المشكلة الإسكانية في الخليج

منشور 07 كانون الأوّل / ديسمبر 2011 - 05:45
لقد حاولت دولة خليجية مجاورة استخدام آلية فرض الرسوم على الأراضي غير المستخدمة ولم تفلح رغم صدور قرار في ذلك حيث تم التلاعب على هذا القرار من خلال التلاعب على الإجراءات
لقد حاولت دولة خليجية مجاورة استخدام آلية فرض الرسوم على الأراضي غير المستخدمة ولم تفلح رغم صدور قرار في ذلك حيث تم التلاعب على هذا القرار من خلال التلاعب على الإجراءات

صالح مواطن حديث الزواج وراتبه نحو سبعة آلاف ريال، والده ساعده على شراء شقة من غرفتين وصالة ومنافعهما حيث دفع له 50 ألف ريال مقدم شراء الشقة على أن يسدد صالح الأقساط لمدة 20 عاما بواقع 2400 ريال شهريا، يقول صالح إنه خلال ثلاث سنوات فترة زواجه التي رزقه الله خلالها بطفلين ارتفعت قيمة الشقة نحو 30 في المائة من قيمة شرائها وإنه سيسكن بها لسبع سنوات قادمة ـــ بإذن الله ـــ ليشتري بقيمة حصته فيها ( ما رسمله من إيجارات والارتفاع في قيمة الشقة ) كدفعة مقدمة ''دبلكس'' يتناسب وحجم أسرته ودخله الذي يتوقع أن يرتفع في القادم من السنوات، ويؤكد صالح أنه لن يفعل كوالده من حيث حجم الأسرة لارتفاع تكاليف المعيشة وتحول فكر الإنجاب من الكم إلى النوع، وبالتالي يؤكد أن دبلكس بخمس غرف وصالتين ومنافعها أكثر من كاف له ولأسرته التي لا بد أن تتناقص بعد أن يتزوج الأبناء ليعود مرة أخرى يفكر في الشقة الصغيرة بعد أن يبيع الدبلكس ويستفيد من فائض ماله. ملخص حديث صالح يؤكد أننا أمام معطيات اقتصادية واجتماعية وثقافية جديدة ذات أثر بالغ في ثقافتنا الإسكانية من جهة عدد منازل العمر، ومن جهة حجم هذه المنازل، ومن جهة آليات شراء هذه المساكن وبيعها واستخدامها في سنوات العطاء كأدوات ادخار، ومن ثم كأدوات استثمار في سنوات التقاعد، وهذا هو واقع الحال في مدن الدول الغربية التي سبقتنا في مضمار المدنية ومتطلبات العيش الحديث، حيث كثرت مجالات المصاريف من أجل العيش الرغيد التي تحول الكثير منها من خانة الكماليات إلى خانة الضرورات (سكن، ملبس، مأكل ومشرب، علاج، تعليم، كهرباء، اتصالات ، نقل، ترفيه، إلكترونيات... إلخ).

عندما سافرت إلى بريطانيا للدراسات العليا لم أستأجر شقة كما هو معتاد في بلادنا بل اشتريت شقة مباشرة من خلال نظام الرهن العقاري ولقد كانت أكثر من مناسبة كسكن في مدينة مزدحمة وعندما أنهيت دراستي بعتها بمبلغ كبير أكبر من الذي اشتريته بها ما جعلني أسكن نحو خمس سنوات مجانا وأحصل على فائدة مالية، ولا شك أن أنظمة التمويل العقاري التي أصبحت كالعنقاء تستهدف في مجملها تمكين المواطن من شراء المسكن المناسب لدخله وحجم عائلته والمدينة التي يقع فيها سكنه في مقتبل العمر ومن ثم استثمار ما دفعه من أقساط في أي فترة من حياته للانتقال إلى مسكن آخر مناسب لوضعه الجديد وهكذا، وكلنا يعلم أن الأسرة تبدأ بفردين وتزداد حتى تصل القمة ثم تتناقص بسبب الزواج حتى تعود إلى ما كانت عليه وفي كل حالة من هذه الحالات تتطلب مسكنا ملائما غير معياري كما اعتدنا، حيث نريد فيلا لا تقل عن 400 متر مربع في جميع حالاتنا الأسرية، التي تصل في المتوسط لخمس حالات. متوسط عدد مساكن العمر التي يعيش بها المواطن الغربي في مدن الدول الغربية التي أصبحت مدننا تشبهها تماما نحو خمسة مساكن متنوعة ولا ثوابت في المساحة أو عدد الغرف خصوصا تلك التي لا داعي لها، ولا شك أن شيوع ذلك في ظل تواجد أنظمة رهن عقاري فعالة ساهم بشكل كبير في ارتفاع نسبة تملك المساكن وغياب المشكلة الإسكانية التي تعانيها معظم الدول النامية بدرجات متفاوتة بسبب تثبيت المتغير المتمثل في نوع ومساحة المسكن ومميزاته في الحالات الأسرية كافة.

تثبيتنا لنوع وشكل المسكن ومميزاته جعلنا نطرح حلولا غير فعالة لمعالجة المشكلة الإسكانية في بلادنا محاولين أن نتجاهل المعطيات تارة أو التصدي للمعطيات وتطويعها لتخدم الثابت تارة أخرى الأمر الذي جعلنا نواجه مشاكل أخرى تستدعي الكثير من الجهد والوقت والمال لمعالجتها لنتمكن من حل المشكلة الإسكانية وهو أمر غير منطقي، ولن يوصلنا إلى مبتغانا في الوقت المناسب، ومن ذلك أننا نتجاهل وضع الأراضي، حيث تم منح معظمها لمواطنين باعوها عدة مرات قبل أن تستقر لدى أحدهم ليخططها، ومن ثم يبيعها على شكل بلكات كبيرة في مزادات علنية وغير علنية ومن ثم إلى أراض يتم تداولها عدة مرات من خلال مضاربات تحركها المكاتب العقارية المنتشرة بشكل كبير لتصل أسعارها إلى أسعار غير منطقية إذا نظرنا لها في إطار حجم الطلب على الأراضي من أجل الاستخدام، ومنطقية إذا نظرنا لها في إطار حجم الطلب على الأراضي كمستودع للثروات وفي إطار التضخم السائد بشكل عام.

من الحلول المطروحة بعد أن تم تجميد أنظمة التمويل العقاري التصدي للارتفاعات الكبيرة في أسعار العقارات فرض ضرائب على الأراضي البيضاء وهي مشكلة جديدة وترت السوق العقارية بدل أن تساهم في حل المشكلة الإسكانية، ولقد حاولت دولة خليجية مجاورة استخدام آلية فرض الرسوم على الأراضي غير المستخدمة ولم تفلح رغم صدور قرار في ذلك حيث تم التلاعب على هذا القرار من خلال التلاعب على الإجراءات وهو ما قال به الكثير من أصحاب الرأي إذا ما صدر قرار يفرض الضرائب على الأراضي البيضاء غير المستخدمة في بلادنا إذا يمكن إثبات استخدامها بزرع عدة شجيرات واستراحة صغيرة.

ختاما: أظن أن حل المشكلة الإسكانية في الوقت المناسب لن يكون إلا بالمرور على معالجة مشاكل عدة تستدعي هي الأخرى وقتا وتكلفة وجهدا، وبالتالي علينا أن نحلها في إطار المعطيات الحالية والمستقبلية بالاستفادة من تجارب الدول التي سبقتنا في معالجتها اختصارا للوقت والجهد والمال، ومن ذلك تعزيز ثقافة مساكن العمر، وتشجيع التطوير العقاري المؤسسي والفردي، والتوجه للعمران الرأسي.


Copyright © Saudi Research and Publishing Co. All rights reserved.

مواضيع ممكن أن تعجبك