جرش-رانه نزال
بداية لابد من التنويه إلى أن خطأ مطبعيا قد وقع في كتاب مهرجان جرش بخصوص عنوان المسرحية التي ستقدمها أكاديمية عمان على مسرح الصوت والضوء غدا في مهرجان جرش التاسع عشر للثقافة والفنون، فقد سجل في الاعلان عن اسم المسرحية سمراء نسج النسيج والصواب حسب الكاتب عايد الماضي والمخرجة كاتيا التل سمراء نسج النشيد.
الفريق الذي قدم مسرحية "سمراء نسج النشيد" من الأردن يتألف من كاتيا التل مخرجة، وعايد الماضي مؤلفا، وبسام غربي مهندسا للديكور، وموسيقى كل من ايهاب حماد ويزن الروسان، مع تنغيم ندى عناني وبمشاركة عشرين فتى وفتاة تتراوح أعمارهم من 15-17 سنة.
بدأ العرض المثير لمجموعة من الاسئلة المهمة بفتيات وسط المسرح، وقد شكلن بجلستهن شكل دائرة حيث تكون وجوههن خارج الدائرة، وقد ربطت أجسادهن بالحديد، وفي الخلف منهن مجموعة من الفرسان يقف أمامهم تاج الفرسان، وهناك مجموعة من صفائح الحديد والمطارق موزعة على أرجاء المسرح.
وبدأ تاج الفرسان كراو في المسرحية بقوله:
"يحكى أن فتاة ذات مساء ساقت طيورها الى المراعي، غنت وانشدت..
لم تكن تعلم كم من مخبأ للشوك في الالحان، مضت غافلة تبحث عن خضر البطاح، ليس في دربها لمبتغى، في دربها فيضان، في دربها جنون رياح (صوت طرق الحديد) طرق الحديد المبتغى، لكنها تكره الحديد والطرق، فالجسد يعشق الانحناء، غافلة لم تسمع، لم تدرك فعل الرياح، فصارت..
الفتيات: لا... لا... لا تكمل .. نخاف... نخاف...
ليتابع النص برواية حكاية (سمرا) التي تعيش ضمن مجموعة تدرب على طرق الحديد، ويرتدي الفتيان فيها خوذات، والفتيات تعويذات تحميهم جميعا من صوت العصافير والأطيار التي اقنعوا أنهم إذا ما سمعوها تشوهوا، وتحولوا الى كائنات بشعة، لكن (سمرا) تتمرد فتستمع الى نشيد الطيور، في المنطقة الخاصة بالأصيل وبالتراث ذات اللون البني المعبر عن هذه المعاني، في حين يقبع الآخرون وقد أحاط بهم السواد واللون الكالح والمعدن الفضي، ثم تعود (سمرا) الى المجموعة، فيحاولون إعادتها الى تدريبهم ويرددون: بشوق كبير نتطلع الى ان نصير حديدا وحين تصر على رفض التدريب الذي يخضعون له يصرخون: تمادت .. تمادت.. تمادت..
وليشاهد الجمهور مواقف ترتبط بصميم العمل في صورة مشاهد مختلفة.. الاول تبدو فيه فتاة ممسكة بكتاب وتقرأ، ليأتي أحدهم ويمزق الكتاب على صوت الطرق، وفي المشهد الثاني فتاة أخرى تعزف العود لتمتد يد وتخبط على العود فيظهر صوت موسيقى مزعج مأخوذ من موسيقى الروك الصاخبة، والمشهد الثالث نرى فيه فتى يحاول أن يتحدث بالعربية الفصيحة فتمتد يد وتغلق فمه لتقول نفس الجملة بالانجليزية ، أما المشهد الرابع فنرى فيه فتاة تغزل وبالقرب منها يجلس آخر يكر ما غزلت يداها.
"البوابة" توجهت إلى مخرجة العمل كاتيا التل بسؤالها عن فكرة النص فقالت: "النص يتحدث عن طرفين، طرف التراث والطبيعة والتحرر الفكري والحس الحر، وحس القطيع الذي يتحرك فيه الخاضعون لمخاوف غير موجودة، فقط اقتنعوا بها بفعل سطوة سيطرت عليهم، فحولتهم الى حديد بلا حس، فالنص قائم على هذه الفكرة وهدفه عرض تطرف فعلها في الانسان ومستوى هذا الفعل، وسخف الخضوع للآخر، والوقوع تحت سيطرة المخاوف والهواجس غير المختبرة.
-لماذا هذه الفكرة بالذات؟
هذا ما نعيش، إنه الواقع، فمجموعة الحديد في النص الخاضعة للتدريب من شخص هو السلطة التي تأمرنا وتسمح لنا أن نفكر بما تشاء، وتمنعنا من التفكير بما لا تشاء، والذي يتعارض مع مصالحها، وبالتالي يقلل بل ويلغي سلطتها ونفوذها وسيطرتها، مجموعة الحديد في النص تقول لجماعة المتدربين: لا تفكروا، وإن فعلتم فان رأس الواحد منكم يصير ثقيلا، ويتغير شكله ليصير قبيحا ومرفوضا، وفي المقابل فإن هذه السلطة بالذات تمنع أناسها ومتدربيها من الاستماع لنشيد الطيور الذي هو رمز الحرية، لنعالج هذا الصراع من خلال فتاة هي (سمرا) التي تتمرد، وتحاول أن تخرج على ما اتفق عليه وتقرر لها من مصير ضمن هذه المجموعة.
واضح أن النص رمزي، وتجريبي في معالجته، فالفتيات يرتدين خلال النص السواد، في مقابل اللون البني الرمز للتراب والارض والحياة الخصبة لا الحياة المعدنية -ان صحت التسمية- هو منطقة الأغاريد والحياة التي تحصدها (سمرا) لخروجها على المجموعة، علما بأن بعض الفتيات حاولن فعل ما فعلت (سمرا) فكانت نتيجة إحداهن لأنها لم تخط الخطوات اللازمة أنها لم تحصد الانشاد بل حصدت التطبيل والتزمير، وممثل السلطة رجل الحديد والطرق يستشهد بها دوما ليقرع الآخرين الذين تسول لهم أنفسهم بفعل ما فعلت هذه القبيحة التي تظهر منحنية الظهر، مشعثة الشعر، ضائعة وضالة.
لغة النص المسرحي العربية الفصيحة استنارت بنشيد الانشاد في بعض أبعادها، وانتفعت بتوظيف فيروز له في أغنيتها (سمرا)، كما أن إحالات النص تردك إلى الرائعة الروائية (طيور الشوك) التي تنص فلسفتها على أن قمة الصعود هي قمة الألم، ولعل نظرية المعرفية الأفلاطونية تضئ أبعاد العمل، فالجهل راحة، والاستنامة عتق من عذاب المعرفة وألمه، وحقا.. حين يطيب الألق لابد من بعض الأرق.
فريق عمل مسرحية (سمرا نسج النشيد) قضى الليلة السابقة للعرض وهو يعد المسرح، ويعيد تنظيمه بما يتواءم وغايات العرض .
ومما لا شك فيه أن تدريب فتيات وفتيان في الثانية عشرة وحتى السادسة عشرة من العمر فن رفيع، لما فيه من قبض على جمر اشتعالاتهم وطموحهم ورؤاهم، وتوحد مع ذواتهم التي تتلمس الطريق، وأن ترقى بهم الى مستوى الدراما.
والمسرحية تقوم على فكرة رمزية جدا، مغرقة في الرمز والفكرة فيها تتحدث عن جماعة يبنى نمط حياتها على تدريب من نوع خاص يتطلب منهم أن يطرقوا الحديد دوما الأمر الذي يمنعهم من الاستماع الى أناشيد الطيور، والغريب أن مدربيهم على طرق الحديد اقنعوا تلاميذهم بأن الاستماع إلى أناشيد الطيور سيسبب لهم طنينا يجعل أشكالهم بشعة، حتى اللحظة تبدو الرمزية مستمدة من الخيال العلمي القريب الى وجدان وأذهان الفتيات والفتيان في هذا العمر وتحت تأثير وسائل الاعلام التي تخاطبهم من خلال هذا الخيال العلمي فأفلام ديزني لاند، والافلام الخيالية السينمائية تحمل الكثيرمن المضامين المشابهة وتتحدث عن افكار شبيهة بهذه، والبقية تأتي، فان تقول مات الفلاح ثم ماتت زوجته هذه قصه عادية، ولكن أن نقول مات الفلاح ثم ماتت زوجته حزنا عليه فهذه هي الدراما، ولحظة الانفجار في مسرحية "سمرا نسج النشيد" تبدأ عندما تخرج الفتاة السمراء" على هذه المجموعة وتغادر منطقتهم، وتنعزل عنهم لتبدأ تنسج نشيد الطيور، لتعود ثانية إلى مجموعتها التي تحاول ردها الى التدريب مرة أخرى، ولكن سمراء ترفض، والمسرحية تثير سؤالا خطيرا حين تبقى سمراء ضمن المجموعة.. فهل يا ترى تسمع أناشيد الطيور أم لا؟
العمل معد بطريقة معقدة ومدروسة دراسة متأنية دراميا، خدمته أدوات مسرح هادفة خلت من الارتجال سواء الاضاءة، أو الأزياء أو المؤثرات الصوتية وبخاصة التنغيم الذي يرافق العود والذي يعبر عن أسئلة مهمة.
فالى متى سيظل هذا التدريب الذي يرمز إليه بالطرق على الخشب يخدع المتلقي له، و يحرمه مما هو حق له في الحياة ،ويخيفه ويرهبه الى هذا الحد الذي يحول دور استماعه الى اناشيد الطيور.
المسرحية ذكية، وخطرة، مهمتها طرق الجدران، ورسالتها رسالة مفتوحة خاضعة لأجوبة تعيد الاعتبار للذات الانسانية.
عرض مسرحية "سمراء نسج النشيد" على مسرح الصوت والضوء في مهرجان جرش التاسع عشر للثقافة والفنون ،كان عرضا يحتاج إلى قاعة مغلقة ،تجنبه الأصوات الخارجية التي أثرت على أبعاد العرض، كما أنه كان يحتاج إضاءة أقوى من تلك المتوفرة على مسرح الصوت والضوء .
ستظل أسئلة العرض معلقة، وليس من واجب العمل أن يقدم أجوبة، لقد طرح العرض أسئلته عبر فكرة رمزية، وبلغة مدروسة وموظفة لخدمة غايات النص، وبأدوات ممتعة ولافتة، في عمل استحق المتابعة والإقرار بما له من فضل التجويب في مجاهيل مناطق شبه محظورة.
ومن المهم الإشارة إلى أن النص انبثق من ذهن وافكار الطلبة أنفسهم في أكاديمية عمان، الطلبة الذين يشعرون بالطرق على أرواحهم وأعصابهم وابداعهم، هذا المسرح التجريبي أدارته القائمات على مسرح الطلبة، وتحاورن فيه كثيرا مع الطلبة بحيث تحول في صورته الاخيرة إبداعا –(البوابة)