهجرة".. هذا ما يقوله أوس ،وهو خريج علم اجتماع من جامعة دمشق، أوس يتابع:" أنا ابن لموظف، والمشكلة في الموظفين أنهم يربون أولادهم ليكونوا أساتذة بقمصان بيضاء، ليتنا تعلمنا شئ من المهن التي يمنك أن تعود علينا بشئ من الفائدة، ماذا بوسعي أن أقول لصاحب ورشة خياطة؟ شغلني عالم اجتماع عندك؟ لا أحد بحاجة لي ولا لدراستي".
الأكاديمي، الدكتور بركات، المعاون السابق لوزير الصناعة، يؤكد أنه من أكبر المخاطر التي واجهها الاقتصاد السوري، هو تكريسه للبعد الاجتماعي الذي عزز فكرة أن تكون المنشأة الاقتصادية ، مأوى للعاطلين عن العمل،وبالتالي أن لا يأخذ بالاعتبار التكلفة والمردود، وبالتالي فان احتوائه لفائض من العمالة قد أدى الى إفلاس هذا الاقتصاد وتحديدا في قطاع الدولة"، أم حمزة،وهو من النشطاء في الحزب الشيوعي السوري ، فانه يرى أن الافلاسات التي واجهها قطاع الدولة تعود الى سوء الإدارة والفساد وليس الى تشغيل فائض العمالة.
البنت التي تنتظر مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل، والأكاديمي معاون وزير الصناعة، والشاب خريج علم الاجتماع، جميعهم يتوافق على أن سوريا تواجه مشكلة ربما تكون الأكثر تأثيرا على شبابها وهي مشكلة البطالة بانعكاساتها على ، مستوى حياة الناس،النظام الأخلاقي، الأمراض النفسية، وسواها من المشاكل التي تأتي تحت هذه المشكلة وتكون مشمولة بها، فالبطالة تزداد تفاقما، واستراتيجيات التشغيل غائبة، والإحصاءات الدقيقة كذلك، وقد أظهرت الدراسات الأخيرة أن معدل البطالة في سوريا بلغ 11.7% عام 2003 بزيادة تقارب 2.2 نقطة عن معدلها عام 1999، وقد زادت بمعدل وسطي خلال السنوات الثلاث الماضية بلغ 7.19%، وهي إحصاءات غير دقيقة بالتأكيد ، فالبطالة أعلى بكثير من النسب الرسمية السابقة، ومع ذلك فالنسب السابقة تشير الى أن البطالة تنمو منذ العقد الماضي بمعدل شبه ثابت؛ ما يشير إلى التقاعس عن عملية مواجهتها وغياب الحلول المخففة.
الحكومة السورية كانت قد شعرت بخطر مسألة البطالة وانعكاساتها الاجتماعية وأقرت قانونا وطنيا لمكافحة البطالة من المفترض أن يؤمن فرص عمل لنحو 440 ألف شخص خلال 5 سنوات، إلا أن هذا البرنامج لم يحقق إلا القليل في أجواء فشل فرص إنقاذ الاقتصاد السوري حتى الآن والتي تبدو صعبة في أجواء تتمثل في جملة من المعيقات، يحيلها اقتصاديون سوريون الى :
13 طبيعة الرساميل السورية، فهي إما رساميل (ربوية)، أي أنها رساميل خارج آليات التنمية الوطنية، وإما رساميل توظف في القطاعات الرابحة السهلة والتي لاتحتاج الى عمالة أو لا تستطيع استيعاب عمالة واسعة,
أما المشروعات الحيوية فهي غائبة، وقد واجهات سلسلة من الضربات بدءا من التأميم زمن الوحدة السورية المصرية، الى اللحظة، حيث غابت قوى السوق الفعلية، وفقدت اطمئنانها، بحيث لم يعد من السهل على المستثمر أن يضع استثماراته في أمكنة قلقة، ويضاف الى كل ذلك، ما تتعرض له سوريا اليوم من احتمالات قد يكون الحصار الاقتصادي واحدا منها، ما يضاعف مخاوف هذه الرساميل ويبعدها عن الاستثمار في سوريا، فسوريا تتعرض إلى ضغوط قد تدفع بهزات سياسية وأمنية ، تقود ما تبقى من رساميلها الى الهجرة.
الريف السوري هو أكثر القطاعات معاناة من أزمة البطالة التي وصلت نسبة المعطلين فيه عن العمل إلى 61% من إجمالي العدد العام، كما تتركز البطالة في أوساط الشباب بين سن 15 و24 سنة وتبلغ حوالي 91% من إجمالي المعطلين، حيث يشكلون النسبة الكبرى في حين تشكل النساء المعطلات عن العمل نسبة 41% من عدد الشباب، وهذا حسب الإحصاءات الرسمية، وهي إحصاءات غالبا ماتكون متفائلة.
يقول اقتصاديون سوريون:"إن سوريا بحاجة إلى استثمار 5 مليارات دولار أمريكي سنويا لتوفير فرص عمل للوافدين الجدد إلى سوق العمل، في حين يحتاج الاقتصاد السوري إلى 40 مليار دولار لتحديثه، ولا بد من إيجاد مصادر تمويل استثمارية لا تقل عن 12 مليار دولار سنويا للسنوات العشر القادمة لتحويل البطالة المقنعة إلى عمالة منتجة".
ويلاحظ المراقبون الاقتصاديون هنا أن معدل النمو السكاني الحالي أكبر من معدل النمو الاقتصادي، وهو ظاهرة في الاقتصاد السوري تجعله غير قادر على استيعاب المزيد من قوة العمل، كما أن الركود الاقتصادي المسيطر منذ سنوات على البلاد يعتبر المسئول الأول عن البطالة، حيث هناك قوة بشرية وقوة عمل لم يقابلها توسع في حجم الاقتصاد.
وفيما يعترف المسئولون الاقتصاديون بأن عدد المعطلين عن العمل بلغ بين 800 ألف ومليون و300 ألف شخص لبلد عدد سكانه حوالي 18 مليون نسمة، يضيف اقتصاديون: إن هذا العدد يشكل فقط البطالة الظاهرة إنما عدد المعطلين عن العمل يصل إلى أكثر من 3 ملايين سوري؛ وهو ما يشكل 54% من قوة العمل في البلاد. هذا إضافة إلى ما تسمى بالبطالة المقنعة خاصة في الزراعة والقطاع غير المنظم، وهي النتيجة الخطيرة التي تقول إن أكثر من نصف الموارد البشرية المتاحة في الاقتصاد السوري معطلة عن العمل. وهو ما يشكل السبب الأساسي في تدني متوسط إنتاجية العمل في سوريا قياسا بدول عربية متوسطة الدخل كتونس ومصر ولبنان والأردن وتأتي سوريا في عام 2000 في الدرجة الخامسة.