الانتفاضة أجلت المواجهة داخل لبنان

تاريخ النشر: 01 نوفمبر 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

نبيل الملحم 

 

فيما الأنظار تتجه إلى الداخل الفلسطيني حيث ترتفع التصادمات ما بين الجيش الإسرائيلي الذي يستخدم الذخائر الحية وبين المدنيين الفلسطينيين، فإن تحركات دولية كبيرة ومن السراديب أحيانا تدور حول حزب الله اللبناني بغية تكبيله وصولا إلى تفكيكه بدءا بالضغط على دمشق وصولا للصيغة الداخلية اللبنانية حيث بات من الواضح أن الموزاييك اللبناني الهش مهدد بالانفجار عبر تيارات لبنانية تعتبر المقاومة الإسلامية زجا للبنان في معركة تلبي أهدافا إقليمية أكثر مما تلبي أهدافا لبنانية، فيما المعلومات تشير إلى أن مساع أوروبية تعمل الآن من أجل تحقيق إفراج عن الأسرى الإسرائيليين الثلاثة الذين استطاع حزب الله خطفهم عبر عملية عسكرية نوعية في الجنوب اللبناني. 

مصادر من حزب الله قالت بأن الحكومة اللبنانية الجديدة التي قام الرئيس رفيق الحريري بتشكيلها خلت من وزير لحزب الله، واعتبرت هذه المصادر بأن ذلك جاء استجابة لضغوطات أميركية، لكنها تؤكد بأن حزب الله لايهمه المشاركة في الحكومات باعتباره "حزب مقاومة لا حزب وزارة "، والمصادر إياها تضيف بأنها قادرة على احتمال الضغوطات أيا كان نوعها، فالضغوطات الأوروبية والأميركية على دول حليفة للمقاومة الإسلامية، ومن بينها دمشق لن تغير في مواقف حلفاء المقاومة الإسلامية، خاصة وأن هذه المقاومة مازالت تعمل في إطار القرار 425 ، كما أنها لم تتجاوز تفاهم نيسان الذي أعطى الحق للمقاومة بأن تخوض حربها حتى استعادة كامل الأراضي اللبنانية، ومزارع شبعا أراض لبنانية محتلة مازالت تحت الاحتلال الإسرائيلي، كما أن المقاومة تعد بالكثير من المفاجآت العسكرية وصولا إلى تحرير كامل الأراضي اللبنانية.  

لتضيف أن اللعبة الدولية الآن وتحديدا الأميركية قد واجهت الكثير من الفشل في مساعيها للضغط على سوريا كما على إيران وكلاهما تساندان حزب الله، وتضيف هذه المصادر بأن روبن كوك وزير الخارجية البريطاني الذي سبق وزار دمشق إبان أزمة الأسرى، كما خافيير سولانا سمعا كلاما واضحا من دمشق مفاده أن المقاومة الإسلامية حق مشروع للبنانيين وحزب الله، ليأتي غيرهارد شرودر ويقدم طروحات الوسيط النزيه، الذي يعرف الخطوط الحمراء بالنسبة إلى دمشق، وتأخذ زيارته بالتركيز على الاقتصادي بين البلدين فيما كان معروفا أن ألمانيا هي الدولة الأولى التي حاولت أن تتدخل في الأيام الأولى لأزمة الأسرى الإسرائيليين.  

مصادر لبنانية ترى أن حزب الله لن يواجه أية مشاكل مع حلفائه الإقليميين كسوريا وإيران ، وتؤكد هذه المصادر أن الإمدادات العسكرية الإيرانية كما السياسية لم تنقطع، وليس ثمة ما يشير إلى غير ذلك، فبالإضافة إلى الأبعاد العقائدية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ثمة أبعاد جيو – بوليتيكية تدفع إيران لكي لا تخرج من معادلة الشرق الأوسط، فيما الشرق الأوسط مرشح للكثير من التحولات تبعا لاتجاهات موازين القوى فيه، والتي تحددها نتائج الصراع العربي - الإسرائيلي بما في ذلك موقع إيران، وكذلك موقع تركيا، وهما الدولتان المرشحتان للعب دور في الصيغة الجديدة، هذا الدور هو الذي يحدد وزن كل منهما، وإذا ما كانت تركيا مترددة ما بين الذهاب باتجاه أوروبا وأخذ موقعها في الشرق الإسلامي، فإن إيران كانت قد حسمت أمرها منذ الثورة الإسلامية، والتغيرات التي أخذت طابعا إصلاحيا أكثر انفتاحا فيما بعد خامنئي لم تغير شيئا من مفهوم إيران للجغرافية السياسية، كما للأبعاد العقائدية، وهذا يسمح لحزب الله بأن يتعامل بارتياح مع حليف قدم أوسع الضمانات لهذا الحزب وحربه، وإذا ما تعلق الأمر بسوريا ، فدمشق التي خطت باتجاه التهدئة الدبلوماسية كما الانفتاح الاقتصادي مازالت تسير على ذات نهجها إزاء الصراع العربي الإسرائيلي، بما يسمح لحزب الله أن يعتبرها نقطة الإسناد كما الجسر باتجاه إيران، وهذا يقود حزب الله إلى التحرك دون عوائق إقليمية باتجاه حربه مع إسرائيل، ودون أية تخوفات من طعنة في الظهر، وفي زيارة قام بها نعيم القاسم نائب الأمين العام لحزب الله إلى دمشق جمعته بفصائل فلسطينية حاول حزب الله أن يعمل على توسيع جبهته، وتحديدا عبر ترتيبات مع فصائل فلسطينية، أبرزها الجهاد الإسلامي الذي بدا الفصيل الأقرب لحزب الله عبر طروحاته ونشاطاته العسكرية. 

إقليميا ليس ثمة ما يشير إلى أية ضغوطات على حزب الله، غير أن ما يتوقف عنده هو الصيغة الداخلية اللبنانية، وإذا كان تشكيل الوزارة اللبنانية قد خلا من مقعد لحزب الله، فإن ذلك إشارة واضحة على حجم الضغوطات التي تتعرض لها الصيغة الداخلية اللبنانية إزاء هذا الحزب، والضغوطات قد تكون داخلية في بعد من أبعادها، وبيان مجلس المطارنة الموارنة الذي بدا وكأنه موجه للوجود السوري في لبنان، هو في حقيقته يتعدى الوجود السوري إلى ما يتصل بحزب الله، الذي اعتبرته أطراف لبنانية تنتمي إلى الوطنيين الأحرار كما إلى ميشال عون كما بكركي دولة فوق الدولة، لتأخذ بمطالبة الرئيس إميل لحود بنشر الجيش اللبناني في الجنوب الذي اعتبرت أنه بات دولة لحزب الله، وهذا ما يرشح الوضع الداخلي اللبناني للاهتزاز الذي لابد وأن تلتقطه قوى دولية وتعمل على تفجيره باتجاه قلاقل داخلية لبنانية، ستكون إسرائيل هي الأقدر على استثمارها تبعا لما شكله حزب الله، من هز لصورتها، وما أملاه من شروط جديدة على الصراع العربي الفلسطيني، وعلى الداخل الفلسطيني أيضا، والمصادر اللبنانية تشير إلى أن الأصوات التي ارتفعت من خلال بيان بكركي الأول ثم صمتت، إنما فعلت ذلك بعد المستجدات الفلسطينية المتصلة بالانتفاضة، كما أن هذه الأصوات باتت الأصوات المؤجلة إلى حين وقف الانتفاضة الفلسطينية التي يراهنون على انطفائها للعودة بعد ذلك إلى تحريك الصيغة اللبنانية الداخلية، بما يسمح بتفجير الأوضاع الداخلية اللبنانية، وتحت شعار حلول الدولة مكان الميلشيا في الجنوب، وهذا ما كان قد سمع من نواب ووزراء سابقين محسوبين على ميشال عون وقوى لبنانية أخرى ترى بأن إعادة انتشار الجيش السوري في لبنان تمهيدا لخروجه من الأراضي اللبنانية، هو الأولوية، ليذهب لبنان لاحقا إلى معاهدة سلام مع إسرائيل في الخطوة التالية، وهذا يتطلب فيما يتطلب تجريد حزب الله من سلاحه 00 الخطوة التي قد تقود لبنان إلى مرحلة السبعينات حيث حروب الأزقة التي كادت مقررات الطائف أن تمثل فيها اللاصق لقوى مازالت متنافرة متناحرة، لكن التنافر والتناحر فيها مؤجل إلى اللحظة التي يمكن فيها أن يضعوا أيديهم على الزناد.  

قيادات حزب الله التي باتت الأكثر قدرة على إدارة المعركة السياسية، كان واضحا أنها الأكثر ميلا للتهدئة في الداخل، وهذا ما توضح من تغييب ممثل لها في وزارة الحريري، كما هو واضح في خطابها السياسي المحصور بالمواجهة مع إسرائيل ، غير أن هذه القيادات تحسب للمؤجل، والمؤجل مازال بانتظار التحولات في الداخل الفلسطيني، فالانتفاضة الفلسطينية أجلت حوارا لبنانيا لبنانيا كان يمكن أن يكون حوار الخنادق والمتاريس.