حكومة لبنان تواجه الأزمات بتصريف الأعمال!

منشور 26 نيسان / أبريل 2012 - 12:14
إلى متى ستظل الحكومة تعطل نفسها بنفسها؟
إلى متى ستظل الحكومة تعطل نفسها بنفسها؟

إلى متى ستواصل الحكومة سياسة الهروب إلى الأمام؟

إلى متى ستواجه الاستحقاقات المعيشية والاجتماعية بمنطق شراء الوقت، الذي قد يؤجل هذه المشكلة أو تلك الى حين، ثم لا تلبث ان تنفجر؟  إلى متى ستستمر في التصرف كساحر مبتدئ، وغير مقنع، للتغطية على سوء معالجة الملفات، كأن تلجأ الى تخفيض وزن ربطة الخبز من دون المساس بسعرها، في مناورة مكشوفة لم تنجح في إخفاء الحقيقة الموجعة، وهي ان الرغيف يتقلص شيئا فشيئا، الى حد بات يوحي بأن هناك قرارا رسميا بفرض «الريجيم» على اللبنانيين، لاسيما إذا أضيف الى تضاؤل ربطة الخبز ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية؟ 

إلى متى ستظل الحكومة غارقة في جدل بيزنطي حول من يُقر مشروع تغطية إنفاق الـ8900 مليار ليرة، رئيس الجمهورية أم مجلس النواب، فيما نفقات الوزارات ومشاريعها تكاد تصبح مجمدة بالكامل .. إلا في حدود تأمين الرواتب والأجور؟ إلى متى ستظل الحكومة تعطل نفسها بنفسها، فلا هي قادرة على معالجة الملفات الكبيرة من نوع بواخر الكهرباء، وقانون الانتخاب والموازنة والتعيينات الأساسية، ولا هي قادرة على الاستجابة لمطالب السائقين العموميين والاساتذة والمياومين في مؤسسة الكهرباء! 

وما يزيد الطين بلة، ان هذا الواقع القاتم يترافق مع اهتزازات أمنية متنقلة، من طرابلس الى صور وما بينهما من حوادث متفرقة تشمل القتل والسرقة والخطف، الامر الذي يضع الإنجاز الأهم للحكومة حتى الآن، وهو الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار الداخلي، في مهب المفاجآت غير السارة، على عتبة فصل الصيف والسياحة.

وبناء على كل ذلك، فان الحكومة مطالبة بإحداث صدمة سريعة في أدائها وإنتاجيتها، فعلا وليس قولا، قبل ان يذهب هباء مفعول ورقة اليانصيب السياسية التي ربحتها، الاسبوع الماضي، من خلال الثقة النيابية المتجددة التي فازت بها، وإلا فإن استمرار المراوحة الحالية ستكون له تداعيات سلبية، وخصوصا على مكونات الاكثرية التي ينبغي ان تستعد للانتخابات النيابية بشكل افضل، لئلا يكون ثمن الخطأ في الحسابات مكلفا.

التحركات المطلبية 

وفي ما خص تحرك السائقين العموميين، يشهد قطاع النقل اضرابا اليوم، من المتوقع ان يشل جزءا كبيرا من الحركة، فيما تشهد بيروت تظاهرة مركزية، تنطلق عند الحادية عشرة صباحا من ساحة الكولا باتجاه السرايا الحكومية، الى جانب تحركات احتجاجية في مختلف المناطق. ولكن هذا الاضراب يواجه تحديا نقابيا، من داخل البيت، في الدرجة الاولى، في ظل قرار عدد من المعنيين بعدم المشاركة، الامر الذي يدفع الى طرح تساؤلات حول فعالية القيادة الحالية للسائقين ومدى تعبيرها عن القاعدة. فقد قال رئيس «اتحاد الولاء لنقابات النقل والمواصلات في لبنان» عبدالله حمادة لـ «السفير» ان الاتحاد لن يلتزم بقرار الاضراب لان هذا القرار اتخذ من دون التشاور معه، كما اعلن رئيس نقابة السائقين في الشمال شادي السيد ونقابة «الميني باص» في بعلبك عدم الالتزام بالاضراب.

من جهة ثانية قرر مجلس الوزراء أمس، المسّ مباشرة بالأمن المعيشي الهش لغالبية المواطنين، متجاهلا انعكاسات خفض وزن ربطة الخبز 100 غرام على الصعد الاجتماعية كافة، إذ، وعلى الرغم من ادعاء الحكومة أن سعر الربطة لن يتغير وهو 1500 ليرة، فان ارتفاع السعر يتحقق فعلياً بعد خفض الوزن من ألف غرام إلى 900 غرام، وفق القرار الذي أصدره وزير الاقتصاد والتجارة نقولا نحّاس. وأكد رئيس «اتحاد نقابات أصحاب الأفران في لبنان» كاظم إبراهيم لـ«السفير» أن «النقابة لم تكن مع قرار خفض الوزن، لكنها ستلتزم به بدءا من شهر أيار المقبل». الى ذلك، وافق مجلس الوزراء في جلسته أمس على زيادة التعرفات الطبية والاستشفائية وفق الاقتراح الذي تقدمت به «نقابة المستشفيات»، على ان يتولى وزير العمل سليم جريصاتي إقناع مجلس إدارة «الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي» بالقبول بالتعرفات الجديدة التزاماً بالقرار الصادر عن الحكومة.

في المقابل، تمكن الرئيس نبيه بري من إقناع المدرسين المتعاقدين في مرحلة التعليم الأساسي الرسمي بتعليق إضرابهم المفتوح، والعودة الى التدريس بدءا من اليوم، بعدما أخذ على عاتقه سحب مشروع قانون المباراة المفتوحة، والبحث عن حلول أخرى تنصف المتعاقدين. وعلقت رابطتا اساتذة التعليم الثانوي الرسمي وأساتذة التعليم المهني والتقني، الإضراب والاعتصام اللذين كانا مقررين اليوم الخميس تجاوبا مع «ايجابية وزيري التربية والمالية». وأبقت اللجنة العليا للأساتذة المتعاقدين في التعليم المهني والتقني الرسمي في لبنان، إضرابها المقرر اليوم وغدا والسبت، على أن ينفذ ظهر غد الجمعة اعتصام أمام وزارة التربية ـ الأونيسكو.

مجلس الوزراء

في هذا الوقت تمحورت مناقشات مجلس الوزراء، أمس، في القصر الجمهوري في بعبدا، حول موضوع الانفاق الحكومي من خارج الموازنة العامة ربطا بمشروع الـ8900 مليار ليرة في ضوء تكرار رئيس الجمهورية ميشال سليمان رفضه توقيع المرسوم، معتبرا انه سيكون عرضة للطعن أمام المجلس الدستوري لعدم توافر الشروط القانونية فيه.

وعلم ان نقاشا مطولا، لم يخل من الحرارة، دار حول هذه النقطة، وسط انقسام في الآراء بين وزراء رئيس الجمهورية والحزب التقدمي الاشتراكي المؤيدين لموقف سليمان، ووزراء تحالف حركة «أمل» و«حزب الله» و«التيار الوطني الحر» الذين بدوا قوة هجومية موحدة، وضغطوا في اتجاه حث سليمان على توقيع المرسوم تفاديا للفراغ القانوني على المستوى المالي. وفي معلومات «السفير» ان الوزير شكيب قرطباوي خاطب سليمان بالقول: فخامة الرئيس.. ان ما ترفض القيام به، فعله رؤساء عديدون للجمهورية، ففؤاد شهاب استعمل التوقيع ذاته 200 مرة، وكميل شمعون 40 مرة والرئيس الياس سركيس 45 مرة، وهذه الصلاحية تحديدا أتاحت صدور قوانين مهمة، مثل قانون المحاسبة العمومية وقانون تملك الاجانب وقانون النقد والتسليف. أما الوزيران علي حسن خليل ومحمد فنيش فقد حذرا من ان عدم إصدار مشروع الـ8900 مليار بمرسوم أصاب الدولة بالشلل المالي وحوّل الحكومة الى حكومة تصريف أعمال.

ومن ناحيته، استغرب الوزير جبران باسيل ربط سليمان بين دستورية المرسوم والأخذ بملاحظات لجنة المال على المشروع، لافتا الانتباه الى ان هذه الملاحظات هي تقنية محض ويمكن لحظها في قرار تتخذه الحكومة، مشددا على ان الحكومة أنجزت قطع الحساب ووضعت مشروع الـ8900 مليار حتى لا ترتكب مخالفات في الإنفاق، كما فعل غيرها. ورد سليمان على معارضي موقفه بالقول إنه أجرى استشارات قانونية ودستورية مع أكثر من خبير، اكدت ان المرسوم لا يمكن توقيعه بالحالة الحاضرة، ولو أقره مجلس النواب بالحالة هذه، لتعرض الى الطعن لأنه غير قانوني، مقترحاً على وزير المال اعادة صياغة هذا المشروع، مع الاخذ برأي لجنة المال والموازنة النيابية، لإرساله بصفة المعجل لاقراره في مجلس النواب، واذا لم يقر يتم اتخاذ القرار المناسب. وطلب سليمان الى وزير المالية الاستمرار بدفع الرواتب والاجور وملحقاتها، مشددا على ان تعطيل النصاب (في مجلس النواب) قد يكون عملا ديموقراطيا، لكنه ليس ممارسة صحيحة للديموقراطية خصوصاً ان هناك اموراً معيشية تهم مصالح المواطنين يجري البحث فيها، مضيفا: أفهم تطيير النصاب لسبب سياسي، أما لسبب يتعلق بأمور الناس فهذا تعطيل للعمل البرلماني. ولكن وزراء «أمل» و«حزب الله» و«التغيير والاصلاح» أكدوا مجددا انه لا يجوز استمرار الإنفاق من دون غطاء قانوني، وان من صلاحية رئيس الجمهورية استنادا الى المادة 58 من الدستور إصدار مشروع تغطية إنفاق الـ8900 مليار ليرة بمرسوم، بعد مرور 40 يوما على عرضه بصفة معجل امام الهيئة العامة لمجلس النواب من دون إقراره، لاسيما وان نواب «14 آذار» مارسوا الابتزاز وربطوا تأمين النصاب لتمرير هذا المشروع في مجلس النواب، بتمرير مشروع الـ11 مليار دولار المتعلق بنفقات حكومات فؤاد السنيورة وسعد الحريري.

ورأى هؤلاء الوزراء ان ملاحظات لجنة المال ليست ملزمة، وان المخرج يتمثل في ممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية الدستورية والتي تعطيه حق التصرف في مثل هذه الحالات، للخروج من المأزق. ونبه وزير المال محمد الصفدي من انه لا يستطيع، في ظل الفراغ القانوني الحالي، تأمين التغطية المالية لمشاريع ونفقات الوزارات، وانه سيعمل فقط على تسديد الرواتب والأجور. وبرغم كل محاولات الإقناع، ظل سليمان مصرا على رفض التوقيع، قائلا للوزراء: لن أوقع المرسوم لانه يتضمن مخالفات، ولا تحملوني مسؤولية من هذا النوع، والحل يكمن في ان يضع وزير المال مشروعا معدلا، مستندا الى ملاحظات لجنة المال، ثم يحال الى مجلس النواب للنظر فيه، فإذا لم يقره مرة أخرى أدرس الخيار المناسب. وهنا، قيل لرئيس الجمهورية من أصحاب وجهة النظر الأخرى انهم يعارضون تكليف الصفدي بهذه المهمة من قبل مجلس الوزراء، ما دفع سليمان الى التأكيد انه يحق له كرئيس للجمهورية ان يطلب من وزير المال إعداد مشروع معدل، على ان يدرسه مجلس الوزراء في جلسته المقبلة ويرفعه الى مجلس النواب ليأخذ طريقه لاحقا الى لجنة المال، ثم الهيئة العامة التي تملك مهلة 40 يوما للبت به.

وإزاء الرحلة الزمنية الطويلة التي تنتظر المشروع المعدل، تقرر ان يبحث مجلس الوزراء في الجلسة المقبلة، في كيفية تأمين النفقات الضرورية للوزارات ومن بينها «الصحة» المعنية بحياة الناس، و«التربية» التي ينتظرها استحقاق الامتحانات، والدفاع المولجة بتأمين الاحتياجات اللوجستية للجيش اللبناني، على ان يتم دفع الرواتب والاجور استنادا الى قاعدة «حسن سير المرفق العام». وأكد الصفدي لـ«السفير» ان «مسألة تصحيح الاجور للقطاع العام قاربت على الانجاز النهائي وهناك اجتماع يوم غد الجمعة مع وزير التربية حسان دياب وتصبح السلسلة الجديدة جاهزة»، مضيفا انه «ستتم دراسة الحلول لمسألة الانفاق الحكومي لا سيما قضية الـ8900 مليار ليرة». 

اقتراع المغتربين 

في الشأن الانتخابي، أكد سليمان انه يجب اجراء الانتخابات النيابية العام المقبل والتعالي على المصالح الشخصية الصغيرة، منبها الى انه لا يجوز عدم اشراك المغتربين فيها، حتى لا تصبح قابلة للطعن، بينما شدد الرئيس نجيب ميقاتي على ضرورة الاسراع في انجاز مشروع قانون الانتخاب، «علماً أن الحكومة لا تتحمل وحدها مسؤولية اقرار القانون لأن ذلك من مسؤولية المجلس النيابي الذي ستكون له الكلمة الفصل». وعرض وزير الخارجية عدنان منصور احتياجات وزارة الخارجية من أجل إنجاز آلية الإشراف على اقتراع المغتربين، ومن بينها تعيين 100 موظف جديد في البعثات الخارجية، وتحقيق ربط معلوماتي بين البعثات الدبلوماسية ووزارتي الخارجية والداخلية، وتشكيل لجنة مشتركة بين الوزارتين لمتابعة هذا الملف. كما اقترح منصور تحديد «كوتا» للمغتربين، بحيث يكون لهم 10 نواب موزعين مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، ما يعني ان عدد النواب سيرتفع الى 138 نائبا. وتقرر تأجيل حسم هذه النقطة الى حين تحديد طبيعة قانون الانتخاب، باعتبار ان مسألة الـ«كوتا» المقترحة مرتبطة بهذا القانون ويُفترض ان تكون جزءا من النقاش العام حوله.

وقرر مجلس الوزراء تعيين جان العليّة مدير عام ادارة المناقصات في التفتيش المركزي، وتشكيل لجنة عليا مشتركة لبنانية - ايرانية برئاسة رئيس مجلس الوزراء. ودعا ميقاتي الحكومة الى الانعقاد بعد ظهر يوم الاربعاء في 2 ايار في السرايا الحكومية وبعد ظهر يوم الخميس في 3 أيار في القصر الجمهوري.


2019 © جريدة السفير

مواضيع ممكن أن تعجبك