لبنان واقتصاد النأي بالنفـس!

منشور 06 أيّار / مايو 2012 - 10:04
تضع سياسة «النأي بالنفس» اقتصادياً، الحكومة أمام استحقاقات كثيرة
تضع سياسة «النأي بالنفس» اقتصادياً، الحكومة أمام استحقاقات كثيرة

تنتهج الحكومة سياسة «النأي بالنفس» اقتصاديا، ما تسبب بمشاحنات وانتقادات حادة بين اعضائها، بخلافات واتهامات رفيعة المستوى مع خارجها، كما ادت الى شلّ أدائها، واضعاف فعاليتها، وتعطيل ملفاتها المالية، وتأخير اقرار موازناتها العامة، وتأجيل تنفيذ مشاريعها الانمائية، وعرقلة اصلاحات قطاعي الطاقة والاتصالات، وتعـّثر التشكيلات الدبلوماسية والتعيينات الادارية والقضائية، وتزايد التحركات المطلبية، وارتفاع مستوى فلتان الاسعار وحجم انتشار المواد الفاسدة، وتردي اوضاع الاتصالات، وتزايد التقنين.

تضع سياسة «النأي بالنفس» اقتصاديا، الحكومة أمام الاستحقاقات التالية:

أولا: معالجة الملف المالي المتعلق بإقرار مشروع قانون فتح اعتمادات اضافية بقيمة 8900 مليار ليرة:

اتخذ الملف بعدا سياسيا تصاعديا مبتعدا عن المعالجة التقنية والدستورية. اصبح سياسيا بامتياز من ناحية الاتهامات التي وجهت الى قوى سياسية معينة بالتعطيل والابتزاز وطلب المقايضة لتغطية شوائب مالية ومخالفات قانونية او من ناحية الانتقادات التي وجهت الى رئيس الجمهورية بعدم استخدام صلاحياته الدستورية عملا بالمادة 58 من الدستور لاصدار مشروع القانون بمرسوم بدلا من مطالبته الحكومة اعادته الى وزارة المال لاعادة صياغته.

تقع اهمية معالجة الملف المالي على الأصعدة التالية:

1- أنه يقونن الانفاق الاضافي الذي حصل في العام 2011 البالغ 8900 مليار ليرة.

2- أنه يرفع سقف الانفاق المجاز قانونيا على القاعدة الاثني عشرية، بانتظار اقرار مشروع موازنة 2012، من 10 الاف مليار ليرة الى 18900 مليار ليرة ما يتيح للحكومة تغطية الاحتياجات الاضافية والاستثنائية، وتنفيذ المشاريع الانمائية والاستثمارية، وتسيير المرافق العامة، وتعزيز التقديمات الاجتماعية، وتلبية اولويات المواطنين... كما انه يجعل الانفاق العام في العام 2012 غير مقتصر على دفع الرواتب والاجور والتعويضات نهاية الخدمة المقدّرة 5790 مليار ليرة، وعلى خدمة الدين العام المقدّرة 5800 مليار ليرة ما مجموعهما حوالي 11600 مليار ليرة، بل يعطي الحكومة امكانية الانفاق الانمائي والاستثماري والتقديمات الاجتماعية اي المساهمة في شكل فعّال في الاقتصاد والنمو.

3- يحــّرر السلطة التنفيذية من ابتزازات القوى السياسية، ويحرّرها من التعطيل في المجلس النيابي والمقايضة بملف 11 مليار دولار لا سيما ان الاوضاع السياسية السائدة تبين ان ظروف احالة الحكومة مشروع قانون جديد ومعدل لملف 8900 مليار ليرة الى المجلس النيابي لاقراره هو حاليا غير متوفر، وأن قرار التعطيل ما زال سيد الموقف.

ثانيا: - دفع زيادة الرواتب والاجور للقطاع العام:

تستطيع الحكومة تحقيقها من خلال اقرار مشروع موازنة العام 2012 راصدة الزيادة في نفقاتها والمقدرة بحوالي 1700 مليار ليرة او من خلال التقدم بمشروع قانون خاص يجيز لها زيادة الرواتب والاجور ودفعها:

1- اقرار مشروع موازنة 2012 : تبيــّن المعطيات السياسية والقانونية عجز الحكومة عن اقرار مشروع الموازنة في المجلس النيابي في المدى القريب للاسباب التالية:

تأخر وزارة المال عن تقديم المشروع 8 اشهر عن المهل الدستورية الى مجلس الوزراء وفق المادة 17 من قانون المحاسبة العمومية بفعل التعديلات التي قام بها وزير المال على صعيد زيادة نفقات الرواتب والاجور والاجراءات الضرائبية ، كذلك بسبب تأخر الحكومة على احالة المشروع اكثر من 7 اشهر عن المهل الدستورية الى المجلس النيابي وفق المادة 18 من قانون المحاسبة العمومية الذي يقضي «ان يقدم وزير المالية مشروع الموازنة الى السلطة التشريعية قبل اول تشرين الثاني... بالاضافة الى ان اقرار مشروع موازنة 2012 يتطلب اقرار قطع حساب 2010 وفق المادة 87 من الدستور غير المتوفر حاليا مع الاخذ بالاعتبار ان الحكومة احالت مؤخرا الى المجلس النيابي مشروع قطع حساب لسنوات 2006 2010 لمناقشته ولكن اقراره يتطلب الوقت والتدقيق المالي.

2- تقدّم الحكومة بمشروع قانون خاص: يعتبر الحل الامثل والاجدى في الظروف الحالية، الحل الذي يحقق عدالة اجتماعية، ويساوي القطاع الخاص بالقطاع العام، ويعطي موظفي القطاع العام الزيادة التي حصل عليها موظفو القطاع الخاص منذ الاول من شباط 2012 لا سيما ان الاوضاع الاجتماعية والمعيشية تزداد سوءا، واسعار السلع الرئيسية تزداد ارتفاعا.

ثالثــا: - التوقف عن دفع الرواتب والاجور:

لا يحق للحكومة التوقف او التهديد بالتوقف عن الدفع لان نفقات الرواتب والاجور المقدرة 3960 مليار ليرة، وتعويضات نهاية الخدمة ومعاشات التقاعد المقدرة 1830 مليار ليرة اي ما مجموعهما 5790 مليار ليرة في مشروع موازنة 2012 تعتبران وفق قانون المحاسبة العمومية بالنفقات الدائمة والاساسية وذات صفة الزامية لانها ديون مترتبة على خزينة الدولة، ولا تتطلب دفعها الى اجازة مسبقة من المجلس النيابي، كما انها لا تخضع للقاعدة الاثني عشرية، وتنفقها الحكومة من خلال فتح اعتمادات دفع وليس من خلال فتح اعتمادات تعهد. كذلك ينطبق الامر على خدمة الدين العام وعلى اعتمادات قوانين البرامج التي اقرت في المجلس النيابي. لذلك جاءت التصريحات اللاحقة من رئيس الحكومة ووزير المالية والمسؤولين لطمأنة الموظفين على استمرار الحكومة دفع الرواتب والاجور. اما المصادر المتوفرة لتمويل الرواتب والاجور هي التالية:

- الاموال العامة للدولة المودعة في المصرف المركزي (ودائع القطاع العام) البالغة في 15/4/2002 ما يقارب 8900 مليار ليرة.

- الاستدانة لتغطية العجز بسبب وجود اجازة قانونية لفتح اعتمادات دفع.

- مداخيل الدولة من الايرادات الضريبية المقدرة 11580 مليار ليرة في مشروع موازنة 2012 .

تضع الانفاق على القاعدة الاثني عشرية النفقات الدائمة والالزامية في اولويات الانفاق العام للحكومة.

حققت الحكومة ايجابيات بسياسة «النأي بالنفس» سياسيا اذ حافظت على الاستقرار الداخلي وعلى العلاقات الخارجية المقبولة، ولكن اقتصاد «النأي بالنفس» حقق سلبيات اذ ساهم بشلّ انتاجية الدولة، وتعطيل تسيير شؤونها، وتراجع المؤشرات الاقتصادية، وتزايد معاناة المواطنين.


2019 © جريدة السفير

مواضيع ممكن أن تعجبك