إني أسقط من كلّي - علي السوداني

تاريخ النشر: 05 مارس 2008 - 05:33 GMT

ستقولون انها اضغاث احلام وخزعبلات يقظة وبضاعة كاسدة انما يريد الولد البطران ان يثردها في مواعيننا لنأكل خبزها ونشفط مرقها ونبوس ايدينا وجها وقفا وننام كما لو ان حشد عثة قد عشعشت في امخاخنا وفاضت في بطوننا، اما انا فأقول لا والله وحقكم، ان ما سأسرده قد وقع بليل والليل هنا ليس ليل دسيسة بل هو جمعة اسبوع لابت فهي تلوب وألوب معها والعائلة في غطيط تلتحف حلكة وشخيرا جمعيا من فرط هديره يكاد يسقط الطير. يا إلهي وسندي وحزام ظهري، اعنّي علي هذي الساعة القائمة القاتمة فأنا منذ مفتتحها، اقبض علي شحمة أذني واغرس حوافري فيها فيسيح الدم فأقبض علي الحجة والبرهان واصيح أنني لست علي حلم ولا رؤيا ولا وهم ولم أك قد حمّلت بطني ما يثقل قحفي ويسفّه رؤيتي ويتفّه ضالتي وما كنت علي ضلالة او بدعة في المنثور من الكلم والمموسق المدوزن منه، ولا انا بلاعب كلام اصواغه تبرق ومعانيه تلج الأذن اليمين وتنكب من ثقب الشمال، وكنت قد قمت ليلي وتوسلت ربي: اللهم لا تجعلني من كتيبة الكتبة الذين يذهبون بالناس الي ما لا يحبون ويشتهون، الذين اذا دخلوا سفينة اغرقوها وان جاءوا صحيفة، سودوا وجهها بعصف حرف مأكول، فماذا أراني اصنع في تأويل الساعة واني والله ليحزنني ان اسرد ما انا ممسك به عاضا عليه وهو ينام بين الرمش والرمش وبين العقل والعقل، وقد يقول قائل منكم ان الولد قد تخبّل او هي ظلمة النزل قد اثقلت عليه غيلانها وسعاليها وتنانينها فجعلته في حمّي عظيمة فصار يهذي ويتصور وقد يكون عبّ رأسه من دنان خمرة مخمرة فتاه وألتهم طعاما بائتا وصار لا يفرّق بين خشمه وحلقه، ومرّت به بعض سيّارة فضحكت وضحك، واغتمت واغتم واذ انفضت من حوله، شمّر عن اردانه ورشّ علينا هذا الهراء المبين.

الغوث الغوث مما انا عليه وما اري وما لا ترون. الحق الحق لمن يأتيني اللحظة بمثّال فيصيرني شيطانا فتأتي القوم من كل فج بعيد، تشيل بأيمانها قاسي الحجر، فترجمني حتي اطيح علي وجهي وتموت فتنة النص معي.

في هذه السويعة الساعية - أعانكم الرب عليّ وعلي نشداني - انبثقت دمية مذهلة من خزنة عتيقة سحيقة وصارت ترقص وتهتز وتتغنوج. تطير وتنزل وتدق الكعب فأقوم بمثلها أو أحسن منها. تتخصّر والخصر تاج علي ردفين يستديران فلا منجي من لهفة ولا مخلّص من نوح وبكاء. من بطن "الطاولي" اسمع الآن عفطة، فأخالها منّي فتثنّي وتثلّث واذ انط نطيط هر جائع وافتح باب اللعبة حتي اري نردا يتلوي ويغرس لسانه بوجهي. صينية الأكل تطبل، لكن جسمي يتثاقل وحيث يشتد نباح كفيًّ، اسقط من كلّي. الظلمة ظلمة وانا من رأي كل شيء وسمع. طيارات في الغرفة وقاطرات وفلك، تعوي وطرائد تنادي بي : يا ولد اركب معنا، وانا حارن كما بغل سكّوا رقما فوق قواطعه وقالوا له، اغرب عنا يا وجه السحلية فلقد انتهت الحرب. قمصاني - كلها - مقدودة من خلف. خبزي اخضر طيب. زهرة البلاستك الحمراء، تفرخ ياسمينا وبنفسجا. اصابعي ناقوط عسل تتكاتف علي اعتابه الملكات المذهلات. لوحة ابراهيم العبدلي، تهبط من مخدعها وتزقني بقهوة عذبة. قلت قهوة مرّة. القهوة المرة لا تسكر ولا تفسد ولا تمسس، أما الزجاجة المنبطحة تحت طاولتي فلا صلة لها بمنقوع العنب ومخموره. هي زجاجة فارغة حسب، وانا اشبهني تماما !!