البحر المتوسط.. هل يحلّ أزمة النقل بين لبنان وسوريا!

منشور 03 نيسان / أبريل 2013 - 07:50
لا تقتصر اﻷزمة على المعابر بين لبنان وسوريا، بل تشمل المعابر البرية السورية الأخرى مع الدول العربية
لا تقتصر اﻷزمة على المعابر بين لبنان وسوريا، بل تشمل المعابر البرية السورية الأخرى مع الدول العربية

لم تعد مشكلة النقل البري تقتصر على أزمة مخاطر عبور الشاحنات والبرّادات في سوريا، بل انتقلت من المستوى الأمني إلى المستوى السياسي، مع مطالبة سورية صريحة بإيقاف التعديات على الصهاريج والشاحنات السورية في لبنان.

وفيما يبدو أن معالجة النقل عبر البحر لن تحلّ المشكلة، في ظل الكلفة الباهظة التي يصعب على المصدّر اللبناني تحملها، فضلا عن وجود منتجات لا يمكن تصديرها إلا عبر البر، علمت «السفير» أن «تنفيذ المطلب السوري هو المدخل لمعالجة العبور البري للصادرات والاستيراد اللبناني، وإلا فان المشكلة تتجه إلى مزيد من التفاقم، وقد بدأت معالمها تزداد وضوحا مع توقف شبه تام لعبور الشاحنات من لبنان وإليه، خصوصاً أن الأزمة لا تقتصر على المعابر بين لبنان وسوريا، بل تشمل المعابر البرية السورية الأخرى مع الدول العربية».

وزارات تنأى بنفسها

أمام هذا الوضع المتأزم، الذي يؤثر سلباً على مجمل الاقتصاد الوطني، لوحظ أن العديد من الوزارات المعنية مباشرة بالموضوع، نأت بنفسها، تاركة وزارة الزراعة تواجه بمفردها «الكارثة»، وكأن الأزمة تطال المنتجات الزراعية فقط، بينما في الحقيقة تشمل كل المنتجات والسلع والبضائع المصدّرة والمستوردة برّاً.

ويعلق أحد المتابعين للملف قائلا: «من المؤسف حقاً أن لا يرفّ جفن أحد من الوزراء أو الحكومة ككل أو القيادات السياسية أمام هذه الكارثة»، معتبرا أن «وزير الزراعة الذي يبذل جهودا مضنية لمعالجة الموضوع مع العديد من الجهات في لبنان والخارج، بإمكانه أن يترك هذا الأمر، باعتبار أن مشكلة الصادرات الزراعية هي جزء من مجمل الصادرات اللبنانية، ومن هنا المطلوب أن يتشارك كل الوزراء المعنيين في معالجة المشكلة، لأنها تمسّ اقتصاد البلد وتجارته، وتحتاج إلى قرار سياسي جامع، وإلا فالأزمة ستبقى مفتوحة على المجهول».

وعلى مدى حوالي أربع ساعات، عقد وزير الزراعة في حكومة تصريف الأعمال حسين الحاج حسن أمس، اجتماعات متلاحقة لمتابعة ملف النقل البري، بعدما عقد أخيراً أكثر من اجتماع لبحث الموضوع نفسه.

وطرح في الاجتماع، الذي حضره مدير عام الزراعة لويس لحود، مدير عام النقل البري والبحري عبد الحفيظ القيسي، أمين عام «اتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة» توفيق دبوسي، رئيس «اتحاد نقابات النقل البري» بسام طليس، وعدد كبير من نقابات المزارعين والتجّار والمصدّرين و«نقابة أصحاب الشاحنات»، مشكلة المعابر المقفلة من الجهة السورية في وجه الشاحنات المقبلة من الخليج والأردن والعراق، والجدوى الاقتصادية من اعتماد النقل البحري، والمسائل اللوجستية، ومذكرة التفاهم مع الجانب المصري من ناحية الإعفاءات وإجراءات نقل الشاحنات والسائقين.

إرساء تنظيم ثابت للنقل

وتفيد مصادر وزارة الزراعة «السفير» أن «الوزارة تفعل ما بوسعها وكل ما يلزم لمعالجة موضوع النقل البري والبحري، وإرساء تنظيم ثابت لمسألة النقل».

ويؤكد الحاج حسن أن «الوزارة بالتعاون مع مديرية النقل البري والبحري ومع المؤسسة اللبنانية لتشجيع الاستثمار في لبنان (ايدال) ومديرية الجمارك، ومختلف الإدارات المعنية تصدّت لمعالجة هذه المشكلة، وعملت على تطوير النقل البحري، وفتح خطوطاً جديدة خلال اجتماعات بدأت منذ أكثر من سنة ونصف السنة»، موضحا أن «جميع المؤشرات تدل على زيادة التصدير عبر النقل البحري». لكن الحاج حسن يشير إلى أن «المشكلة لم تعد اليوم مشكلة تصدير للمنتجات ولا سيما الزراعية منها، إنما هي مشكلة استيراد أيضاً، خصوصاً أن لبنان يصدر ويستورد الكثير من البضائع براً، لأنه يمكن تصديرها أو استيرادها بحراً»، مفيداً أن «لبنان يصدّر إلى الأسواق السورية حوالي 20 في المئة من مجمل الصادرات، إضافة إلى توقف التصدير براً إلى الأردن والعراق، ومختلف الدول العربية».

«لزيادة قدرة إيدال على الدعم»

وبعدما يلفت الانتباه إلى أن «هناك منتجات لا تحتمل التصدير بحراً، لأنها تفقد قدرتها التنافسية في مختلف الأسواق بسبب ارتفاع كلفة الشحن البحري نسبة إلى الشحن البري»، يؤكد أن «ما يجري اليوم يحتاج إلى معالجة ومتابعة سياسية ورسمية وأمنية على أعلى المستويات»، معلناً أن «مجلس الوزراء كلفه تقديم الحلول لمعوقات النقل البري، وقد تم تقديم الحلول، حيث تم فتح خطوط للنقل البحري، ومن يريد تطوير الخطوط البحرية إلى العراق والأردن، فليزد من قدرة إيدال على دعم التصدير البحري».

ولأن «موضوع معالجة ملف الشحن البري هو موقف وطني بامتياز، لا سيما أن المنتجين والمزارعين والمصدرين والمستوردين والصناعيين والتجّار هم من جميع الطوائف، وينتمون إلى مختلف الفرق السياسية»، يضع الحاج حسن الجميع أمام مسؤولياتهم على المستوى الاقتصادي، خصوصاً أن الشاحنات متوقفة عند مختلف المعابر البرية، آسفاً في الوقت نفسه «لأن البعض منها يضطر للوقوف عند جسر المدفون بناء على طلب القوى الأمنية».

ويكشف أن «مشكلة كبيرة تواجه النقل البحري عبر سفن الرورو، تتمثل في أن الشاحنات التي تصل إلى مقصدها غير قادرة على العودة بحراً، إذا لم تكن محملة بالبضائع، وإلا فإنها مضطرة للعودة براً بسبب الكلفة والخسائر التي ستترتب على أصحابها، ما سيخلق مشكلة نقص في الشاحنات اللبنانية المتوافرة لتصدير المنتجات اللبنانية الزراعية وغير الزراعية».

«الملف كبير والجميع معني به»

وليس بعيدا من هذه الأجواء، يؤكد طليس لـ«السفير»، أن «أزمة النقل البري، تحتاج إلى علاج سياسي أولا ثم إلى علاج أمني»، مشيرا إلى أن «الحاج حسن يتصدى للمشكلة عن كل الدولة اللبنانية».

ويرى طليس أن «هذا الملف كبير ولا يمكن لوزارة واحدة أن تقوم به، فكل الوزارات معنية فيه لمعالجته واستيعاب تداعياته»، داعياً رئيسي الجمهورية والحكومة والوزراء المعنيين لعقد اجتماع عاجل لبحث الأزمة، «التي يبدو أنها ستطول»، ويلمّح إلى أن «الجهات السورية لها موقف من عدم حماية صهاريجها وشاحناتها في لبنان، ومن هنا ضرورة معالجة هذه المسألة سريعاً».

وفي هذا الإطار، علمت «السفير» أن عددا من الجهات والشخصيات المعنية في قطاع النقل، عقدت اجتماعا في منطقة مجدل عنجر أخيراً، شددت فيه على ضرورة رفع الغطاء السياسي عن الساعين لضرب مصالح لبنان الاقتصادية والتجارية، باعتبار أن منع عبور الصادرات أو الاستيراد برّاً يضر بالقطاعات كافة، وعواقبه الاقتصادية والتجارية والاجتماعية والزراعية والسياحية كارثية على الجميع».

وينتظر في الساعات المقبلة، أن يصار إلى عقد اجتماع مماثل شمالاً، لتبني الموقف نفسه، والتشدد على ضرورة فصل موضوع السياسة عن الاقتصاد. وتبرز أهمية هذا التحرك والتأكيد على ضرورة بسط الأمن على الطرق الدولية، عشية بدء تصدير المنتجات الربيعية والاستعداد لتصدير مواسم الصيف.

«لا غنى عن البر»

وإذ تجمع أكثر من جهة معنية بملف التصديرعلى أنه «لا غنى عن البر»، يؤكد القيسي أن «لبنان لا يستطيع الاستغناء عن التصدير إلى سوريا وعبرها، خصوصاً أن اللبنانيين تأثروا نتيجة التعرض للشاحنات السورية مما أدى إلى تعقيد وضع الشاحنات اللبنانية»، مشيرا إلى أن «الاتصالات والمعالجات سمحت بخفض عدد الشاحنات العالقة في سوريا من الجهة اللبنانية أو من الجهة الأردنية من 200 شاحنة إلى حوالي 80 شاحنة». وبعدما ينبّه من أن «توقف الشحن البري سيلحق الضرر بالاقتصاد العربي»، يشدد أن «لا مصلحة للبنان في افتعال مشكلة مع أي جهة كانت، وواجبنا جميعاً تسهيل عمل جميع الشاحنات اللبنانية وغير اللبنانية لتصدير البضائع من لبنان إلى سوريا وعبرها كما الاستيراد أيضاً».

ويرى القيسي أن «التصدير بحراً لا يشكل بديلاً للنقل البري»، داعيا جميع المعنيين إلى «إعلان الالتزام بالمحافظة على جميع الشاحنات أثناء عبورها الأراضي اللبنانية».

المخاوف من خسارة الأسواق

وتوضح مصادر الوزارة لـ«السفير» أن «هناك ثلاثة أسواق هي السورية والأردنية والعراقية، يبقى التصدير إليها برّا أقل كلفة من جميع النواحي»، مشيرة إلى أن «المشكلة المتمثلة الآن، أنه بإمكان المصدرين مثلاً اعتماد خط النقل البحري بين لبنان والعقبة الأردني في الذهاب، لكن عند عودة الشاحنات فارغة، فالأوفر اعتماد البر لا البحر».

وإذ تبدي هذه المصادر مخاوفها من «خسارة لبنان العديد من الأسواق التقليدية بسبب فرق كلفة النقل، والتأخير في إيصال المنتجات إلى مقصدها»، توضح أن «الموضوع الآن يبحث على مستويين: الأول: مدى إمكانية ايدال في التدخل لتعويض فرق الكلفة على المصدرين والمزارعين. الثاني: إيجاد حل لمشكلة عبور الشاحنات برّاً».

وتخلص المصادر للتأكيد أن «الوزارة لن تتنصل من الموضوع، وستواصل مساعيها لا لتخفيف الضرر عن القطاع الزراعي وحسب، بل عن كل القطاعات المعنية بالتصدير، إذ هناك اقتناع كامل أن الموضوع يتعلق بالاقتصاد الوطني، والوزارة جزء منه، وتتحمل مسؤولياتها في هذا الإطار».

«تجمع مزارعي الجنوب»

وفي سياق متصل، أبدى «تجمع مزارعي الجنوب» بعد اجتماع عقده أمس، «قلقه مما آل إليه الوضع الزراعي». وتوقف «عند قضيتي تصدير إنتاج موسمي الموز والحمضيات، وزيادة رسوم ري مشروع القاسمية ورأس العين بنسبة 25 في المئة»، معرباً عن استنكار التجمع لهذه الزيادة»، مؤكدا أن «ظروف المالكين والمزارعين لا تسمح بزيادات من هذا النوع في الوقت الراهن».

وأوضح رئيس التجمع هاني صفي الدين أن «المساعي لا تزال مستمرة لإيجاد أسواق إضافية لتصريف المنتجات الزراعية، ومنها التواصل المستمر مع الاقتصاديين والتجّار الأوكرانيين للتصدير عبر البحر»، لافتا الانتباه إلى «مساعي مماثلة يقوم بها وزير الزراعة الذي استقبل الأسبوع الماضي وفدا من هؤلاء التجار».

يشار إلى أن 90 في المئة من الصادرات الزراعية اللبنانية، تصدر براً نحو الدول العربية.


2019 © جريدة السفير

مواضيع ممكن أن تعجبك