يتم الكشف اليوم عن مسودة المخزون الوراثي البشري مما سيتيح المجال للتقدم العلمي للوصول إلى تطبيقات علمية وطبية رحبة، وكذلك مناقشات وجدال كبير حول عواقب هذا الاكتشاف الأخلاقية والإنسانية المحتملة.
وحسب ما ورد في تقارير لوكالة فرانس برس، من المتوقع أن يعلن هذا الخبر الكونسورتيوم الدولي "مشروع الجينوم البشري" الذي يضم مراكز أبحاث جامعية لحوالي عشرين دولة تحت رعاية الولايات المتحدة، ومن المقرر أن تعلن هذا الكشف أيضا شركة "سيليرا جينومكس" الخاصة التي خاضت منذ عامين المنافسة مع الكونسورتيوم الدولي الذي بدأ أبحاثه منذ عشرين عاما.
نبذة تاريخية
اكتشف العالمان جيمس واطسون وفرانسيس كريك الشريط الحلزوني المزدوج للحمض الريبي النووي المنقوص الأكسجين (دي.أن.أي) في عام 1953، وقد نالا عليه جائزة نوبل عام 1962، وقد شكل هذا الحدث الانطلاقة الأولى لماراثون الأبحاث الوراثية.
وقد تم الاطلاق الرسمي للبرنامج الدولي "مشروع الجينوم البشري" عام 1989 الذي يهدف لوضع خارطة كاملة للمخزون الوراثي البشري على مدى 15 عاما، بمشاركة 250 مختبرا دوليا (خاصا وحكوميا).
وقد تمكن باحثون من مختبر "جينيتون" في فرنسا من إعداد الخريطة الأولى للكروموزوم البشري "واي"، أي ما يوازي 1.7 % من المخزون الوراثي البشري.
وفي عام 1998 قام أخصائيون أميركيون بتصنيف 300 مليون "قاعدة" أو مكون كيميائي للحمض الريبي النووي منقوص الأكسجين، أي ما يوازي 10% من جدول تتابع الحمض الريبي البشري. وبذا تمكن الأميركيون من نشر خارطة تحصي نصف المورثات (الجينات) البشرية تقريبا ومواقعها من الكروموسومات (الصبغيات). كما تورد تلك الخارطة الموقع المحدد ل30181 مورثة بشرية، أي ضعف ما ورد في الصيغة التي نشرت في عام 1996.
وأعلن الكونسورتيوم الدولي في عام 1999 عن جدولة أكثر من ثلث المخزون البشري مع فك رموز أكثر من مليار حرف أو "قاعدة".
ما هو ال"دي.ان.أي"؟
هو جزيئة مكونة من السكر والفوسفات والتي تحمل كل المعلومات المتعلقة بإنتاج الخلايا الأخرى، إذ تحتوي نواة كل خلية بشرية على 32 زوجا من الكروموسومات (الصبغيات) التي يرثها الجنين من الأم والأب عند التحام الحيوان المنوي الذكري بالبويضة الأنثوية.
المشروع الوراثي للإنسان مشروع دولي
يتألف الكونسورتيوم من علماء ومراكز من 20 دولة بينهم مركز سانغير في بريطانيا والكثير من المختبرات في ألمانيا وفرنسا واليابان، وتبلغ كلفة المشروع الإجمالية حوالي 3 مليارات دولار الهدف منها وضع جدولة لل(دي.ان.أيه) بإشراف وزارة الطاقة الأميركية، وتحت رئاسة الدكتور فرانسيس كولينز. ومن المتوقع أن توضع خريطة كاملة بالمخزون الوراثي البشري بحلول 2003.
وتتلخص أهداف المشروع بوضع التسلسل التراتبي لثلاثة مليارات قاعدة كيميائية تشكل ال(دي.ان.ايه) البشري، تحديد المورثات البشرية، تخزين المعلومات في قواعد معطيات وتطوير وسائل لتحليل هذه المعطيات، والرد على المشاكل القانونية والاجتماعية التي يثيرها المشروع.
شركة "سيليرا جينوميكس" الأميركية
أسست الشركة في عام 1998 برئاسة كريغ فينتير في روكفيل- ميريلاند بواشنطن، وبعد العديد من الإنجازات العلمية، أعلن عن تحقيق انجاز جديد بالتعاون مع عدد من الجامعات حيث تحقق النجاح في جدولة نحو 13600 مورثة (جينة) تشكل الحامض الريبي النووي المنقوص الأكسجين لذبابة الخل. وقد أعلنت الشركة في 5 نيسان،2000 عن الإنتهاء من جدولة مخزون وراثي بشري والبدء بتجميع الأجزاء المتسلسلة له بالترتيب.
وتملك هذه الشركة التي تعلن مع الكونسورتيوم فك شيفرة المخزون الوراثي البشري، أكبر كمبيوتر في العالم متخصص فقط في الأبحاث الوراثية. وقد أكد فينيتر في لقاء أجراه مع فرانس برس أن الجينوم البشري سيوضع مجانا في تصرف الجمهور.
وتبقى المشاكل…
وبالرغم من الإنجاز العظيم الذي سيعلن عنه اليوم، إلا أن الفريقين المتنافسين، الكونسورتيوم الدولي وسيليرا جينوميكس، لم يتمكنا حتى الآن من فك الشفرة الجينية 100%، إذ يتطلب الأمر عامين أو ثلاثة للتوصل إلى النتيجة النهائية. وأفاد التقرير ذاته أنه تتبقى مهمة غربلة المعلومات للتمييز بين الجينات وتحديد الإشارات وتحديد المسؤولة منها عن نمو وحياة وموت العضو البشري وتلك التي لا تقوم بأي دور.
ويرى بعض العلماء أن الآفاق التي يفتحها الجينوم عظيمة إذ أن عشرات الأمراض ومن بينها باركنسون والزهايمر والتناذر الإسفنجي سببها تشوهات جينية يؤمل علاجها ومنع حدوثها باستخدام المعرفة الجديدة -- (أ.ف.ب).