دول تتجه لتخفيض قيمة عملاتها تحت وطأة التباطؤ الاقتصادي

منشور 31 آذار / مارس 2016 - 08:07
\خفض قيمة العملة قد يكون حلا إيجابيا من وجهة نظر بعض الحكومات، إذا كان أغلب الديون واجبة السداد تعود لمواطنيها
\خفض قيمة العملة قد يكون حلا إيجابيا من وجهة نظر بعض الحكومات، إذا كان أغلب الديون واجبة السداد تعود لمواطنيها

تعددت الأسباب والقرار واحد، وهو "خفض قيمة العملة"، إذ إنه عندما تقدم دولة ما على تلك الخطوة، فمن غير الضروري أن يكون مرجعه سببا واحدا، وإنما في الغالب هناك مجموعة من الأسباب المترابطة والمركبة في الوقت نفسه.

فخفض العملة أحد أبرز القرارات الاقتصادية السيادية، وإن كان هذا لا يمنع من أن يمارس الدائنون الدوليون، والمؤسسات المالية ذات الصبغة العالمية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، وبالطبع الإدارة الأمريكية، كما تفعل مع نيجيريا حاليا، ضغوطا أو تقدم لهم نصائح بأهمية خفض قيمة العملة، لتشجيع النمو وجذب المزيد من الاستثمارات الخارجية.

وربما يكون السبب الأبرز والتقليدي عادة في إقدام دولة ما على خفض قيمة عملتها، هو الرغبة في زيادة الصادرات وخفض الواردات، فخفض قيمة العملة الوطنية في مواجهة عملة - غالبا الدولار - أو مجموعة عملات أجنبية يشجع بالطبع على زيادة الصادرات التي ستنخفض قيمتها، ويقلص الواردات التي سترتفع قيمتها مقيمة بالعملة المحلية.

ومع هذا فإن عديدا من الاقتصاديين يتخوفون عادة من هذا المبرر، خاصة بالنسبة للدول الكبرى، بينما يغضون الطرف عندما يتعلق بالصغار، ويقول لـ "الاقتصادية"، الدكتور روجر جروس أستاذ التجارة الدولية من جامعة أستون، إن هذا السبب تحديدا قد يكون مبررا لاندلاع حرب عملات عندما يتعلق بالاقتصادات الكبرى، فمثلاً تعد صناعة السيارات جزءا رئيساً من المكون الاقتصادي الوطني في اليابان وألمانيا، وتعد صادرات السيارات للبلدين جزءا ملموسا في الميزان التجاري، فإذا اخذت اليابان قرارا بخفض قيمة الين فإن أسعار السيارات اليابانية ستنخفض في مواجهة منافسيها الألمان، والنتيجة إقبال المستهلكين على السيارات اليابانية.

ويضيف في هذه الحالة أنه لن يكون أمام الجانب الألماني غير منح سياراته مميزات سعرية غير مباشرة مثل صيانة مجانية لعدد أكبر من السنوات، أو تسهيلات أكبر في عملية السداد، ولكن إذا لم تسهم تلك الإجراءات في تحقيق زيادة ملموسة في مبيعات السيارات الألمانية، فلن يكون أمام الحكومة الألمانية وللحفاظ على نصيبها من السوق العالمية للسيارات إلا خفض قيمة عملتها الوطنية اليورو، ردا على خفض اليابان للين، لكن هذا لن يؤثر في البلدين فقط، لأن خفض قيمة اليورو سيزيد من مبيعات برلين من المعدات الهندسية مثلا، والولايات المتحدة هي المنافس الأبرز لألمانيا في هذا المجال، وستنخفض مبيعاتها تبعاً لذلك، ولن يكون أمامها غير خفض قيمة الدولار لتشجيع الصادرات، وهكذا سندخل في حرب عملات مفتوحة.

ولهذا السبب تحديدا تنسق الدول الرأسمالية عالية التطور فيما بينها عبر مجموعة السبع، لتفادي اندلاع حرب عملات إذا سعت إحداها لزيادة صادراتها وخفض وارداتها عبر التلاعب بأسعار الصرف.

لكن هذا النهج لا ينطبق كثيرا من وجهة نظر الدكتور فرانك بنهام أستاذ التجارة الدولية في جامعة كنت على الوضع في البلدان النامية ويوضح لـ "الاقتصادية"، أنه على العكس نجد دائما أن البلدان المتحكمة في الاقتصاد العالمي تطرح وصفة خفض العملة كحل أولي ومثالي من - وجهة نظرها- على البلدان النامية للخروج من أزمتها الاقتصادية، بدعوى أن خفض قيمة العملة الوطنية سيشجع على زيادة الصادرات وخفض الواردات، وبالتالي سيتحسن ميزان المدفوعات نتيجة تقلص العجز في الميزان التجاري، والسبب أن أغلب صادرات البلدان النامية لا تدخل في منافسة مع البلدان المتطورة.

لكن التجربة الاقتصادية العالمية منذ تخلي العالم عن قاعدة الذهب، واللجوء إلى نظام أسعار الصرف الحرة، تثبت بما لا يقبل الشك أن إقدام دولة من الدول على تشجيع صادراتها وخفض وارداتها عبر خفض العملة لا يمكث كثيرا، ليس فقط لأن المنافسين الآخرين يقومون عادة بإجراء مضاد في الاتجاه نفسه، ولكن لأن خفض قيمة العملة وزيادة الطلب على سلعة ما، يؤدي حتما إلى ارتفاع أسعارها تدريجيا، ومن ثم تراجع الطلب عليها ويعود بذلك الاقتصاد الوطني إلى نقطة البداية، ولكن عند مستوى أكثر ارتفاعا دون أن يحل مشكلته من جذورها.

وتربط آندريا روس الباحثة الاقتصادية بين المذكور أعلاه وتنامي ظاهرة العجز المتواصل في ميزان المدفوعات في معظم بلدان العالم، وتشير إلى أن تفاقم العجز واستمراره يؤدي على المدى الطويل إلى انهيار الاقتصاد الوطني، وإعلان إفلاسه كما حدث في المكسيك والأرجنتين سابقا وإلى حد ما اليونان أخيرا، ومن ثم فإن الدول في هذه الحالة تخفض قيمة العملة الوطنية في محاولة لتعديل ميزان المدفوعات، لكن الخطورة أن تلك الخطوة قد تؤدي عمليا إلى زيادة أعباء الديون الخارجية، خاصة إذا كانت مقيمة بالعملات الأجنبية، كما هو الحال في الأرجنتين والهند، ومع تزايد أعباء الدين الخارجي، وعدم القدرة على السداد، يفقد الاقتصاد الدولي الثقة في تلك الدولة، بل يمكن أن يفقد المجتمع المحلي الثقة في العملة الوطنية.

لكن خفض قيمة العملة قد يكون حلا إيجابيا من وجهة نظر بعض الحكومات، إذا كان أغلب الديون واجبة السداد تعود لمواطنيها، فخفض قيمة العملة المحلية يعني في هذه الحالة عبئا أقل على الحكومة. كما أنه قد يكون وسيلة ملائمة لجذب الاستثمارات الأجنبية.

ويقول لـ "لاقتصادية"، فردريك تشابمان من المجموعة الدولية للاستثمار، إن خفض قيمة العملة المحلية يمثل وسيلة تقليدية لجذب الاستثمارات الدولية في معظم القطاعات خاصة القطاع السياحي، لأن المستثمر الأجنبي يمكنه بذات القيمة النقدية لرأس المال الأجنبي، الحصول على أصول أكثر أو تشغيل عدد أكبر من العاملين أو باختصار تعظيم منفعته الاستثمارية في حال تم خفض العملة الوطنية.

لكن أحد أبرز مثالب إقدام حكومة من الحكومات على هذا القرار هو تراجع قيمة الأجور الفعلية، بما لذلك من تأثير سلبي في قطاعات مجتمعية كبيرة، ويتولد عن ذلك غالبا حالة من التململ الشعبي التي تجعل من قرار خفض العملة قرارا غير مرحب به جماهيرا، وتفاديا لاتساع نطاق التململ تقوم معظم الحكومات باتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات الاجتماعية للحد من الجوانب السلبية لانخفاض قيمة العملة الوطنية.

ومع هذا يفرق الاقتصاديون بين نوعين من انخفاض العملة، الأول وهو المتخذ عبر قرارات إدارية حكومية، بينما يتعلق النوع الثاني بحركة الأسواق، وبينما يعارض معظم الاقتصاديين النوع الأول، هناك ترحيب ملحوظ بالنوع الثاني باعتبار أنه يعكس التغيرات الحقيقية في الأسواق.

وتعد التجربة الصينية في خفض قيمة اليوان، وما استتبع ذلك من ردود فعل اقتصادية عنيفة في داخل البلاد وخارجها، مثالا على ما ينادي به أنصار السوق الحر، من أن تدخل الدولة في تحديد سعر الصرف تكون عواقبه في الأجل الطويل شديدة السلبية.

وأشار لـ "الاقتصادية"، كولن فالدير الباحث في بنك إنجلترا، إلى أن مشكلة خفض اليوان الصيني تعد نموذجا حيا على عملية التحول من السيطرة الحكومية المطلقة على سعر الصرف، إلى السعي لترك الأمر يتحدد عبر قوى السوق، وبالطبع فإن بكين لم تتحول بعد وبشكل كامل إلى تحديد قيمة عملتها عبر آليات السوق، لكنها تسعى الآن إلى أن تلعب قوى السوق دورا أكبر في تحديد قيمة اليوان، ولهذا فإن الوضع المضطرب حاليا بالنسبة لليوان وضع طبيعي، لأنه يعكس صراع قوتين إحداهما تسعى للحفاظ على قرارات المجموعة البيروقراطية داخل المصرف المركزي الصيني، بأن يكون لها اليد الطولى في تحديد قيمة اليوان، وبين قوى السوق المتنامية في الصين الراغبة في تحرير العملة لمعرفة الحجم الحقيقي للاقتصاد الصيني ومنحه مزيدا من المرونة في الحركة.

وتشهد نيجيريا باعتبارها أكبر الاقتصادات الإفريقية، عملية شد وجذب مع الحكومة الأمريكية التي تضغط من أجل مزيد من الخفض في قيمة العملة المحلية (النيرة)، خاصة بعد تراجعها أمام الدولار بشدة منذ بداية العام، إلا أن الخفض المتواصل والمستمر في قيمة العملة الوطنية يواجه بمعارضة شديدة من قبل الاقتصاديين المدافعين عن سياسة السوق الحر.

ويوضح لـ "الاقتصادية"، البروفسير هارولد فيشر أستاذ المالية العامة في جامعة إكسفورد أن القرارات المتواصلة بخفض قيمة عملة من العملات قد تكون أكثر ضررا من الإبقاء على قيمتها مرتفعة دون تغيير، مضيفاً أن نيجيريا خفضت قيمة عملتها الوطنية منذ نهاية عام 2014 حتى الآن ثلاث مرات، وهذا أكثر ضرارا وخطورة على الاقتصاد الوطني، إذ يعطي مؤشرا على عدم الاستقرار، ويأتي بنتائج عكسية، خاصة بالنسبة لجذب المستثمرين، لأنه سيكون دائما لديهم توقعات بأن هناك خفضا قادما للعملة المحلية، لذلك فإن عليهم الانتظار وعدم الاستثمار حاليا، لأن الفائدة المستقبلية أكبر، كما أنه يفجر مناخا من المنافسة السعرية مع دول الجوار التي تتشابه غالبا في الصادرات ذاتها من السلع الزراعية، وهو ما يعني أن خفض قيمة النيرة لن تحقق فائدة تذكر، بينما سيتآكل المستوى المعيشي للسكان.

اقرأ أيضاً: 

النقد الدولي: الاقتصاد العالمي يمشي على طريق وعرة

صندوق النقد الدولي يدعو للعمل المشترك لتجنب انهيار الاقتصاد العالمي

 


Copyright © Saudi Research and Publishing Co. All rights reserved.

مواضيع ممكن أن تعجبك