صدر حديثا الرواية الاولى للكاتب شريف صالح بعنوان “حارس الفيسبوك”

منشور 04 كانون الأوّل / ديسمبر 2017 - 03:35
حارس الفيسبوك
حارس الفيسبوك

ينسج شريف صالح في روايته الأولى “حارس الفيسبوك” عالمًا افتراضيًّا، وإن كانت جذوره -في الأصل- تنتمي إلى عالم الواقع الذي لا ينفصل عنه، بل يكاد يكون هو المسبِّب في اللجوء إليه بكلّ أوهامه وأيضًا بأخطاره. الرواية الصادرة حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية-القاهرة 2017 (في 192 صفحة من القطع المتوسط) تُقدِّم صورة دقيقة لحياتنا الموازية التي خلقناها (أو توهّمناها) في فضاء العالم الافتراضي؛ حيث صار لكلِّ شخصٍ عالم آخر بديل يهرب إليه.

الغريب أنَّ هذا العالم البديل الذي خلقناه لم يتجاوز سوى الحائط الأزرق، ومثلما مُني البشر في الواقع بالهزائم نتيجة إخفاقات جميعها مرتبطة بظروف اقتصادية واجتماعية وسياسيّة قاهرة، أيضًا مُنوا بهزائم في صورة فضائح على الفضاء الافتراضي، بعد أن اخترق هاكرز الموقع وأسقط كل الصفحات، ونشر الشات على المشاع.


يوم قيامة افتراضي

يتخذ الكاتب من حادثة مُتخيّلة -وإن كانتْ تحقّقت فيما بعد- جوهرًا لروايته، ومن هذه الحادثة التي يصوغها في تساؤل افتراضي “ماذا تفعل لو انهارت صفحتك إلى الأبد مثل ورقة شجر؟ لو أصبح بإمكان أيّ شخص أن يرى الشات الذي تقوم به ويتلصّص على رسائلك الخاصة؟!” يؤسِّس روايته ويتتبع أثر هذا الانهيار على أشخاصها.

لا ينتظر الراوي إجابات لتساؤله الافتراضي من المرويّ عليهم، فيعلن قاطعًا عليهم فرصة التخمينات والتأويلات بأن هذا “ما حدث في الفيسبوك حوالي التاسعة مساء أمس انهارت الأيقونات والبروفيلات وألبومات الصور” حتى أطلق عليه المستخدمون “يوم القيامة الافتراضي” من شدّة الأضرار التي لحقت بالجميع.

يُقدّم الراوي تأويلات لما حدث وإنْ كانتْ مُفرطة في المبالغة في بعضها، لكن ما يهمّ سياق الحكاية، هو نتيجة ما حدث فقد كانت هذه الحادثة بمثابة “يوم القيامة الافتراضي” بكل ما تحمل الكلمة من حمولات حيث التوازي ليس فقط فيما أثارته مِن ذُعرٍ وخوفٍ وخسارات على كافة مستوياتها، أو في تمثّلها لصورة يوم القيامة وأهواله فما حدث “فتت الوول إلى شظايا وأشلاء” وإنما أيضًا في تحقّق فعل الجزاء والعقاب الذي تعرّض له مستخدمو الفيس جرّاء أعمالهم السرية التي انتهكوا بها حدود الواقع. وهو ما دفع الراوي لأن يتساءل في دهاء “هل مِن الممكن الثِّقَة في الفيسبوك حين يُعيد صفحاتهم مرة أخرى … إلى الحياة؟”.

في الحقيقة الانهيار غير المتوقع للفيسبوك كشف عن ضعف وهشاشة العلاقات الإنسانية والاجتماعية بخاصة، وهيمنة القيم الاستعمالية في المعاملات، وأيضًا تورط جميع الشخصيات في علاقات خفية وصلت إلى الابتزاز كما في علاقة عبدالرحمن بمهلبية، ومحاولة الزوج رشدي استغلال انفلاتها لصالحه بمحاولة ابتزاز عبدالرحمن المـُحاسِب ابن الأصول بالحصول منه على مال مُقابل التغاضي عن اتهامات الزوجة له بالتعدي عليها.

الراوي يكشف عن العوالم الخفيّة التي تدار خلف صفحات الفيس الزرقاء، وما تعجّ به من خيانات ومؤامرات وعلاقات مريبة تصل إلى التآمُّر
ومن ثم يتخذ الراوي من حادثة الانهيار مثالًا لحالة الفوضى والعبثيّة التي انتابت حياتنا وقلبتها رأسًا على عقب، وفي الوقت ذاته يكشف عن العوالم الخفيّة التي تدار خلف صفحات الفيس الزرقاء، وما تعجّ به من خيانات ومؤامرات وعلاقات مريبة تصل إلى التأمُّر كما في علاقة منال بديفيد الناشط الأميركي.

كما تُلَمِّح الرواية إلى الدور المشبوه لهذه المنظمات، في صورة الثراء الفاحش الذي ظهر على أعضائها كما ظهر على شخصية منال بشرائها شقة في المبتديان، وكذلك التحولات في شخصية محمد الحسيني الذي كان أوّل مَن أخذ بيد علي نجيب في طريق الشعر وقاده إلى إليوت وعبدالصبور، فيكتشف أنه انقلب على إليوت وانضمّ إلى ابن تيمية. وهو ما يشير إلى التغييرات الأيديولوجية التي لحقت ببنية المجتمع إزاء هزات ما بعد الربيع العربي.

مواضيع ممكن أن تعجبك