ملف الغاز المصري: لماذا تلتزم مصر بتعهداتها واتفاقياتها مع اسرئيل في حين تخل بها مع الأردن؟

منشور 14 تشرين الأوّل / أكتوبر 2012 - 09:09
لقد ترتب على الأردن أزمات مالية ضخمة نتيجة لانقطاع الغاز المصري
لقد ترتب على الأردن أزمات مالية ضخمة نتيجة لانقطاع الغاز المصري

ابتعد ملف «تزويد الغاز المصري للاردن» عن الطابع الاقتصادي ومال نحو الطابع السياسي الى حد كبير، أمام كثير من الوقائع التي لا يسع لأي مراقب ومتتبع الا أن يرى تناقض الكلمة والالتزامات ومسارات التطبيق العملي. هذا الملف الذي وصفه وزير الخارجية ناصر جودة بأنه العبء المالي الذي قصم ظهر البعير، واصفا بذلك حجم الخسائر التي وقعت على موازنة الدولة نتيجة لانقطاع تزويد الاردن بالغاز المصري، وواضعا الجميع امام مسؤولياته لضرورة تجاوز هذه الاشكالية والالتزام بالاتفاقيات الخاصة بهذا الشأن. وبين واقع هذا الملف وهوامشه، تظهر الازمة بل والمأزق في حقيقة لا يمكن تجاوزها بأن مصر تعمدت عدم ايجاد حلول للملف على مدى عام كامل، رغم قناعتها بأن الاردن ترتب عليه ازمات مالية ضخمة نتيجة لانقطاع الغاز المصري عنها وصلت الى اكثر من مليار ونصف المليار دينار خلال العام الحالي، رغم تأكيدات من مصادر متعددة بأنها لم تتوقف عن ضخ الغاز عن اسرائيل التي ما تزال تحصل على حصتها من الغاز المصري وفق الاتفاقية التي وقعت بالتزامن مع اتفاقية الاردن بذات الخصوص وبذات الاسعار التي اتفق عليها منذ العام 2004 حيث وقعت الاتفاقية.

وفي متابعة لـ «الدستور» حول تفاصيل هذا الملف الذي بات يحمل ابعادا سياسية واضحة، اكد خبراء ومختصون ان مصر تزود اسرائيل بحصتها من الغاز، مبينين ان تكرار تفجير خط الغاز بين الاردن ومصر له مدلولات سياسية سلبية. من جانبها، اكدت السفارة المصرية لدى الاردن ان هذا الملف يبحث بين الحكومتين الاردنية والمصرية والسفارة لا تتدخل بأي تفاصيل كما لم يحدث في الاشهر الماضية ان تدخلت بذلك. وفي تفاصيل توقيع الاتفاقية وفق مصادر مصرية، فقد تم توقيعها لغايات تزويد الأردن بالغاز الطبيعى العام 2004 ولمدة 15 عاما تنتهي في العام 2019 تقضى بتوريد 240 مليون قدم مكعب يوميا للمملكة (2.4 مليار متر مكعب سنويا)، وأن هذه الكمية تغطى 80% من احتياجات الأردن من الكهرباء. فيما تراجعت كميات الغاز المصري الواردة إلى الأردن حاليا إلى حوالي 40 مليون قدم مكعب يوميا تشكل حوالي 16% من إجمالي الكميات المتعاقد بين البلدين حيث تتناقص كميات الغاز التي ترد للأردن منذ العام 2009 والذي سجل نسبة استيراد بلغت 80%.

ووفق ما اكده نواب سابقون فان معلومات ووثائق لديهم تشير الى ان مصر لم تكن جادة في علاج اشكاليات هذا الملف، مشيرين الى معلومات تؤكد ان مصر تزود اسرائيل بالغاز الطبيعي وبنفس الاسعار السابقة دون اي تعديل، مطالبين بضرورة ان تراعي مصر التزاماتها مع الاردن واتفاقياتها. وفي موضوع الاسعار بينت مصادر مصرية ان بلادها عدّلت الاتفاقية مع الأردن لرفع السعر من 15ر2 دولار إلى أكثر من 5 دولارات للمليون وحدة حرارية بريطانية وذلك للكميات المتفق عليها حتى عام 2019 وبأثر رجعي منذ شهر كانون الثاني الماضي على أن يتم تعديل سعر الغاز المصدر بعد ذلك كل سنتين وفقًا للقواعد المعمول بها في السوق العالمية. الاردن رسميا اكتفى بالمطالبات بضرورة تزويده بالغاز، سيما وان الانقطاعات المتكررة لتدفق الغاز المصري أدت إلى الاعتماد على الوقود الثقيل والديزل لتوليد الكهرباء مما يحمل الخزينة المحلية خسائر تقدر بنحو 5 ملايين دولار يوميا حيث تعتمد المملكة على إنتاج 80% من احتياجاتها من الكهرباء على الغاز المصري والنسبة المتبقية يتم إنتاجها بواسطة الوقود الثقيل. واكد مدير عام شركة الكهرباء الاردنية السابق د.احمد حياصات ان الاردن يعتمد على 97% من مصادر الطاقة على الخارج وذلك بمعدل 51 % للنفط و46 % على الغاز المصري.

ولفت حياصات الى ان خسائر الاردن نتيجة لازمة الغاز المصري وتكرار تفجير خط الانابيب الذي يزودنا بالغاز يقدر بمليار ونصف خلال العام الحالي، مبينا ان الامر تجاوز المنطق ولم يعد مبررا ما يقوم به المصريون. نقيب اصحاب المحروقات وتوزيع الغاز فهد الفايز اكد من جانبه ان الملف اخذ بعدا سياسيا اكثر منه اقتصاديا، وارتفاع فاتورة الطاقة الاردنية سببها الرئيسي انقطاع الغاز المصري، وهذا الامر اوقعنا في مشاكل عديدة. الفايز اشار الى ان غاز المنازل لا علاقة له بالغاز المصري الذي يعتمد عليه الاردن في توليد الكهرباء وتشغيل مصانع الاسمنت والحديد، لكن حتما له تأثير اقتصادي على كافة القطاعات لارتفاع تكاليف توليد الكهرباء.

وعن تزويد مصر لاسرائيل بالغاز اشار الفايز الى ان الحديث كثر بهذا المجال وانباء اثيرت حول تزويد اسرائيل بحصتها كاملة، لكن لم يردنا معلومات رسمية بهذا الخصوص، سيما وان الاتفاقية الموقعة بهذا الشأن وقعت في ذات الوقت بين الاردن ومصر واسرائيل. في حين اشار رئيس لجنة الطاقة في مجلس النواب السابق جمال قموه ان انقطاع الغاز المصري اوقع الاقتصاد الوطني في ازمة كبيرة، ومأزق في الموازنة نظرا لاعتمادنا عليه بشكل كبير في توليد الكهرباء. ولفت قموه الى ان تكرار التفجيرات مسألة تدعو للتوقف واخذ الامور من جانب جدي حذر كونها تدل على وجود مؤشرات غير صحية فأن يفجر الخط 15 مرة مسألة غير مقبولة بالمنطق الطبيعي، وكان من الممكن ان توفر الحكومة المصرية اهتماما اكبر للقضية وحماية للخط لعدم تكرار المسألة لتصل الى 15 مرة. واستغرب قموه ان الحكومة المصرية الجديدة تعلم جيدا مدى تضرر الاقتصاد الاردني جراء انقطاع الغاز المصري ومع هذا لم ترك ساكنا، والامر لم يتعد وعود باعادة الضخ وبشكل تدريجي ليس بالصورة المتفق عليها. اما النائب السابق محمود الخرابشه فأكد من جانبه ان مصر تزود اسرائيل بالغاز الطبيعي ولم تقطعه عنها بالمطلق، وبذات الاسعار والمواصفات والكمية المتفق عليها سابقا بمعنى انه لم يتم رفع الاسعار كما حدث مع الاردن. وحمّل الخرابشه الحكومة المصرية مسؤولية الخسائر التي تكبدتها خزينة الدولة نتيجة لانقاطاع الغاز المصري، الذي بات يؤكد ان انقطاعه متعمدا رغم وجود اتفاقية تحمي حقوق الاردن بهذا الاطار لكن للاسف مصر لم تلتزم بها. وتساءل الخرابشه لماذا تلتزم مصر بتعهداتها واتفاقياتها مع اسرئيل في حين تخل بها مع الاردن وتحرمه من حقوقه، مشيرا الى ان اكثر من 13 تفجيرا حتما يقود الى تساؤلات كبيرة تجعل من الامر اكبر بكثير من انها مسألة تفجير عادية نتيجة لظروف امنية غير مستقرة!!. واشار الخرابشه الى تحرك نيابي مكثف شهدته اروقة المجلس مؤخرا في موضوع الطاقة التي تشكل العبء الاكبر على موازنة الدولة، لكن حتما موضوع الغاز المصري تجاوز الشأن الاقتصادي وحتما وراء ما يحدث اسباب سياسية.

وطالب الخرابشه الحكومة المصرية الالتزام تجاه الاردن بالاتفاقيات الموقعة بهذا الجانب، ذلك ان الخسائر باتت ضخمة ولا يمكن ان يتحملها الاردن الذي وضع سياساته وخططه بناء على اتفاقيات والتزامات مصرية يجب ان تحافظ عليها وتلتزم بها، وتحميها. ووفق مصدر مأذون في السفارة المصرية في عمّان فانه لا يوجد اي معلومات لدى السفارة بموضوع الغاز، لافتا الى ان الامر يتابع من الحكومتين الاردنية والمصرية، وهناك بوادر انفراج وحل قريب للملف. واعتبر ذات المصدر ان الامر بدأ يأخذ بعدا حساسا خلال الفترة الاخيرة تحديدا بعد اعلان جماعة الاخوان المسلمين ارسال وفد الى مصر لمتابعة الامر ومن ثم العودة عن قرارهم، مشيرا الى ان الموضوع اصبح اكثر حساسية الان والسفارة لم تبلغ باي معلومات رسمية بهذا الشأن، الذي يبحث من قبل الحكومتين. الجدير بالذكر، ان معدل كميات الغاز الطبيعي الواردة من مصر إلى الأردن يوميا في العام الماضي بلغت نحو87 مليون قدم مكعب مقارنة مع 220 مليون قدم مكعب عام 2010 و300 مليون قدم مكعب العام الذي سبقه، فيما بدأت مصر في الثالث من ايار الماضي الضخ التجريبي للغاز الواصل للأردن بعد أن تعرض الخط إلى 15 عملية تفجير منذ 5 شباط 2011 وذلك بطاقة تتراوح ما بين 50 و75 مليون قدم مكعب يوميا. واعلن مصدر مصري ان مصر والأردن كانتا قد اتفقتا في شهر ايلول 2010 على تزويد الأردن بكميات إضافية من الغاز والبالغ حجمها 2ر1 مليار متر مكعب ولمدة توريد 10 سنوات من تاريخ توقيع الاتفاقية إلا أنه لم يتم توقيع الاتفاقية حتى الآن.

وبين المصدر ذاته أنه بموجب العقد الأصلي الموقع بين مصر والأردن يبلغ حجم كميات الغاز المصري التي تصل إلى المملكة 240 مليون قدم مكعب يوميا (4ر2 مليار متر مكعب سنويا) حيث سترتفع مع وصول الكميات الإضافية التي تم الاتفاق عليها إلى 300 مليون قدم مكعب يوميا (3ر3 مليار متر مكعب سنويا).

وكانت الحكومة الأردنية قد وقعت في 24 كانون الثاني 2011 اتفاقية تأجير مسار خط الغاز العربي لصالح شركة فجر الأردنية المصرية بعد استملاك مساحات الأرض التي يمر بها الخط من أصحابها ويمتد الخط بين منطقة رحاب والحدود الأردنية السورية شمالا.. هذه الاتفاقية تمكن من توفير مسار خط الغاز الطبيعي العربي للمشروع من رحاب إلى الحدود الأردنية السورية، ويعتبر هذا المشروع من مشاريع توفير الطاقة لتوليد الكهرباء والمشاريع الصناعية والاقتصادية، وأحد أوجه التعاون العربي المشترك؛ حيث يربط هذا الخط مشروع أنبوب الغاز الطبيعي بين مصر والأردن وسوريا ولبنان.


© 2019 Jordan Press & publishing Co. All rights reserved.

مواضيع ممكن أن تعجبك