أيسلندا ترى مصلحتها بالبقاء خارج الاتحاد الأوروبي

منشور 04 تِشْرِين الثَّانِي / نوفمبر 2000 - 02:00

ريكيافيك- أيسلندا - جاستن كاي (و ن ل) -- حين أطاح الناخبون الدانمركيون مؤخرا  

بفرصة الانضمام للعملة الأوروبية الموحدة "اليورو"، كان تهليل اللوبي المعارض  

لفكرة الوحدة الأوروبية - وبالأخص في بريطانيا- متوقعا ومفهوما. 

لكن ما أثار الانتباه أن يصدر تهليل أكثر صخبا وحماسا لقرار الشعب الدانمركي من 

جزيرة صخرية نائية في شمال غرب القارة الأوروبية، ظلت مستعمرة دانمركية حتى  

العام 1944. إذ ما زالت فكرة الانضواء تحت لواء أوروبي موحد تدخل في دائرة  

المناطق المحرمة - وربما الملعونة- من وجهة نظر زعماء أيسلندا، برغم الجدل  

الدائر حولها في الأوساط الشعبية. 

وفي مقره الرسمي بالبيت الأبيض في قلب العاصمة ريكيافيك، يتطلع دافيد اودسون  

رئيس وزراء أيسلندا عبر النافذة العريضة إلى جبل ايسيا (الذي يطل على المدينة  

ويعد رمزا وطنيا)، ثم يلتفت قائلا "يتساءل الناس عن سبب عدم انضمامنا إلى  

الاتحاد الأوروبي .. وهو تساؤل يثير دهشتي شخصيا. إنني أحب أوروبا، لكن هذا لا  

يعني أن علينا أن نكون جزءا من منظومة الاتحاد الأوروبي. لقد حقق هذا الاتحاد  

الكثير من الإنجازات الطيبة، مثل وقف القتال بين الشعوب وفتح الأسواق .. لكنه  

( أي الاتحاد الأوروبي) لا يعرف حدودا يتوقف عندها". 

الذين يعرفونه عن كثب يؤكدون أن مسألة الاتحاد الأوروبي من القضايا القليلة التي  

قد تستفز مشاعر اودسون الدمث بطبيعته، فهو يرى أن عملية التكامل تتصاعد  

على حساب السيادة الوطنية، بل وضد المنطق والمصلحة العامة، وأن نظام تغيير  

رئاسة الاتحاد الأوروبي كل ستة أشهر يدعم هذا التوجه. فيقول معقبا "إنه نظام خارج عن السيطرة". 

لكن معارضة أودسون وأيسلندا لعضوية الاتحاد الأوروبي تبدو محيرة بالنسبة إلى  

بعض المراقبين. لقد كانت جزيرة أيسلندا أكثر دول أوروبا عزلة وانغلاقا على  

نفسها وعلى مورد رزقها الوحيد: صيد الأسماك الذي يطعم 270 ألف شخص يعيشون  

فوقها. لكن هذا كان في الماضي فقط، أما اليوم فقد انفتحت أيسلندا على العالم  

واندمجت في نظام العولمة بكل حماس. وهو التحول الذي يرجعه البعض إلى العام 1987  

حين استضافت العاصمة ريكيافيك قمة بين رئيس الاتحاد السوفياتي السابق ميخائيل  

غورباتشوف والرئيس الأميركي رونالد ريغان، ووجدت المدينة الصغيرة نفسها محط  

أنظار العالم ومركز تجمع لآلاف الضيوف الأجانب، بينما يرى آخرون أن ما حدث كان  

محتوما، لأن الشعب الأيسلندي برغم صغر حجمه متيسر ماديا ما جعل الكثير من  

أبنائه يسافرون إلى الخارج ويختلطون بالعالم الخارجي، ثم يعودون إلى بلادهم وهم  

أكثر حرصا على كسر عزلتها. 

وحين تولى أودسون رئاسة الوزراء في أيسلندا عام 1990 تخلص من بقايا  

القيود المفروضة على الاستثمارات الأجنبية والتبادل التجاري. والواقع أن عهد  

أودسون شهد بزوغا لأيسلندا على الساحة الدولية يفوق بكثير حجمها الحقيقي. 

 

وفي العام الحالي بالتحديد احتلت العاصمة الأيسلندية ريكيافيك موقعا مميزا بين  

أبرز عشر مدن أوروبية تهتم بالثقافة، بعدما استضافت العديد من الأحداث  

والمهرجانات الثقافية التي اجتذبت آلافا مؤلفة من الزوار والسائحين. كما لا  

يمكن إغفال دور المطرب بيورك -الذي يتمتع بصوت دافئ يشد الشباب والكبار على حد  

سواء- في تحسين صورة بلاده أمام العالم. 

وفوق هذا وذاك لعبت الطبيعة الساحلية لأيسلندا وطول اليوم في فصل الصيف (حتى إن  

الشمس لا تكاد تغيب هناك حتى تشرق من جديد) دورا كبيرا في تشجيع السياحة  

واكتساب سمعة دولية في مجال الحفلات العامة (برغم ارتفاع أسعار المشروبات  

والكحوليات هناك بوجه عام). وبعدما كانت هذه الجزيرة الأوروبية النائية لا  

تمتلك سوى فندق فخم واحد حين عقدت قمة ريغان - غورباتشوف عام 1987، أصبحت السياحة  

تشكل اليوم 14 في المائة من إجمالي الناتج القومي، وأصبحت البلاد تزخر بعشرات  

الفنادق والمطاعم والمنتجعات السياحية الفاخرة التي حولت ريكيافيك إلى مدينة  

عصرية كبرى مثل لندن أو نيويورك. 

والحقائق تؤكد أن هذا الانفتاح المتأخر على العالم جاء بفوائد كثيرة على شعب  

أيسلندا الذي كان يصنف رسميا عام 1944 كأحد أفقر شعوب أوروبا. أما اليوم،  

وبحسابات الدخل الفردي، فقد احتلت أيسلندا المرتبة السابعة بين أغلى دول  

العالم. كما انخفضت معدلات البطالة إلى ما دون 1 %، فضلا عن أنها تتمتع بنظام  

صحي وتعليمي تحسدها عليه جاراتها الاسكندنافيات. ومع التطورات التكنولوجية  

والاقتصادية المتسارعة في نهاية القرن العشرين، أقبلت أيسلندا بنهم على النظم  

الجديدة فأصبحت معدلات استخدام الإنترنت والهواتف المحمولة بين الأعلى على  

مستوى العالم، وأصبح بإمكان أي من سكانها تسديد ثمن أي شيء - حتى فنجان القهوة-  

ببطاقة الائتمان بفضل تطور النظام المصرفي في هذا البلد الصغير حجما فقط. 

وعلى المستوى المحلي نجد الأيسلنديين مستهلكين مثاليين لأي سوق، فبرغم ارتفاع  

تكلفة السفر (نتيجة احتكار شركة الخطوط الجوية الوطنية ايسلندير سوق السفر  

الجوي) تشير التقديرات الرسمية إلى أن كل أيسلندي يسافر في إجازة خارج البلاد مرة  

واحدة على الأقل سنويا. كما توضح الأرقام أن الشعب الأيسلندي الذي لا يتجاوز  

تعداده 270 ألف نسمة يمتلك حوالي 150 ألف سيارة (جميعها مستورد بطبيعة الحال) 

فلم إذن يجد رئيس الحكومة اودسون وحزب الاستقلال الذي يتزعمه نفسه مضطرا للدفاع  

عن قرار البقاء خارج منظومة الاتحاد الأوروبي ؟ 

السبب الجوهري في هذا الموقف الدفاعي يعود إلى شعور العديدين - ومن بينهم الحزب  

التقدمي المشارك في الائتلاف الحاكم- بأن عضوية الاتحاد الأوروبية قد تجلب  

المزيد من الفوائد على البلاد. ويدفع هذا الفريق بأن العضوية - بعد التفاوض  

للحصول على أفضل شروط- ستمد أيسلندا بنهاية حقيقة لعزلتها الطويلة عن العالم  

الخارجي. كما يرى أنصار هذا الفريق أن عضوية منطقة التجارة الأوروبية الحرة  

(إفتا) مع النرويج وسويسرا وليشتنشتاين "غير كافية بالمرة لتحطيم رواسب  

العزلة". 

ويرى آخرون أيضا أن عضوية الاتحاد الأوروبي من شأنها أن تؤدي إلى خفض تكاليف  

السفر الذي يقبل عليه الأيسلنديون وكذلك خفض أسعار المنتجات في السوق المحلي  

التي تبدو مرتفعة كثيرا مقارنة بدول الاتحاد (سعر وجبة الأطفال في ماكدونالدز  

يعادل 6 دولارات). 

لكن أودسون يرفض هذه الحجج مكررا "إننا لن نجني أي مكسب من عضوية الاتحاد  

الأوروبي". 

 

والحقيقة أن العديد من المراقبين المطلعين على توجهات الشعب الأيسلندي يرون أنه  

حتى إذا تغيرت حكومة أودسون فمن غير المحتمل أن يوافق الرأي العام على الانضمام  

إلى الاتحاد الأوروبي. والسبب الرئيسي - حسب أولئك المراقبين- هو صيد السمك الذي  

يمثل مورد الدخل الحقيقي للبلاد. 

تقول اغنيس براغادوتير رئيسة تحرير أبرز صحف أيسلندا اليومية "إذا طلب منا  

الاستفتاء على مسألة الانضمام للاتحاد الأوروبي، فالمؤكد أننا سنفعل كل ما  

بوسعنا لكي ترفض الأغلبية هذه الفكرة، وأنا واثق بأننا سننجح في ذلك بسهولة ..  

فالمنطق والمصلحة العامة سيسودان في نهاية الأمر". 

وتبرر براغادوتير هذا الموقف موضحة "مهما كانت العلاقات طيبة بين ريكيافيك  

وبروكسل (مقر المفوضية الأوروبية)، فسيظهر حتما نوع من الخلاف بشأن السيطرة  

المطلقة للبلاد على مصايد الأسماك الممتدة 200 ميلا في عمق المياه المحيطة  

بالجزيرة. حتى إذا نجحت أيسلندا في منع الأساطيل الأخرى من دخول مياهها، فلن  

تستطيع أن تمنع مبدأ الحصص الذي تتعامل على أساسه شركات الصيد التابعة للاتحاد  

الأوروبي التي ربما تأتي إلى بلادنا لكي تمارس سفنها نشاط الصيد وهي تحمل العلم  

الأيسلندي". 

وعن الموضوع نفسه يعقب أرني ماثيسون وزير شؤون المصايد في أيسلندا "لا يمكن أن  

نوافق أبدا على أن تنتقل صناعة القرار في صناعة توفر فرص عمل لقطاع عريض من هذا  

الشعب و50 في المائة من دخل العملة الأجنبية، من مكتبي في ريكيافيك إلى بروكسل  

.. لا يمكن". 

وبرغم كل هذه المبررات ودوافع رفض الانضمام للاتحاد الأوروبي، لا يستبعد بعض  

السياسيين أن يتغير هذا الموقف المعارض وأن تلين المقاومة إذا ما تغيرت الظروف  

الحالية في المستقبل. تغيرات من نوعية أن تقرر النرويج أو سويسرا الانضمام إلى  

دول الاتحاد الأوروبي الخمس عشرة (ما سيعني عمليا انهيار اتفاقية منطقة التجارة  

الأوروبية الحرة الموقعة عام 1993) أو أن تتراجع إحدى الدول التجارية القوية  

مثل بريطانيا أو الدانمرك عن موقفها الرافض لتبني العملة الأوروبية الموحدة ..  

ستكون هذه التغيرات - من وجهة نظر البعض- كفيلة آنذاك بالضغط على حكومة ريكيافيك  

لمراجعة موقفها من الاتحاد الأوروبي. 

لكن وبغض النظر عن مدى واقعية هذه التكهنات، تظل فكرة الانصهار في بوتقة  

الاتحاد الأوروبي سرابا، ويظل من حق الحكومة الحالية، وكل من يرفض هذه الفكرة أن  

يهنأ براحة البال بعد الضربة المؤلمة التي وجهها الدانمركيون لهذا الاقتراح. 

مواضيع ممكن أن تعجبك